في ظل التطورات الأخيرة، يبرز "الميكانيزم" كإطار مؤثر في إدارة المرحلة الانتقالية في لبنان. وبحسب مصادر سياسية، فإن هذه اللجنة باتت تحكم لبنان عملياً، وتشرف على الانتخابات المقبلة، وتدير انتقال البلاد من حالة اهتزاز السلطة إلى مرحلة سياسية جديدة غير واضحة المعالم. هذا يشير إلى دخول لبنان مرحلة وصاية سياسية وأمنية تحت عنوان تنظيم الانتقال وضبط المخاطر.
دور "الميكانيزم" يتجاوز المتابعة التقنية لتنفيذ التفاهمات أو تثبيت خطوط الاشتباك. فالثقل الدولي الذي يدعمه يحوله إلى غطاء سياسي للحكومة وأداة تحصين ضد الانزلاق إلى حرب جديدة مع إسرائيل. ومع ذلك، يثير هذا الدور أسئلة حول حدود هذه الوصاية ومدتها الزمنية، خاصة في بلد اعتاد على تحول المهام المؤقتة إلى واقع دائم. فهل تكون اللجنة إدارة انتقالية لبضعة أشهر فقط، أم مدخلاً لصيغة جديدة لإعادة تشكيل النظام السياسي؟
على الرغم من الحديث عن نجاحات "الميكانيزم" في تبريد الخطوط ووقف التدهور، إلا أن إخفاقاته ليست قليلة. فهو لم ينجح حتى الآن في توفير أمان حقيقي للجنوب أو منع الانتهاكات الجوية اليومية، ولم يضع ضمانات واضحة تمنع عودة الحرب في أي وقت. وبحكم كونه إطاراً دولياً، يبقى عاجزاً عن معالجة جذور الصراع الداخلية، من سؤال السلاح إلى الانقسام الوطني وفقدان الدولة لجزء من قرارها السيادي.
هنا يبرز سؤال دور حزب الله: إلى متى يمكن الاعتماد على مفهوم "التفويض الدولي" الضمني لاحتواء إسرائيل؟ الحزب قدم قراءة تُحمّل الردع مسؤولية حماية الجبهة اللبنانية منذ عام 2006، لكن الحرب الأخيرة كشفت حجم الاختلالات وأظهرت أن قرار الحرب والسلم ليس محكوماً فقط بالقدرات العسكرية، بل بتوازنات دولية متغيرة.
لبنان اليوم يواجه سؤال هويته الاستراتيجية: هل أصبح قابعا بين التدويل والتعريب، فاقدا القدرة على المبادرة الذاتية؟
بين "الميكانيزم" الذي يمنع الحرب و"الردع" الذي يفترض أن يمنح لبنان قوة تفاوضية، يتوه البلد بين معادلتين لا تلتقيان، فيما يعيش المواطن في فراغ أمني وسياسي واقتصادي. يواجه لبنان اليوم سؤال هويته الاستراتيجية: هل أصبح قابعاً بين التدويل والتعريب، فاقداً القدرة على المبادرة الذاتية؟ فالدول المانحة تتحكم بمسار إعادة الإعمار وتربط الدعم بتسليح الجيش وترتيب البيت السياسي، بينما المبادرات العربية لا تزال مترددة وتتعامل مع لبنان كملف مقلق يحتاج إلى إدارة لا إلى حل.
في ظل هذا المشهد، يزداد القلق من السيناريوهات الأكثر خطورة، خصوصاً بعد التحذيرات من أن لبنان قد يلتحق بسوريا في حال استمرار الانهيار وفقدان الدولة لسيادتها وقدرتها على الإدارة. قد يبدو هذا الكلام مبالغاً فيه، لكنه يعكس خشية حقيقية من أن تتحول الفجوات السياسية والأمنية إلى مسار فقدان كيان، لا مجرد فقدان سلطة. فالدول الصغيرة لا تموت دفعة واحدة، بل عبر تراكم مراحل من التفويض للآخرين والتنازل عن السيادة وانتظار الخارج ليحل ما عجزت عنه الدولة.
لبنان اليوم يقف على حافة هذا المنعطف؛ "الميكانيزم" يمنع الانفجار لكنه لا يبني دولة، وحزب الله يملك قوة عسكرية بلا غطاء وطني جامع، والدول تتعاطى مع الملف اللبناني بوصفه ملفاً ملحقاً بملفات أكبر. السؤال الكبير ليس من يحكم لبنان في المرحلة المقبلة، بل ماذا سيبقى من لبنان عندما تنتهي هذه المرحلة، وعندما يتوقف الخارج عن إدارة التوازنات، وعندما يبقى المواطن وحيداً أمام مشهد دولة فقدت أدواتها ومؤسساتها وقرارها.





شارك برأيك
لبنان بين الميكانيزم والردع: إلى أين تتجه البلاد في ظل التحديات الراهنة؟