هذا العنوان يحمل فكرة أن التعليم ليس مهنة كبقية المهن، بل رسالة إنسانية تقوم على العلاقات وبقائية وتنويرية ويؤكد الكثير من التربويين والمهتمين في الشأن التربوي أن مهنة التعليم لم تعد كما كانت مهنة بناء وتربية وصنع أجيال وهندسة عقول، بل أصبحت مهنة استنزاف للروج والجسد. ومع ظهور جيل جديد يسمى جيل الشاشات فإن طلاب اليوم ليسوا كطلاب الأمس، فالطلاب داخل الصف عيونهم مفتوحة وينظرون إلى المعلم ولكنهم ليسوا هناك فهم شاردو الذهن يشعرون بالملل وقلة التركيز والانتباه، وإن طفل هذا العصر يأتي إلى المدرسة لا يعرف كلمة لا ولا يجلس بهدوء ولا يعتذر ولا يعرف حدوده، هؤلاء جيل الشاشات ووسائل التواصل الاجتماعي يهربون من المهمات والالتزامات ويعانون من فقدان الإحساس بالزمن، يعانون من قلة الدافعية والانطواء والانعزالية وضعف مهارات الكتابة وضعف التحصيل، ومع هذا يطلب من المعلم أن يعلم وأن يكون صبورا ويربي وكأن المعلم آلة لا يتعب ولا يشعر، فالمعلم بشر طاقته تتلاشى بعد كل معركة صفية.
قال لي أحد المعلمين: طلبت من الطلاب أن يحضروا خمسة أسئلة وكتابة موضوع إنشاء ويلخصوا ما تم عرضه في الدرس عن التلوث إلى الدرس القادم بعد يومين، وكانت المفاجأة أنه خلال دقائق رفع عدد من الطلاب أيديهم وقالوا نحن جاهزون للإجابة على كل ما سألت من خلال اليوتيوب لماذا ننتظر يومين؟ فقلت له طلاب الشاشات يفضلون وجبات الأطعمة السريعة ووجبات المعرفة السريعة، فهؤلاء الطلاب بحاجة إلى معلم ميسر متفتح متفهم واسع الاطلاع ويواكب، وإلى بيئة صفية تفاعلية فيها نشاطات متنوعة تلائم جميع الطلاب وإلى أساليب تدريس أكثر تحفيزا ومرونة وتنوعا وإلى تقويم من أجل التعلم وتقويم قائم على الأداء لا على الامتحان وإلى منهاج يواكب العصر يراعي اهتمامات وأحلام الطلاب، وهنا أقول إن المعلم بحاجة للتقدير والاعتراف بدوره والاحترام للجميع والطالب كذلك، يسعده أن يسمع كلمة شكر وثناء يكتبها المعلم بخط يده وكما يقال كلمة بجنن كلمة بتحنن وأقول أن الكلمة هي كالبذرة تغرس في قلوب الطلاب ولا تغرس في الأرض وهذا ما يترك أثرا لا يمحى في نفوس الطلاب.
وهنا أقول إن من يجرؤ أن يكون معلما في هذا العصر عليه أن:
- يرى ما لا يراه الطلاب- يكون العين التي ترى الموهبة قبل أن تظهر – يؤمن بأن داخل كل طالب عقل بحاجة إلى الانطلاق- يؤمن أن التعليم ليس للتلقين ولا للحفظ بل لإيقاظ العقل- يرى أن التعليم فعل نشط إنساني تنويري يحتاج إلى شجاعة وليس إلى اجترار معلومات- يجعل من نفسه سلما ومصباحا وقاربا ونورا وشمعة – يؤمن بأن التعليم لا يقاس بالعلامات المرتفعة في زمن يقاس كل شيء بالنتائج السريعة-يؤمن أن التعليم رحلة معرفية لا تنتهي-يؤمن أن التعليم ليس حل مسألة حسابية بل تكوين صداقات وعلاقات إنسانية واكتساب قيم أخلاقية – يرى في كل طفل وعد صغير- يفتح نوافذ جديدة أمام عقل الطالب- يركز على التساؤل لا على الإجابات-يؤمن أن هدف التعليم ليس خلق طالب جيد بل مواطن جيد-يمنح الطلاب القيمة قبل العلامة-يؤمن أن التعليم ليس نقل معلومة بل صناعة إنسان- يؤمن أن من خلال التعليم يمكن هندسة العقل- يؤمن أن هدف التعليم هو تحرير العقل القادر على غربلة الأفكار- يؤمن أن للتعليم وجهين، الوجه الظاهري المرئي الكتاب والواجبات والامتحانات والعلامات والوجه اللامرئي فيه المشاعر والعلاقات الإنسانية والتعب والإرهاق – يجعل من نفسه جسرا يعبر عليه الطلاب ثم يدمر الجسر حتى يقوموا الطلاب ببناء جسورهم-يكتشف مواهب الطلاب وينميها ويوجهها ويطورها- يؤمن أن طلاب اليوم ليس بطلاب الأمس- يؤمن أنه إذا علمنا طلاب اليوم بأساليب الأمس فسنسرق منهم مستقبلهم- يؤمن أن تعليم جميع الطلاب بنفس الطريقة يؤدي إلى موت قلوبهم-يعلم موضوع واحد بعشرة طرق مختلفة ولا يعلم عشر مواضيع بطريقة واحدة- يستعمل أساليب تعليم تقوم على التحفيز والمرونة والتنوع- يؤمن أن التعليم في جوهره هوبناء علاقات إنسانية-يؤمن أن التعليم دون تخطيط كالإبحار بلا خريطة قد تتحرك لكن لن تصل- يؤمن أنه إذا علمنا الطالب التفكير فإننا نحرره وحين نلقنه فإننا نضمه إلى القطيع- يؤمن أن أعظم إنجازات المعلم ليست في الدروس التي يلقيها بل في الفضول الذي يشعله والأحلام التي يلهمها والعقول التي يوقظها-يساعد على الانتقال من طالب يحفظ إلى طالب يفكر ويشارك- يؤمن أن ثلاثية الحفظ والتلقين واسترجاع المعلومة دمرت أحلام الطلاب وأن التلقين هوعدوالعقل- يتأكد من صحة البوصلة بعد كل خطوة- يجب أن لا يكون كالمجهر الذي يضخم التفاصيل الصغيرة ويكتشف مواطن القبح بل يجب أن يكون كمرآة تعكس ما أمامها بحيادية-يؤمن أن الطلاب لا يتعلمون ممن لا يحبون- يؤمن أن أعظم المعلمين هم أولئك الذين يؤمنون بطلابهم حتى عندما يتوقف الطلاب عن إيمانهم بأنفسهم- يؤمن أن الطفل يولد فنانا والمهم هو كيف نبقيه فنانا على طول- يؤمن أن العلاقة بين المعلم والطالب هي العامل الأكثر تأثيرا في نجاح العملية التعليمية- يعرف أن جميعنا نملك نفس العين لكن لا نملك نفس النظرة إلى الأشياء.
وأخيرا أقول، نحن التربويين المحاورون الذين فهمنا كل شيء نحتاج إلى كرة أرضية ثانية لنزرع فيها روح الأخلاق والتعليم والتربيع والتواضع، نحن أصحاب اليقظة أصحاب البوصلة نصنع البوصلة لليوم التالي ولا ننتظرها.
أقلام وأراء
الثّلاثاء 27 يناير 2026 9:47 صباحًا - بتوقيت القدس





شارك برأيك
إلى من يجرؤ أن يكون معلما لجيل الشاشات في هذا العصر