أقلام وأراء

الأحد 01 فبراير 2026 9:45 صباحًا - بتوقيت القدس

الأعلام السوداء في تل أبيب حين يصبح الاحتجاج اعترافاً متأخراً.. واختباراً أخلاقياً

لم تكن تظاهرة الأعلام السوداء التي خرجت أمس في تل أبيب مجرّد حدث احتجاجي عابر، بل لحظة مكثّفة اختزلت سنوات من التراكم الصامت: تراكم العنف، وتراكم الجريمة، وتراكم الشعور بأن حياةً كاملة تُترك لمصيرها خارج سلّم الأولويات.

لم يخرج المتظاهرون لأنهم فوجئوا بالواقع، بل لأنهم استُنزفوا به. فالاحتجاج لا يولد من الصدمة، بل من الاعتياد الذي يصبح لا يُحتمل، حين يتحوّل الدم إلى خبر، والقتل إلى رقم، والنجاة إلى صدفة.


الأسود: رمز العجز بقدر ما هو رمز الرفض


الرايات السوداء لم تُرفع فقط حداداً على الضحايا، بل إعلانٌ عن حالة انسداد. الأسود هنا ليس لون الحزن وحده، بل لون نزع الشرعية عن خطاب رسمي طويل روّج لفكرة أن الجريمة مسألة داخلية، وأن الدم يمكن احتواؤه بالإهمال أو بالإدارة الأمنية الجزئية.

اختيار الأسود -لوناً واحداً بلا شعارات حزبية- كان محاولة واعية لتجريد الاحتجاج من التسييس السطحي، لكنه في الوقت ذاته وضعه أمام امتحان قاسٍ: هل يستطيع الرمز الأخلاقي أن يتحوّل إلى أداة تغيير فعلي، أم يكتفي بإنتاج صورة قوية بلا أثر مستدام؟


ما الذي أنجزته التظاهرة فعلياً؟


حقّقت التظاهرة ثلاث نقاط لا يمكن تجاهلها.

أولاً: كسرت الجغرافيا السياسية. نقل الاحتجاج من بلدات مهمّشة إلى مركز المدينة ليس تفصيلاً شكلياً، بل مواجهة مباشرة مع قلب المجال العام الإسرائيلي، ومع سردية رسمية اعتادت إبقاء هذا الوجع خارج المشهد المركزي.

ثانياً: كشفت الفجوة العميقة بين الدولة ومواطنيها العرب. حين تتقدّم عائلات الضحايا المشهد، تسقط لغة "الظاهرة" و"الاستثناء"، ويظهر بوضوح أن ما يجري هو فشل سياسي وأخلاقي ممنهج.

ثالثاً: أعادت تعريف الجريمة بوصفها قضية عامة، لا شأناً محلياً ولا أزمة مجتمع بعينه، بل نتيجة مباشرة لسياسات تهميش طويلة الأمد، وتواطؤ مؤسسي، وغياب إرادة حقيقية لتفكيك اقتصاد العنف.

لكن الاحتجاج لا يكفي، هنا تحديداً تبدأ حدود التظاهرة بالظهور.

فالاحتجاج، حين لا يُرفق بمشروع، يتحوّل إلى تنفيس. وحين لا يُبنى عليه تنظيم وضغط متراكم، يُعاد استهلاكه في دورة مألوفة من الغضب ثم النسيان.

ما لم يتبلور بعد -بوضوح كافٍ- هو المسار التالي؛ لا يكفي أن نطالب الدولة بالتحرّك من دون تفكيك البنية التي أنتجت هذا الواقع: السياسات الأمنية الانتقائية، إغراق المجتمع بالسلاح، والتعامل مع الجريمة كأداة ضبط اجتماعي لا كخطر وجودي.

الجريمة هنا ليست خللاً طارئاً، بل نتيجة سياسية مباشرة، واستمرارها ليس فشلاً عابراً، بل اختياراً.


لمن وُجِّه الاحتجاج؟


ثمة وهم يرافق كثيراً من الاحتجاجات، وهو الاعتقاد بأن المشكلة تكمن في عدم سماع السلطة. لكن السلطة سمعت منذ زمن، واختارت ألّا تفعل.

من هنا، قد يكون المعنى الأعمق لتظاهرة اليوم ليس فيما قالته للحكومة، بل فيما قالته للمجتمع المحتج نفسه: إن الاكتفاء بالإدانة الأخلاقية لم يعد كافياً، وإن الغضب -مهما كان صادقاً- لا يصنع سياسة.

فالاحتجاج الحقيقي يبدأ حين يتحوّل الشارع إلى أداة ضغط منظمة، وحين تُصاغ المطالب بلغة قابلة للمحاسبة، وحين يُبنى مسار لا ينتهي بانتهاء اليوم.


بين الوجدان والمسؤولية


قوة تظاهرة الأعلام السوداء كانت وجدانية بلا شك. لكن الوجدان، إن لم يُضبط بالتحليل، يتحوّل إلى استنزاف. المطلوب الآن ليس تكرار المشهد، بل تعميقه: نقل النقاش من عدد الضحايا إلى أسباب القتل، ومن الإدانة العامة إلى المواجهة البنيوية مع السياسات التي سمحت للجريمة أن تزدهر.


خاتمة: اختبار مفتوح


تظاهرة أمس لم تفشل، لكنها لم تنجح بعد. هي لحظة وعي، لا لحظة إنجاز. وستُقاس قيمتها الحقيقية بما سيُبنى عليها، لا بما رُفع فيها من رايات.

الأسود الذي غطّى شوارع تل أبيب اليوم إمّا أن يبقى لون حداد دوري، وإمّا أن يتحوّل إلى لون مساءلة سياسية جذرية. بين الاحتمالين، يقف المجتمع أمام اختبار أخلاقي حاسم: إمّا أن يحوّل ألمه إلى مشروع، أو أن يعتاد النزيف... ويرفع الأعلام من جديد.


دلالات

شارك برأيك

الأعلام السوداء في تل أبيب حين يصبح الاحتجاج اعترافاً متأخراً.. واختباراً أخلاقياً

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.