عربي ودولي

السّبت 03 يناير 2026 8:28 مساءً - بتوقيت القدس

ترمب: إدارة فنزويلا بالقوة، ووضع نفطها تحت الوصاية الأميركية

واشنطن – سعيد عريقات 

في مؤتمره الصحفي الذي عقده ظهرا في منتجعه مار-آ-لاغو ظهر يوم السبت، أطلق الرئيس الأميركي دونالد ترمب تصريحات غير مسبوقة بشأن فنزويلا، أعلن فيها أن الولايات المتحدة ستتولى "إدارة البلاد" بشكل مؤقت، عقب عملية عسكرية قال إنها نجحت في شل القدرات الفنزويلية وأشر  الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو. هذه التصريحات، التي جاءت في مؤتمر صحفي حافل بالرسائل السياسية والعسكرية، لم تُخفِ جوهر المقاربة الأميركية الجديدة: تدخل مباشر، إدارة فعلية، وربط صريح بين القوة العسكرية والنفط ومبدأ مونرو.

يشار إلى أن مبدأ مونرو يعود إلى الرئيس الأميركي الخامس جيمس مونرو في عام 1823، كان مبدأ مونرو، الذي يُعدّ جزءًا أساسيًا من السياسة الخارجية الأميركية منذ ذلك الوقت ، والذي جاء بمثابة تحذير للقوى الأوروبية من أي استعمار أو تدخل إضافي في الأميركتين، كون أن هذه المنطقة هي منطقة نفوذ للولايات المتحدة.

وقال ترمب بوضوح إن واشنطن ستدير فنزويلا إلى حين ضمان "انتقال آمن وسليم وحكيم"، مكرراً هذا الوصف أكثر من مرة، في إشارة لافتة إلى أن الولايات المتحدة لا تثق بقدرة الفنزويليين، أو أي مسار داخلي، على إنتاج سلطة مستقرة دون إشراف خارجي. ورغم قوله إنه لا يريد "التدخل في وصول شخص آخر إلى السلطة"، فإن مجرد إعلان إدارة بلد ذي سيادة ينطوي على تدخل مباشر في جوهر العملية السياسية.

وفي محاولة لتبرير هذه الخطوة الضادمة، قدّم ترمب العملية العسكرية بوصفها استعراضاً مذهلاً للقوة، قائلاً إن جميع القدرات العسكرية الفنزويلية أصبحت عاجزة خلال ساعات، وإن قوات الجيش الأميركي، بالتعاون مع أجهزة إنفاذ القانون، تمكنت من القبض على مادورو "في جنح الليل". وأكد أن الهجوم كان ساحقاً وسريعاً، ولم يسفر عن أي خسائر أميركية، لا في الأرواح ولا في المعدات، مقدماً العملية كنموذج للكفاءة العسكرية الأميركية.

غير أن أخطر ما في تصريحات ترمب لم يكن البعد العسكري وحده، بل ما تلاه من إعلان سياسي واقتصادي صريح. فقد أكد أن الولايات المتحدة ستعيد بناء البنية التحتية النفطية الفنزويلية، وأن شركات النفط الأميركية ستستثمر مليارات الدولارات لإصلاحها وإعادة تشغيلها، على أن تتحمل تلك الشركات التكاليف مباشرة. هذا الربط العلني بين التدخل العسكري وإدارة النفط أعاد إلى الأذهان نماذج تاريخية للتدخل القائم على الموارد، لكنه جاء هذه المرة بلا مواربة.

وفي هذا السياق، أشار ترمب بوضوح إلى أنه ينفذ مبدأ مونرو، مؤكداً أن نصف الكرة الغربي يقع ضمن المجال الاستراتيجي الأميركي، وأن ما يجري في فنزويلا شأن يخص الأمن والمصالح الأميركية. هذا التصريح، الذي يعيد إحياء عقيدة تعود للقرن التاسع عشر، كشف عن منطق الهيمنة الكامن خلف الخطاب، حيث تُقدَّم السيطرة السياسية والاقتصادية بوصفها "استقراراً" و"إدارة مؤقتة".

على الصعيد الرسمي، قال مسؤولون أميركيون إن وحدة "دلتا فورس" نفذت عملية القبض على مادورو، فيما أكد وزير الخارجية ماركو روبيو أن الرئيس الفنزويلي يواجه اتهامات جنائية في الولايات المتحدة منذ سنوات، وأنه "ليس رئيساً شرعياً". هذا الخطاب القانوني، الذي يصوّر التدخل العسكري كامتداد لإنفاذ العدالة الأميركية، أثار انتقادات واسعة، خصوصاً في ظل غياب أي تفويض دولي أو قرار من الكونغرس.

في تصعيد لافت في الخطاب الأميركي تجاه كوبا، هدّد وزير الخارجية روبيو بإمكانية تكرار ما وصفه بـ"نموذج تغيير النظام" الذي اتبعته الولايات المتحدة في فنزويلا، ملمّحًا إلى أن هافانا قد تواجه مسارًا مشابهًا إذا استمرت، بحسب تعبيره، في تحدي المصالح الأميركية. وجاءت تصريحات روبيو في سياق دفاعه عن العملية الأميركية ضد فنزويلا، حيث اعتبر أن الرسالة موجهة إلى خصوم واشنطن في المنطقة، وعلى رأسهم كوبا، بأن الولايات المتحدة مستعدة لاستخدام القوة لفرض إرادتها السياسية. وأضاف روبيو أن القيادة الكوبية "تعرف جيدًا العواقب"، في إشارة فسّرها مراقبون على أنها تهديد مباشر بإعادة إحياء سياسات التدخل وتغيير الأنظمة في أمريكا اللاتينية

وتأتي هذه التطورات بعد أشهر من تصعيد عسكري متدرج في المنطقة، شمل حشد حاملات طائرات، ومصادرة ناقلات نفط، وشن غارات على قوارب تقول واشنطن إنها مرتبطة بتهريب المخدرات. ويبدو أن العملية الأخيرة لم تكن حدثاً مفاجئاً، بل نتيجة مسار طويل من الضغط انتهى بفرض أمر واقع بالقوة.

تصريحات ترمب عن الاستعداد لشن هجوم ثانٍ "أكبر بكثير" إذا لزم الأمر، وعن وجود قوات برية أميركية داخل فنزويلا، عمّقت المخاوف من تحول "الإدارة المؤقتة" إلى احتلال فعلي مفتوح النهاية. وبينما تحدث الرئيس عن السلام والحرية والعدالة للشعب الفنزويلي، بقي السؤال الجوهري معلقاً: هل يمكن فرض هذه القيم بالقوة، أم أن ما يجري هو إعادة صياغة للهيمنة بلغة أكثر صراحة؟

مبدأ مونرو بصيغة القرن الحادي والعشرين

إحياء ترمب لمبدأ مونرو ليس مجرد استدعاء تاريخي، بل إعادة تعريف فجة للنفوذ الأميركي في أميركا اللاتينية. الفرق اليوم أن الخطاب لم يعد مغطى بالدبلوماسية أو التحالفات، بل معلن بوضوح: السيطرة مقابل الاستقرار. هذا التحول يعكس انتقال السياسة الأميركية من إدارة النفوذ إلى فرضه، وهو ما قد يفتح الباب أمام صراعات إقليمية طويلة الأمد.

النفط كجوهر القرار لا كنتيجته

عندما يربط رئيس أميركي التدخل العسكري مباشرة بإعادة تشغيل النفط وتحقيق الأرباح، فإن الحديث عن الديمقراطية يصبح هامشياً. النفط هنا ليس نتيجة جانبية للاستقرار، بل محركه الأساسي. هذا الاعتراف العلني يقوّض الروايات الأخلاقية التقليدية، ويعزز الانطباع بأن السيادة تُقايَض بالموارد، لا بالشرعية الشعبية.

الشرعية الغائبة ومستقبل فنزويلا

لعل أخطر ما في المشهد ليس إسقاط مادورو، بل الفراغ القانوني والسياسي الذي يليه. إدارة دولة بالقوة، دون تفويض دولي أو إطار زمني واضح، تضع فنزويلا أمام مستقبل غامض. التجارب السابقة تشير إلى أن "الإدارة المؤقتة" غالباً ما تطول، وأن كلفة إعادة بناء الدول المفروضة من الخارج تكون إنسانية وسياسية باهظة.

دلالات

شارك برأيك

ترمب: إدارة فنزويلا بالقوة، ووضع نفطها تحت الوصاية الأميركية

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.