عربي ودولي

الجمعة 02 يناير 2026 3:56 مساءً - بتوقيت القدس

البعثة الأممية في ليبيا تلوّح بـ"آلية بديلة" بعد تصاعد الخلاف بين مجلسي النواب والدولة

أعادت البعثة الأممية في ليبيا التذكير بما جاء في الإحاطة الأخيرة للمبعوثة الأممية هانا تيتيه أمام مجلس الأمن الدولي في 19 ديسمبر الماضي، بأنها ستقترح على مجلس الأمن "آلية بديلة" في حال فشل مجلسي النواب والدولة "في التوصل إلى اتفاق بشأن استحقاقات خريطة الطريق السياسية".

وجاء هذا التذكير، الذي نشرته الصفحة الرسمية للبعثة الأممية على موقع فيسبوك، بعد يوم واحد من بيان أصدرته البعثة الأربعاء الماضي، علقت فيه على تجدد وتصاعد الخلاف بين مجلسي النواب والدولة، على خلفية اتهامات وجهها رئيس مجلس النواب عقيلة صالح، خلال كلمته في افتتاح جلسة البرلمان الثلاثاء الماضي، إلى رئيس المحكمة العليا عبد الله بورزيزة، في إطار تعزيز خطوته الرامية إلى نقل صلاحيات النظر في القضايا الدستورية من المحكمة العليا إلى المحكمة الدستورية التي أنشأها في بنغازي.

وجاءت اتهامات صالح في خضم رفض المحكمة العليا هذا التوجه، حيث وصف رئيسها بأنه "أصبح خصماً سياسياً وغير محايد"، و"غير مؤهل للنظر في أي أمر يتعلق بالبرلمان". في المقابل، ردت المحكمة العليا بأن "مجلس النواب سلطة مؤقتة تقتصر مهمته على تلبية متطلبات المرحلة الانتقالية بما يضمن تسريع الوصول إلى المرحلة الدائمة"، مؤكدة أن "أي تعرض من رئيس مجلس النواب للسلطة القضائية يعد عملاً محظوراً ومخالفاً للدستور"، ومشددة على أن "إنشاء محكمة دستورية شأن دستوري خالص يختص به دستور البلاد وليس التشريع".

وأمس الخميس، أصدر المجلس الأعلى للدولة بياناً داعماً لموقف المحكمة العليا ضد "حملات التشكيك التي يتعرض لها القضاء"، واصفاً إياها بأنها "اعتداء خطير وانتهاك للمبادئ الدستورية". وعبّر المجلس عن رفضه إنشاء محكمة دستورية، معتبراً أن "إنشاء كيانات قضائية موازية من مجلس النواب تفتقر إلى السند الدستوري يُعد تصعيداً تجاه السلطة القضائية"، مؤكداً أن حماية القضاء واحترام الإعلان الدستوري "ليسا خيارين سياسيين قابلين للمساومة أو التوظيف". وشدد على أن "مجلس النواب جسم تشريعي مؤقت ومحدود الصلاحيات، ولا يملك أي سند دستوري يخوله إعادة تعريف الشرعية".

وعقب تصريحات صالح، أصدرت البعثة الأممية بياناً اعتبرت فيه أن هذه التصريحات "تهدم ركن العدالة"، ووصفت البيانات المتبادلة بين الأطراف بأنها تمثل "نزاعاً" يشكل خطراً على وحدة واستقلال ونزاهة القضاء، مشيرة إلى أن القضاء "يُعد ركيزة أساسية للحفاظ على وحدة الدولة الليبية، وأي انقسام يطاوله ينطوي على آثار بعيدة المدى تشمل جميع جوانب الحياة في البلاد".

ومن مظاهر التصعيد التي دفعت بها رئاسة مجلس النواب، خلال الجلسة نفسها الثلاثاء الماضي، إصدار قرار باستكمال مجلس إدارة المفوضية العليا للانتخابات. غير أن المجلس الأعلى للدولة رفض هذا القرار، معتبراً أن الخطوة يشوبها "خلل إجرائي وقانوني"، وتمثل "إجراءً أحادياً"، يتعارض مع التوافقات السياسية القائمة بين المجلسين، والتي تنص على "تغيير مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات بالكامل"، و"ليس استكماله"، وفقاً للاتفاق المعلن بين الطرفين في الرابع من أكتوبر الماضي.

ويُعد تغيير مجلس إدارة مفوضية الانتخابات الشق الأول من المرحلة الأولى في خريطة الطريق السياسية التي أعلنتها البعثة الأممية في 23 أغسطس الماضي، إلى جانب إجراء تعديلات على القوانين الانتخابية. إلا أن مجلسي النواب والدولة لم يحرزا حتى الآن أي تقدم في تنفيذ هذه المرحلة.

وفي إحاطتها أمام مجلس الأمن في ديسمبر الماضي، وجهت تيتيه إنذاراً واضحاً للمجلسين بإمكانية التوجه نحو "آلية بديلة" في حال فشلهما في "التوصل إلى اتفاق بشأن استحقاقات خريطة الطريق السياسية"، والمتمثلة في إعادة تشكيل مجلس مفوضية الانتخابات وإجراء تعديلات على القوانين الانتخابية، مؤكدة أن هذه المهام "ذات أولوية" ضمن الخريطة.

واعتبرت تيتيه أن تعثر المجلسين في التوصل إلى اتفاق حول المرحلة الأولى "ينم عن غياب الثقة بين المؤسستين، والانقسامات الداخلية في كل منهما، وعدم القدرة على تجاوز خلافاتهما"، كما نبهت إلى "غياب أي أفق واضح بشأن تعديل الإطار الدستوري والقانوني للانتخابات". وشددت في المقابل على أنه "من الضروري إنجاز هاتين المهمتين من أجل الوصول إلى انتخابات تحظى بمصداقية"، مذكرة بأنها سبق أن حذرت من أنه "إذا لم تُحرز المؤسستان تقدماً في أول مرحلتين من خريطة الطريق السياسية، فسيكون ذلك مدعاة لنا للبحث عن آلية بديلة، وسأطلب الدعم من هذا المجلس.. وأعتزم عرض هذه الآلية في إحاطتي القادمة في شهر فبراير".

وكان مجلسا النواب والدولة قد أظهرا، عقب إعلان البعثة الأممية لخريطة الطريق، استعداداً لإعادة تشكيل مجلس إدارة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، وشكّلا لجنة مشتركة للنظر في ملف المناصب السيادية، باعتبار المفوضية أحدها. وفي الرابع من أكتوبر الماضي، اتفق المجلسان على البدء بتسمية شاغلي هذه المناصب، مع إعطاء الأولوية لمفوضية الانتخابات خلال مهلة عشرة أيام، غير أن هذا الاتفاق لم يتحول إلى إنجاز فعلي، ما عكس هشاشة الثقة بين المؤسستين وعجزهما عن ترجمة التوافق السياسي إلى قرارات مشتركة ملزمة.

وانتهى هذا المسار إلى إعلان مجلس النواب، الثلاثاء الماضي، الاتجاه إلى "استكمال مجلس المفوضية" عبر ملء الشواغر، وهو ما اعتبره المجلس الأعلى للدولة مخالفة صريحة لما تم الاتفاق عليه، والمتمثل في تغيير مجلس المفوضية بالكامل. وبينما آل الشق الأول من المرحلة الأولى إلى خلاف متصاعد، بقي الشق الثاني، المتعلق بإجراء تعديلات على القوانين الانتخابية، معلقاً بالكامل دون أي نقاش فعلي.

ووفقاً لمرافقين، قد يكون "الحوار المهيكل"، الذي يمثل ركناً أساسياً في خريطة الطريق الأممية، أحد المسارات التي قد تمثل "البديل" المحتمل كمخرج من حالة الانسداد بين المجلسين. وكانت البعثة قد أعلنت عن هذا الحوار ضمن الخريطة في 23 أغسطس الماضي، قبل أن تطلقه عملياً يومي 14 و15 ديسمبر الماضيين، بمشاركة 124 شخصية، تم اختيارها من بين مئات المرشحين، تمثل أطيافاً سياسية ومجتمعية وأكاديمية ومكونات ثقافية، لصياغة حلول في أربعة مجالات مرتبطة بالأزمة الليبية، وهي الحوكمة، والأمن، الاقتصاد، والمصالحة الوطنية، للتهيئة إلى مرحلة إجراء الانتخابات.

وتبرز الأهمية السياسية لـ"الحوار المهيكل" بربط تيتيه بين مخرجاته وبين ما سمته "الآلية البديلة"، حين أكدت، في مفتتح الجلسة الأولى للحوار، بأن هدفه "الخروج بتوصيات عملية عاجلة لتحسين الحوكمة وتهيئة البيئة الملائمة لإجراء الانتخابات، إضافة إلى مقترحات سياسية وتشريعية تعالج جذور النزاع طويلة الأمد، وصولاً إلى صياغة رؤية وطنية موحدة تعزز الاستقرار"، ما يشير إلى إمكانية أن يتجاوز الحوار معالجة الاستحقاقات الانتخابية المباشرة إلى مقاربة أعمق لجذور الأزمة، تؤهله إلى أن يكون "البديل" الذي قد تنتج توصياته أرضية تتحرك وفقها البعثة إذا استمر عجز مجلسي النواب والدولة.

دلالات

شارك برأيك

البعثة الأممية في ليبيا تلوّح بـ"آلية بديلة" بعد تصاعد الخلاف بين مجلسي النواب والدولة

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.