ليست الفكرة هنا إصدار حكم أخلاقي على فتح أو حماس، ولا تحميل أيٍّ منهما وحدها مسؤولية ما آلت إليه الحالة الفلسطينية، بل محاولة قراءة التجربة الوطنية من زاوية تحليلية أعمق: زاوية "الفعل المؤسس" الذي تنتجه الحركات الكبرى في لحظة تاريخية حرجة، ثم يتحول مع الزمن إلى بصمة بنيوية تعيد تشكيل المجال السياسي كله، وتطبع الحركة ذاتها بطابع يصعب الفكاك منه. في الأدبيات المقارنة توصَف هذه اللحظات بـ "المنعطفات الحرجة": لحظات لا تغيّر مسار السياسة فحس، بل تُتشئ مسارات جديدة ذات اعتماد ذاني، تُقيِّد الخيارات اللاحقة، وتجعل الفعل المؤسس مرجعية صامتة لكل ما يأتي بعده.
بهذا المعنى، يمكن النظر إلى اتفاق أوسلو بوصفه الفعل المؤسس لحركة فتح في المرحلة المعاصرة، لا لأنه كان بالضرورة "خطأ أخلاقيا"، بل لأنه أعاد تركيب المجال السياسي الفلسطيني برمته. لم يكن أوسلو مجرد مسار تفاوضي، بل تأسيسا لنمط حكم جديد: سلطة بلا سيادة، اقتصاد معتمد على المانحين، أمن وظيفي في ظل احتلال، وانتقال من منطق حركة التحرر إلى منطق الإدارة اليومية للسكان. هذا التحول أفرز بنية سياسية هجينة: لا هي دولة قابلة للحياة، ولا هي حركة تحرر قادرة على الاشتباك المفتوح. ومع الزمن، لم تعد أزمة هذا المسار في تعثره، بل في كونه أصبح هو ذاته السياسة الممكنة، ومصدر الشرعية، وأفق التفكير. هكذا التصقت بخركة فتح البصمة الأوسلوية بوصفها الحركة التي أدخلت الفلسطينيين في طور السلطة الانتقالية المفتوحة بلا أفق سيادي، وما رافق ذلك من تشظي تمثيلي، وتآكل في معنى التحرر، واعتماد بنيوي على ترتيبات خارجية.
في المقابل، ارتبطت حماس تاريخيا بالفعل المفصلي في السابع من تشرين الأول/أكتوبر، بوصفه لحظة كسرت منطق احتواء الصراع وتطبيعه، وأعادت إدخال القضية الفلسطينية إلى قلب السياسة العالمية، ولكن عبر كلفة إنسانية وسياسية غير مسبوقة. لم يكن هذا الفعل مجرد عملية عسكرية، بل حدثا مفصليا نقل الصراع إلى مدى أقصى: حرب شاملة على غزة، اختبار عالمي للقانون والأخلاق، وإعادة طرح سؤال اليوم التالي المتضمّن من يحكم؟ من يمثل ماذا؟ وما شكل المشروع الوطني الممكن بعد الدمار؟ بهذا المعنى، لم يعد اسم حماس منفصلا عن "الطوفان" كفعل تعريف تاريخي، تماما كما لم تعد فتح منفصلة عن أوسلو. هنا لا تعود المسألة في النوايا، بل في الأثر المساري: فعل واحد يعيد تشكيل المجال، ويضع الحركة في موقع لا تستطيع الانفكاك منه، سواء في الدفاع أو في النقد.
تُظهر تجارب عديدة أن الحركات الكبرى غالبا ما تُعرَف تاريخيا بلحظة واحدة: المؤتمر الوطني الأفريقي بتحرير جنوب أفريقيا، جبهة التحرير الجزائرية بحرب الاستقلال، شين فين بالتحول من السلاح إلى التسوية، المحافظون البريطانيون ببريكست، حزب العمل الإسرائيلي بأوسلو، والليكود بإعادة تعريف إسرائيل بوصفها دولة قومية توسعية. في كل هذه الحالات يصبح الفعل المؤسس مصدر شرعية، ثم يتحول مع الزمن إلى عبء بنيوي حين تتغير شروط التاريخ وتبقى الحركة أسيرة علامتها الأولى. عند هذه النقطة لا يعود السؤال: من كان على حق؟ بل: هل ما تزال هذه الحركة قادرة على إنتاج أفق جديد يتجاوز فعلها المؤسس؟
يبدو الحديث عن "ما بعد" في الحالة الفلسطينية أصعب بكثير منه في سياقات أخرى، بما فيها الإسرائيلية، لأن هذا السؤال لا يُطرح فوق أرض مستقرة سياسيا أو سيادبا، بل فوق فراغ تاريخي مفتوح. ففي أغلب السياقات الأخرى يُطرح "ما بعد الحزب" داخل دولة قائمة بمؤسسات راسخة. حين يُقال في إسرائيل "ما بعد الليكود" أو "ما بعد نتنياهو"، يدور النقاش داخل إطار دولة مكتملة: الجيش، الاقتصاد، القضاء، والهوية السياسية العامة كلها باقية، والخلاف يظل محصورا في اتجاهات الحكم لا في وجود الكيان ذاته.
أما في الحالة الفلسطينية، فإن الحديث عن "ما بعد فتح وحماس" لا يجري داخل دولة قائمة، بل داخل مشروع وطني لم يكتمل، وكيان سياسي لم يتشكل بعد. الأحزاب هنا لا تتنافس على إدارة دولة مستقرة، بل تقوم فعليا مقام الدولة الغائبة. فتح تتحمل عبء التمثيل الخارجي وبنية السلطة تحت الاحتلال، فيما لا تمثل حماس مجرد حزب معارض، بل بنية حكم في غزة وحاملا عسكريا للمقاومة. لذلك لا يُستقبل التفكير في "ما بعدهما" بوصفه انتقالا سياسيا عاديا، بل بوصفه احتمالا لفراغ شامل في الوظائف الأساسية التي يفترض أن تؤديها الدولة: التمثيل السياسي، إدارة الحكم، التفاوض، الدفاع، وتنظيم الحياة اليومية للناس. في مثل هذا السياق، لا يبدو "ما بعد" انتقالا داخل نظام قائم، بل قفزا في المجهول، يمسّ البنية الكلية للمشروع الوطني نفسه، لا مجرد توازنات السلطة داخله.
يزداد الأمر تعقيدا لأن الحقل الفلسطيني محكوم بشرط الاحتلال. في ظل غياب السيادة، تصبح السياسة محمّلة بوظائف وجودية: البقاء، الحماية، الاعتراف، والتمثيل. في مثل هذا السياق تميل الجماعات إلى التمسك بما هو قائم، مهما كان مأزوما، لأن البديل يبدو مخاطرة وجودية لا مجرد مغامرة سياسية. في إسرائيل يمكن استبدال حزب بآخر دون خوف على استمرار الدولة؛ في فلسطين يُخشى أن يكون "ما بعد" انهيارا لا انتقالا.
ثم إن التجربة الفلسطينية مثقلة بذاكرة انكسارات متراكمة: إخفاقات التسوية، انهيار الوحدة، الحصار، الحروب، وتآكل التمثيل. هذه الذاكرة تجعل الخيال السياسي فقيرا ومثقلا بالحذر. يصبح السؤال ليس "ما البديل الأفضل؟" بل "هل نملك ترف التجريب أصلا؟". في مثل هذا المناخ، يتحول التفكير في "ما بعد" إلى مجازفة رمزية، لأنه يفتح على احتمالات الفوضى بقدر ما يفتح على إمكان التجديد.
انطلاقا من ذلك يمكن بلورة أطروحة مفادها أن النظام السياسي الفلسطيني دخل طور " انسداد الثنائية الحاكمة": حيث أصبحت فتح وحماس، رغم اختلافهما الجذري، أسيرتين لمنعطفين تاريخيين لم تعودا قادرتين على تجاوزهُما أو إنتاج معنى جديد للعمل الوطني خارج ظلهما. فتح محكومة ببنية أوسلو وما راكمته من مؤسسات وارتباطات واقتصاد سياسي، وحماس محكومة بلحظة الطوفان وما فتحته من أسئلة وجودية حول الكلفة والقدرة والحماية والمعنى. كلاهما يمتلك شرعية تاريخية، لكن هذه الشرعية باتت أكثر ماضوية من كونها أدائية؛ تستند إلى ما كان، لا إلى ما يمكن إنجازه في شروط ما بعد الكارثة.
هنا يبرز سؤال "ما بعد فتح وحماس" لا بوصفه دعوة إقصائية، بل بوصفه سؤالا بنيويا حول قدرة الثنائية القائمة على إنتاج استراتيجية وطنية قابلة للحياة. ليس المقصود نهاية الحركتين، بل نهاية احتكارهما لأفق السياسة الفلسطينية ومعناها. "ما بعد" تعني إتاحة أفق جديد للتمثيل والتفكير والتنظيم، يتجاوز معادلة أوسلو/الطوفان بوصفها حدود الممكن.
يمكن اختبار الدخول الفعلي في هذا الطور عبر مؤشرات ملموسة، لا عبر الشعارات: تآكل قدرة الحركتين على احتكار تعريف "الوطني"، وبحث قطاعات واسعة، خاصة من الأجيال الشابة، عن أشكال تمثيل بديلة؛ ظهور مبادرات تنظيمية أو فكرية عابرة للاستقطاب تتحدث بلغة المشروع لا بلغة المحور؛ انتقال النقاش العام من سؤال "من معنا؟" إلى سؤال" ما الاستراتيجية القابلة للحياة؟"؛ وإعادة إحياء مطلب إعادة بناء التمثيل الوطني على أسس شاملة وديمقراطية بوصفه شرطا وجوديا لأي مشروع جديد.
إذا تحققت هذه المؤشرات، نكون قد دخلنا فعليا طور "ما بعد فتح وحماس"، لا بوصفه فراغا سياسيا، بل بوصفه أفقا لإعادة تأسيس السياسة الفلسطينية خارج أسر المنعطفات القديمة. أما البقاء داخل الثنائية، فمعناه إعادة تدوير التاريخ ذاته: سلطة بلا سيادة من جهة، ومقاومة بلا أفق سياسي جامع من جهة أخرى، فيما تستمر الكلفة المجتمعية في الارتفاع ويتقلص هامش المعنى والأمل. ويزداد هذا المأزق خطورة في ظل تحولات عالمية عميقة ومقلقة، ليس أقلها النزعة المتصاعدة نحو "خصخصة" النظام الدولي، كما تعكسها سياسات ترامب، والمؤشرات المتزايدة على تشكّل نظام عالمي متعدد مراكز القوة، بما يحمله من ارتدادات على الجنوب العالمي الذي تقع القضية الفلسطينية في قلبه. ففي عالم يتفكك فيه الإطار الأخلاقي والقانوني الذي حكم مرحلة ما بعد الحرب الباردة، وتتراجع فيه قيمة الضعفاء في حسابات القوة، تصبح القدرة على إعادة بناء الذات السياسية شرطا للبقاء لا ترفا فكريا. في لحظة كهذه، يغدو سؤال "ما بعد فتح وحماس" ليس تمرينا ذهنيا ولا رغبة في القطيعة، بل ضرورة وجودية: سؤالا عن كيفية استعادة الفلسطينيين قدرتهم على تخيّل مستقبلهم، وصياغة مشروعهم، وحمل قضيتهم خارج ثنائية استنفدت طاقتها التاريخية، في مواجهة عالم يدفعهم، مرة بعد أخرى، إلى حافة محو المعنى قبل محو المكان.





شارك برأيك
حين تستنفد الحركات أفعالها: في أفق ما بعد "فتح" و "حماس"