اقتصاد

الثّلاثاء 09 ديسمبر 2025 2:35 مساءً - بتوقيت القدس

قطار الرياض-الدوحة السريع: شراكة استراتيجية واعدة نحو التكامل الخليجي

يمثل مشروع القطار الكهربائي السريع بين السعودية وقطر بداية لمرحلة جديدة من التعاون المثمر بين البلدين، حيث يتجاوز كونه مجرد ربط جغرافي بين العاصمتين، ليساهم في تسريع حركة التجارة والسياحة والاستثمار في منطقة الخليج بأكملها.

يمتد مسار القطار السريع على مسافة تقارب 785 كيلومترًا، ويربط بين الرياض والدوحة، مرورًا بمحطات رئيسية مثل الهفوف والدمام، مع وصلات مباشرة بمطار الملك سلمان الدولي ومطار حمد الدولي. وتبلغ سرعة القطار أكثر من 300 كيلومتر في الساعة، مما يقلل مدة الرحلة بين العاصمتين إلى حوالي ساعتين فقط.

ينظر إلى هذا الخط الحديدي كشريان اقتصادي حيوي للمنطقة، حيث سيسهل حركة الأفراد ورجال الأعمال، ويسرع نقل السلع والخدمات، ويعزز التواصل بين المراكز الحضرية والاقتصادية الرئيسية في كلا البلدين.

تشير التقديرات الرسمية إلى أن المشروع سيخدم أكثر من 10 ملايين مسافر سنويًا، وسيوفر أكثر من 30 ألف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة خلال مرحلتي الإنشاء والتشغيل.

من المتوقع أن يصل الأثر الاقتصادي الكلي للمشروع إلى حوالي 115 مليار ريال سعودي (حوالي 30.6 مليار دولار أمريكي)، والتي ستضاف إلى الناتج المحلي الإجمالي للبلدين بعد الانتهاء من المشروع، مما يجعله من أكبر المشاريع الاستراتيجية الداعمة للتنمية الاقتصادية الإقليمية.

من المخطط أن يتم تنفيذ المشروع خلال 6 سنوات، مع الالتزام بأعلى معايير الجودة والسلامة العالمية، واستخدام أحدث تقنيات السكك الحديدية الذكية، مما يعزز الاستدامة البيئية ويقلل من انبعاثات الكربون مقارنة بوسائل النقل التقليدية.

يتجاوز مشروع القطار كونه مجرد وسيلة نقل، ليشكل جزءًا من رؤية أوسع تهدف إلى تحقيق التكامل بين الاقتصادات الخليجية، وربط سلاسل الإمداد، وتحفيز الاستثمارات العابرة للحدود، خاصة في قطاعات السياحة والخدمات اللوجستية والتجارة.

في ظل التطور الملحوظ في العلاقات الاقتصادية بين البلدين، بلغ حجم التبادل التجاري في عام 2024 حوالي 930.3 مليون دولار، محققًا نموًا بنسبة 634% مقارنة بعام 2021، وفقًا لبيانات رسمية، مما يعكس تسارع وتيرة التعاون الاقتصادي.

من المتوقع أن يكون القطار السريع نواة لربط مستقبلي أوسع ضمن شبكة السكك الحديدية الخليجية، مما يعزز مكانة المنطقة كمركز لوجستي عالمي، ويخدم أهداف الأمن الاقتصادي والتنمية طويلة الأجل.

تزامن توقيع اتفاقية القطار مع مجموعة أوسع من التفاهمات بين الجانبين، شملت مجالات الاستثمار والأمن الغذائي والطاقة والإعلام والاقتصاد الرقمي، في إطار توجه مشترك نحو بناء شراكات استراتيجية مستدامة.

يرى المراقبون أن القطار السريع ليس مجرد مشروع بنية تحتية، بل هو أداة اقتصادية وسياسية تعكس تحولًا في التفكير التنموي الخليجي، قوامه التكامل بدلًا من التوازي، والترابط بدلًا من الانعزال، في منطقة تسعى إلى تعزيز موقعها في الاقتصاد العالمي.

أكد الدكتور خالد العبد القادر، أستاذ الاقتصاد بجامعة قطر، أن مشروع القطار السريع بين السعودية وقطر يندرج ضمن النمو المتسارع الذي تشهده العلاقات الشاملة بين البلدين، وتنامي المصالح المشتركة، والانفتاح المتزايد بين الشعبين من خلال تبادل الزيارات والمشاركة في الفعاليات المختلفة، بالإضافة إلى حركة السلع والخدمات.

أوضح العبد القادر أن استضافة الأحداث الكبرى، مثل المباريات الدولية والفعاليات الجماهيرية، تفرض ضغوطًا كبيرة على قطاع الطيران، الذي قد لا يكون قادرًا في بعض الأحيان على استيعاب أعداد كبيرة من الزوار خلال فترة زمنية قصيرة، بالإضافة إلى الازدحام المروري، خاصة عند المنافذ الحدودية، وما يترتب عليه من تكاليف إضافية ومخاطر تتعلق بالسلامة.

أشار إلى أن الربط بالسكك الحديدية يقدم حلًا عمليًا لهذه التحديات، من خلال تسهيل انسيابية تنقل الأعداد الكبيرة من المسافرين بين البلدين، وخفض مستويات الازدحام، وتقليل التكاليف اللوجستية.

وأضاف أن المشروع لا يقتصر على نقل الأفراد، بل يمتد أثره ليشمل تعزيز سلاسل الإمداد ونقل البضائع، ودعم حركة التبادل التجاري، وتقليل الاعتماد على الشاحنات، بالإضافة إلى دوره المتوقع في خلق فرص عمل جديدة في كلا البلدين.

أكد الخبير الاقتصادي القطري عبد الله الخاطر أن التقارب والتوافق القطري السعودي يمثلان مرحلة استراتيجية مفصلية للمنطقة، تتجاوز في أهميتها المشاريع الفردية، مثل الربط بالسكك الحديدية، إلى بناء اصطفاف خليجي أوسع ذي أبعاد سياسية واقتصادية واستثمارية.

أوضح الخاطر أن دول الخليج أصبحت اليوم أكثر حضورًا وتأثيرًا على المستويين الإقليمي والدولي، في ظل امتلاكها أدوات اقتصادية ومالية واستثمارية قوية، من بينها الصناديق السيادية وأدوارها المتنامية في الاقتصاد العالمي وسلاسل الطاقة والممرات التجارية.

أشار إلى أن هذا التوافق يوفر أرضية صلبة لإطلاق مشاريع استراتيجية كبرى في مجالات البنية التحتية والنقل والسكك الحديدية، بالإضافة إلى التعاون في التقنيات المتقدمة، مثل الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات والسيارات ذاتية القيادة، مؤكدًا أن هذه القطاعات تمثل عصب المرحلة الاقتصادية المقبلة.

أكد الخاطر أن الربط بالسكك الحديدية يسهم في تسهيل حركة الأفراد والبضائع، وخفض تكاليف الإنتاج والنقل، وتعزيز التكامل الصناعي بين البلدين، بما يسمح بتوزيع الصناعات وفق المزايا النسبية لكل دولة.

أوضح الخبير الاقتصادي السعودي إحسان بوحليقه أن اتفاقية الربط بالسكك الحديدية الكهربائية بين السعودية وقطر، والتي تربط الرياض بالدوحة لنقل الركاب، تمثل مشروعًا اقتصاديًا واجتماعيًا مهمًا، من شأنه تعزيز الروابط بين الشعبين وتسهيل حركة التنقل بين البلدين.

أوضح بوحليقه أن للمشروع انعكاسات اقتصادية مباشرة، في مقدمتها دعم التجارة البينية، حيث تسهم مشاريع القطارات العابرة للحدود في خفض تكاليف النقل بنحو 10%، مما يعزز الصادرات والواردات، بالإضافة إلى تنشيط حركة التجارة العابرة بين البلدين.

أشار إلى أن أثر المشروع يتجاوز التجارة ليشمل تعميق الترابط بين الأنشطة الاقتصادية والصناعية، من خلال تعزيز الروابط الأمامية والخلفية، وتسهيل تبادل المدخلات والمخرجات، بما يرفع الإنتاجية والتنافسية في كلا الاقتصادين.

أكد أن هذه المكاسب ستنعكس إيجابًا على الناتج المحلي الإجمالي للبلدين، مع توقعات بأن يصل الأثر إلى نحو 1% على المدى الطويل، لافتًا إلى أن العائد الاستثماري للمشروع سيكون مضاعفًا، حيث قد يحقق كل ريال يستثمر فيه عائدًا يتراوح بين ضعفين و3 أضعافه، استنادًا إلى تجارب دولية مماثلة.

وأضاف أن المشروع يتمتع أيضًا ببعد بيئي مهم، لكونه وسيلة نقل صديقة للبيئة، تسهم في خفض الانبعاثات الكربونية، بما ينسجم مع التزامات السعودية وقطر تجاه الاستدامة البيئية والتحول إلى أنماط نقل أكثر كفاءة.

دلالات

شارك برأيك

قطار الرياض-الدوحة السريع: شراكة استراتيجية واعدة نحو التكامل الخليجي

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.