في ظل التذبذب الذي تشهده العلاقات بين إسرائيل والولايات المتحدة، تتصاعد الأصوات داخل إسرائيل، سواء من الخبراء أو من عامة الناس، التي تعبر عن قلقها العميق إزاء تنامي العلاقات مع الصين، خاصة في ظل نفوذها المتزايد وتأثيرها الواسع في مجالات حيوية كالبنية التحتية، والنقل، والتجارة. هذا التوسع الصيني يحدث في غياب سياسة إسرائيلية واضحة لمواجهة ما يُعرف بـ "التهديد الصيني".
أيال بروبر، المحاضر في جامعة رايخمان، والدبلوماسي السابق في بكين وشنغهاي، يرى أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو سعى لاستغلال القدرات الصينية كرسالة للإدارة الأمريكية مفادها أن إسرائيل لديها بدائل أخرى، وذلك على الرغم من التحذيرات المتكررة من الخبراء والرأي العام بشأن المخاطر المحتملة من التوسع الصيني. ومع ذلك، لم تسارع إسرائيل إلى اتخاذ موقف حاسم.
في مقال نشره موقع زمان إسرائيل، يوضح بروبر أن التوترات بين إسرائيل والولايات المتحدة بشأن العلاقة مع الصين بلغت ذروتها في يوليو 2023، عندما ظهر نتنياهو في صورة وهو يحمل كتابًا للرئيس الصيني شي جين بينغ، كهدية من السفير الصيني، معلناً نيته زيارة الصين في أقرب فرصة. هذا التوجه جاء في وقت كان فيه الرئيس الأمريكي جو بايدن متردداً في دعوة نتنياهو إلى البيت الأبيض. وبالفعل، تمت زيارة نتنياهو إلى الولايات المتحدة، لكن الزيارة المخطط لها إلى الصين في أكتوبر 2023 تأجلت بسبب الحرب على غزة.
يؤكد بروبر أنه لم يكن لدى إسرائيل بديل صيني حقيقي، بل الصين هي من اختارت الانحياز، ويتضح ذلك من خلال القرارات والتصريحات الحادة التي اتخذتها ضد إسرائيل خلال عملية سيف القدس في مايو 2021. هذه السياسة الصينية تأتي في إطار تصعيد الصراع بين القوى الكبرى، ورغبة الصين في إظهار ازدواجية المعايير الأمريكية تجاه المسلمين والفلسطينيين من خلال انتقاد إسرائيل.
ويضيف أن حرب السابع من أكتوبر قد عززت هذا التوجه بشكل كبير، حيث رفضت الصين إدانة حماس، وأصبحت إسرائيل هدفًا سهلاً للهجوم، وامتد العداء إلى مظاهر معادية للسامية في وسائل الإعلام والأوساط الأكاديمية الصينية، وكلها تخضع لسيطرة الحزب الشيوعي. ويشير إلى أن هذا النهج الاستراتيجي الصيني تجاه إسرائيل سيستمر ما لم تظهر مصلحة صينية جوهرية تستدعي تغيير هذه السياسة.
يطرح بروبر سؤالين مهمين: ما هي المصلحة الصينية الجوهرية التي قد تؤدي إلى تغيير هذه السياسة؟ وأين تقف إسرائيل في هذا السياق؟ للإجابة على هذه الأسئلة، يجب العودة إلى الوراء قليلاً، فقبل وبعد إقامة العلاقات بينهما عام 1992، نظرت الصين إلى إسرائيل كأصل فريد وقيّم لبناء القدرات العسكرية وتحديثها، وقامت ببيعها تكنولوجيا متقدمة لحماية الولايات المتحدة.
بعد عقد من الزمن، أدت بعض الأزمات إلى توقف تام في بيع التكنولوجيا والمعدات العسكرية، وتراجع كبير في التعاون، بالإضافة إلى تراجع النظرة الاستراتيجية الصينية لإسرائيل كأصل استراتيجي. وبعد عقد آخر تقريبًا، دفعت أزمة "الربيع العربي" الصينيين إلى تقدير استقرار إسرائيل في الشرق الأوسط، وتلقي معلومات قيّمة من خلالها.
حرب السابع من أكتوبر عززت التوجه الصيني ضد إسرائيل، ورفضت الصين إدانة حماس، وأصبحت إسرائيل هدفًا سهلاً للهجوم.
في الوقت نفسه، سعت الصين للتعرف على الابتكار ونقل التقنيات المدنية المتقدمة من إسرائيل إليها، ووسعت الشركات الصينية، خاصة في مجال البنية التحتية، أنشطتها التجارية، بما في ذلك بناء وتشغيل موانئ بحرية جديدة في إسرائيل. وازدهرت التجارة، ما جعل الصين ثاني أكبر شريك تجاري لإسرائيل، إلا أنه في السنوات الأخيرة، وخاصة منذ حرب السابع من أكتوبر، تراجعت جاذبية إسرائيل وسمعتها.
في ضوء التطور التكنولوجي السريع في الصين، لم تعد التكنولوجيا الإسرائيلية فريدة كما كانت، ومع ذلك، لا يزال الاهتمام التجاري الصيني بالبنية التحتية في إسرائيل قائمًا، مع إدراك أن إسرائيل سوق صغيرة نسبيًا مقارنة بانتشار الصين حول العالم. ومن وجهة نظر الصين، لا تزال إسرائيل لاعبًا مؤثرًا في الشرق الأوسط ولها قدرات كبيرة.
على عكس الماضي، تنظر الصين اليوم إلى إسرائيل على أنها عامل يؤجج الحروب والدمار وعدم الاستقرار، ولا ينبغي أن يتغير هذا التصور الاستراتيجي. ومع ذلك، إذا بدأت عملية حقيقية لإعادة تأهيل غزة وإعمارها، وانتقلت دول الشرق الأوسط، بما فيها سوريا ولبنان، من رؤية الدمار والموت إلى بناء استقرار شامل وإنشاء بنية تحتية للرفاهية، فستسعى الصين بالتأكيد للاندماج، بما في ذلك في المبادرات التي تقودها الولايات المتحدة، وجني مكاسب اقتصادية وسياسية.
يختتم بروبر بالإشارة إلى أنه يجب على إسرائيل أن تدرك أن الصين لاعب عالمي قوي للغاية ولا يمكن تجاهله، وأن التصريحات الإسرائيلية غير المألوفة ضد الصين أو الإضرار بمصالحها الجوهرية قد تلحق بإسرائيل ضرراً مباشراً وغير مباشر. على سبيل المثال، يُعد استيراد البضائع من الصين أمراً بالغ الأهمية للمستهلك الإسرائيلي ويُساعد في خفض تكلفة المعيشة المرتفعة أصلاً.
في مجال البنية التحتية، وفي الوقت الذي تُطرح فيه مناقصات بناء المترو، تحتاج إسرائيل إلى الشركات الصينية، سواء من حيث الخبرة أو الأسعار التنافسية، لأن البدائل، بما فيها الشركات الأمريكية، أغلى بكثير وليست في عجلة من أمرها. وفي ضوء ذلك، يجب مواصلة العمل مع الصين مع الحفاظ على الضوابط والتوازنات في سياق الأمن القومي.
تشير هذه القراءة الإسرائيلية إلى أن استمرار السياسة العدوانية في المنطقة عموماً وضد الفلسطينيين خصوصاً يعني أن إسرائيل لن تستطيع إعادة بناء التعاون مع الصين، بما في ذلك دمج شركاتها في مشاريع مختلفة مقابل سياسة أكثر توازناً. ولتحقيق هذا الغرض، ستكون هناك حاجة إلى رؤية طويلة الأمد تتضمن رؤية للعلاقات الإقليمية، بعيداً عن مخططات السيطرة والاحتلال والقمع.





شارك برأيك
شكوك إسرائيلية متزايدة بشأن العلاقات مع الصين في ظل التوترات مع واشنطن