وجه صندوق النقد الدولي نداءً مباشراً إلى الحكومة الصينية، مطالباً بتنفيذ إصلاحات هيكلية أكثر عمقاً وتسارعاً، وذلك في ظل تزايد الضغوط الدولية على ثاني أكبر اقتصاد في العالم.
في ظل تحقيق الصين فائضاً تجارياً قياسياً تجاوز التريليون دولار لأول مرة، تثار تساؤلات جوهرية حول مدى استدامة النمو الذي يعتمد على التصدير، خاصة مع تصاعد التوترات مع الشركاء التجاريين الرئيسيين.
أكد صندوق النقد الدولي على ضرورة تقليل الاعتماد على النموذج الاقتصادي القائم على التصدير والاستثمار المدفوع بالديون، مشدداً على أهمية التحول نحو نمو اقتصادي يعتمد بشكل أكبر على الاستهلاك المحلي.
أشار الصندوق إلى أن الاقتصاد الصيني أظهر مرونة كبيرة في مواجهة الصدمات المتعددة خلال السنوات الأخيرة، إلا أنه حذر من أن هذه المرونة لن تستمر دون إجراء تغييرات جذرية في النموذج الاقتصادي المتبع.
وفقاً لتقييمات صندوق النقد الدولي، أثار الفائض التجاري القياسي انتقادات دولية للصين، حيث اتهمت بأنها تغرق الأسواق بالسلع الرخيصة، خاصة بعد فرض الرسوم الجمركية من قبل الإدارة الأمريكية السابقة على الصادرات الصينية.
رفع صندوق النقد الدولي توقعاته لنمو الاقتصاد الصيني إلى 5.0% في عام 2025، بعد أن كانت التوقعات السابقة تشير إلى 4.8%، مع توقعات بنمو بنسبة 4.5% في عام 2026.
إلا أن هذه التوقعات الإيجابية جاءت مصحوبة بتحذيرات من تحديات أساسية تواجه الاقتصاد الصيني، بما في ذلك ضعف الطلب المحلي، وأزمة العقارات المستمرة، وارتفاع مديونية الحكومات المحلية.
تشير بيانات صندوق النقد الدولي إلى أن معالجة أزمة العقارات قد تتطلب إنفاقاً يعادل 5% من الناتج المحلي الإجمالي على مدى ثلاث سنوات، خاصة وأن 70% من ثروات الأسر الصينية مرتبطة بالعقارات.
الاقتصاد الصيني أظهر مرونة ملحوظة رغم الصدمات المتعددة في السنوات الماضية، لكن تلك المرونة لا يمكن أن تستمر دون تغيير جذري في النموذج الاقتصادي.
أكد صندوق النقد الدولي أن معالجة أزمة العقارات يجب أن تتضمن خروج الشركات غير القادرة على الاستمرار، والتي وصفها بـ "الشركات الزومبي".
أوصى الصندوق أيضاً بإصلاح نظام "هوكو" (تصاريح الإقامة الداخلية)، الذي يحد من حرية تنقل المواطنين ويقيد حقوقهم الاجتماعية، مؤكداً أن تسريع الإصلاحات في هذا النظام قد يزيد الاستهلاك المحلي بنسبة تصل إلى 3% من الناتج المحلي الإجمالي.
شدد الصندوق على أهمية تطبيق ثلاث سياسات رئيسية، وهي: خفض الإنفاق الصناعي الحكومي المفرط، وتعزيز دور القطاع الخاص، وزيادة مخصصات الحماية الاجتماعية، وذلك بهدف منح الأسر الثقة في الإنفاق بدلاً من الادخار الإجباري.
تتعامل الصين بحساسية مع تقييمات صندوق النقد الدولي، حيث يعتبر موقف المؤسسة الدولية مؤشراً مؤثراً على صورة سياستها الاقتصادية على مستوى العالم.
يرى الصندوق أن الصين "أكبر من أن تحقق نمواً إضافياً من التصدير وحده"، محذراً من أن الاعتماد على هذا المسار يعرضها لخطر فرض قيود تجارية من قبل شركائها التجاريين.
في المقابل، فإن التحول إلى اقتصاد موجه نحو الاستهلاك يمنح الصين استقراراً مالياً أطول أمداً، وحجماً سوق داخلي قادراً على استيعاب الإنتاج، وتوازناً تجارياً أقل إثارة للاستفزاز على المستوى الدولي.
يبدو أن النقاش في بكين لم يعد يدور حول جدوى الإصلاحات، بل حول سرعتها ومدى جرأتها، حيث أن المكاسب قصيرة الأجل الناتجة عن الفائض التجاري الضخم قد تخفي وراءها هشاشة في الطلب الداخلي وأعباء ديون ثقيلة.





شارك برأيك
صندوق النقد الدولي يدعو الصين إلى إصلاحات اقتصادية هيكلية عميقة