عربي ودولي

الخميس 04 يونيو 2026 7:24 صباحًا - بتوقيت القدس

أزمة السودان ومتاهة الإقصاء: هل تنجح مشاورات أديس أبابا في كسر حلقة الحرب؟

في ظل أجواء مشحونة بالخلافات السياسية الحادة، انطلقت في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا اجتماعات تشاورية مكثفة تمتد من الثالث وحتى الخامس من يونيو الجاري. تهدف هذه اللقاءات، التي ترعاها 'الآلية الخماسية' الدولية، إلى إيجاد مخرج للأزمة السودانية المتفاقمة وتحريك جمود العملية السياسية المتعثرة منذ اندلاع المواجهات المسلحة.

ورغم الزخم الدولي المحيط بهذه الاجتماعات، إلا أن مراقبين يرون أن فرص نجاحها تظل رهينة بتجاوز إرث الفشل في المحاولات السابقة. فالمشهد السوداني يعاني من انقسامات عميقة تتجاوز مجرد الخلاف على السلطة، لتصل إلى حد الصراع الوجودي الذي يهدد وحدة البلاد واستقرارها المجتمعي.

تعد أزمة التمثيل والشرعية من أبرز العقبات التي تواجه أي مبادرة سياسية حالية، حيث تفتقر معظم القوى المشاركة إلى تفويض شعبي حقيقي يمنحها القدرة على فرض الحلول. هذا الواقع جعل من المشاركة في المؤتمرات الدولية وسيلة للبقاء في الخارطة السياسية أكثر من كونها سعياً جاداً لإنهاء المعاناة الإنسانية على الأرض.

من جانب آخر، تبرز إشكالية تغييب الأطراف الفاعلة ومحاولات تهميش المؤسسة العسكرية كعامل معطل لأي تقدم ملموس. فالجيش السوداني ينظر بريبة إلى هذه التحركات، معتبراً إياها محاولات للالتفاف على دوره السيادي، مما يعزز حالة انعدام الثقة بين المكونات العسكرية والمدنية.

وتلعب عقلية الإقصاء المتبادل دوراً محورياً في إطالة أمد الأزمة، حيث تضع بعض التحالفات السياسية شروطاً مسبقة لإبعاد خصومها الأيديولوجيين من المشهد تماماً. هذا النهج الإقصائي، وخاصة تجاه التيار الإسلامي أو القوى المدنية المعارضة، يحول الحوار الوطني إلى ساحة لتصفية الحسابات بدلاً من بناء التوافق.

إن التجارب التاريخية في السودان ودول الجوار تؤكد أن الإقصاء الشامل لا يقود إلا إلى إعادة إنتاج الأزمات وتعميق الجراح الوطنية. فالمطالبة باختفاء الخصم كشرط للحل السياسي هي وصفة للاستمرار في دوامة العنف، حيث تصبح الحرب الوسيلة الوحيدة للأطراف المهمشة لإثبات وجودها.

ويعتقد قطاع واسع من السودانيين أن بعض هذه المنصات الدولية تُستخدم أحياناً كغطاء لترتيبات إقليمية تخدم مصالح قوى خارجية. هذا التدخل الخارجي، الذي لم يعد خافياً، يساهم في تعقيد المشهد ويجعل من القرار الوطني السوداني رهينة للتجاذبات الدولية والإقليمية المتقاطعة.

وفي غياب آليات واضحة للتنفيذ، تظل البيانات الختامية لهذه المؤتمرات مجرد حبر على ورق لا يغير من واقع الميدان شيئاً. فبينما تتوالى الجولات الدبلوماسية في العواصم المختلفة، تواصل الحرب فرض إيقاعها الدامي على المواطنين الذين يدفعون ثمن هذا الانسداد السياسي.

يتطلب المخرج الحقيقي من هذه الحلقة المفرغة شجاعة سياسية تقر بأن الإقصاء هو أحد الجذور العميقة للأزمة السودانية المزمنة. إن الاعتراف بأن لا أحد يملك حق احتكار السلطة أو تمثيل الشعب دون صناديق الاقتراع هو الخطوة الأولى نحو بناء نظام ديمقراطي مستدام يقوم على التداول السلمي.

كما تبرز الحاجة الملحة لبناء 'هوية سياسية انتقالية' تركز على حماية الحقوق والحريات الأساسية وتؤجل الخلافات الأيديولوجية الكبرى. هذا الميثاق الوطني يجب أن يستند إلى مبادئ العدالة والمحاسبة للمتورطين في الجرائم، دون تحويل الانتماء السياسي إلى تهمة تستوجب العزل.

في نهاية المطاف، يبقى السلام الحقيقي صناعة سودانية بامتياز، حيث لا يمكن للمجتمع الدولي مهما بلغت جهوده أن ينوب عن السودانيين في تقرير مصيرهم. إن الانتقال من عقلية 'أنا أولاً' إلى مفهوم 'الوطن أولاً' هو السبيل الوحيد لإنقاذ السودان من خطر التقسيم والانهيار الشامل.

دلالات

شارك برأيك

أزمة السودان ومتاهة الإقصاء: هل تنجح مشاورات أديس أبابا في كسر حلقة الحرب؟

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.