كوثر فارس: كاتبة وباحثة حقوقية مغربية، سفيرة عالمية للنوايا الحسنة لحقوق الإنسان لدى منظمة FAAVM الكندية.
في صباحٍ باكر، حين كانت الطرقات لا تزال تفرك عينيها من ثقل الليل، كنتُ أعبر المدن الصغيرة على متن سيارةٍ تمضي بي نحو جهة لا أعرف إن كانت ملاذًا أم امتحانًا. كانت الشمس ما تزال خجولة؛ تسحب ضوءها ببطء فوق الحقول، والضباب يتكوم بين الأشجار مثل أنفاسٍ عالقة.
التفتُّ نحو النافذة، فرأيت مشاهد لا تشبه طريقًا عاديًا. طفل يسير حافيًا بمحاذاة سور مهترئ، يحمل في يده قطعة خبز يابسة كأنها كنز ثمين. وعلى مقربة من محطة قديمة، مسنّ يجلس وحده فوق مقعد إسمنتي. يراقب الطريق بعينين ثابتتين؛ لا ينتظر أحدًا لكنه لا يستطيع التوقف عن الانتظار.
كان الصباح مليئًا بالحركة، لكن كل شيء في تلك اللحظة بدا واقفًا حولهما، كأن الزمن جفّ فجأة.
بينما كانت عجلات المركبة تطوي الأرض نحو مدينةٍ جديدةٍ تلوح في الأفق، لم يكن الطريق ينقلني عبر مسافات الجغرافيا وحدها، بل كان يختصر بي الزمن نحو سؤالٍ أزليٍّ يئن تحت رماد الوعي الإنساني؛ سؤالٍ ظلّ نائمًا كجمرةٍ لا تنطفئ.
"كيف السبيل لاحتواء أولئك الذين أضحى الصمت بحقهم خيانةً، وبات الكلام في وصفهم عجزًا؟".
كانت تلك اللمحة العابرة وخزة إنسانية غامضة، أشبه بقبضة حنينٍ تعتصر القلب في صمت. وعندما تجلّت النافذة، أدركت أن ما رصدته العين لم يكن مجرد مشهدٍ عابر، بل كان مرآةً اختُزل فيها كونٌ كامل يحمل ثقل الحياة وصدى التجارب البشرية.
وفي امتداد ذلك، بين أول صرخة تُطلَق في وجه الهواء البارد، وآخر تنهيدة تختبئ بين تجاعيد العمر، يتأرجح سؤال لا يهدأ: ما الذي تحتفل به الإنسانية حين تتحدث عن الحقوق؟ وما الذي تباهي به في احتفالاتها وخطاباتها، بينما هؤلاء الذين يمثلون بدايتها ونهايتها يقفون خارج الضوء، في العتمة، بلا يد تمتد، بلا قلب يسمع، بلا عين ترى؟
هناك صرخة في بداية الطريق، لا تشبه صرخات الولادة كما تُدرّس في الكتب. إنها صرخة أقلّ امتلاءً بالحياة، أكثر التصاقًا بالخوف، صرخة طفل لم يجد صدرًا يستقبله، ولا بيتًا يحميه، ولا صوتًا يهمس باسمه. صرخة طفل تُسجّل في سجلات المدن كأنها حادثة بلا عنوان. وفي الطرف الآخر من الطريق، هناك تنهيدة تتسرب في الهواء، لا يسمعها أحد، ولا يُدوّنها أحد، تنهيدة معلّقة في زوايا دار رعاية، أو في نافذة غرفة باردة، يطلقها مسن لم يعد ينتظر شيئًا سوى أن يُسمع للمرة الأخيرة… أو أن يشعر أن نهاية الرحلة لا تمرّ به وحيدًا.
بينهما، تكتمل دائرة من الأسى تكاد تكون خريطة دقيقة لوجدان المجتمعات. البداية مهمشة. النهاية مهمشة. والحياة ما بينهما تُدار كأنها محاولة لتجنب مسؤولية الاعتراف بكل هذا.
تبدو الحياة أحيانًا مثل شارع طويل، تتوزع عليه الأرواح الهشة على الجانبين. في ناحية، وجوه صغيرة تحمل آثار المطر والغبار، وجوه لا تزال ملامح الطفولة فيها حاضرة لكنها تُغطى بطبقات من القسوة المبكرة. وفي الناحية الأخرى، وجوه تَجعّدها العمر، لكنها تحمل في داخلها روايات عمر كامل، روايات مُهملة ككتب قديمة لا يفتحها أحد. كأن الزمن نفسه يتلاعب بهؤلاء الذين في البداية، وهؤلاء الذين في النهاية، كأنهما مرآة لبعضهما بطرق لا ينتبه لها أحد.
في المدن، حين يهبط الليل، يصبح كل شيء أكثر صراحة. الضوء يكشف أقل، لذلك تظهر الحقائق أكثر. هناك طفل يضم ركبتيه إلى صدره هربًا من برد المساء، يُخفي خوفه بين طيات ملابسه الممزقة. وفي الجهة الأخرى من هذا الليل ذاته عجوز يضم نفسه بصمت، لا من البرد فقط، بل من الشعور العميق بأن لا أحد ينتبه لوجوده. وبينهما، تتسلل لحظة ليست مكتوبة في أي كتاب، لحظة يصعب وصفها دون كسر جدار الشعر نفسه. ليست لقاءً، ليست علاقة، ليست حدثًا محددًا، هي شيء بين الاثنين.. شيء يمرّ كالهواء، لكنه يترك أثرًا خافتًا.
قبل أن يصل النص إلى دهاليز التحليل، هناك ضرورة للإنصات لهذا المشهد، دون محاولة تفكيكه أو تفسيره. فالكتابة تصبح أقل قدرة أمام ما يحدث في الشوارع وفي الدور المنسية وفي الأرصفة التي لا تحفظ الأسرار. الكتابة، مهما تمددت، تظل أضيق من مساحة الألم التي يحملها أولئك الذين يبدأون بلا حماية، وينتهون بلا رفقة.
والعالم الذي يرفع رايات حقوق الإنسان يبدو أحيانًا كمتفرج يجلس في الصفوف الأمامية، يصفق بحرارة بينما أطفال بلا مأوى يبحثون عن رغيف، ومسنون بلا عائلة يبحثون عن نظرة. أي احتفال يمكن أن يبرر ذلك؟ أي إعلان يمكن أن يمحو هذه المفارقة الفاضحة؟
وفق إحدى الدراسات الدولية التي تناولت أوضاع الأطفال في الشوارع، نُشر أن "نسبة كبيرة منهم يصلون إلى تلك الأرصفة بعد سلسلة من الانقطاعات الأسرية والاقتصادية، وبعد تعرضهم لأشكال متعددة من الإهمال". الدراسة نفسها تشير إلى أن "الأطفال الذين يُحرمون من الرعاية في سنواتهم الأولى يواجهون لاحقًا صعوبات نفسية وسلوكية، ويصبحون أكثر عرضة للانزلاق في دوائر العنف أو الاستغلال". هذه الدراسة لا تضيف شيئًا جديدًا بقدر ما تضع الكلمات العلمية على ما يعرفه كل من مرّ بمدينة كبيرة في الليل: أن الصرخة الأولى، حين لا تجد من يسمعها، لا تختفي.. بل تكبر في الداخل وتتحول إلى صمت مكلوم قاتم.
وفي الطرف الآخر من العمر، هناك تقارير عدة تشير "إلى أن نسبة المسنين الذين يعيشون وحدهم أو يتعرضون للإهمال تزداد مع كل عام، وأن دور الرعاية نفسها، على اختلاف مستوياتها، غالبًا ما تعاني من نقص الموارد أو نقص الكوادر أو نقص الوعي بما يحتاجه الشخص الذي أعطى حياته كلها ثم وجد نفسه في النهاية بلا سند". الأرقام هنا ليست حسابًا باردًا، بل محاولة فاشلة لإحصاء ما لا يُحصى: الوحدة.
لكن القصة ليست قصة أطفال أو مسنين فقط. إنها قصة مجتمع ينظر إلى ضعفه من خلالهما ولا يعترف بذلك. مجتمع يرى نفسه قويًا حين ينظر إلى المنتِجين، الأغنياء، النافذين... وينسى أن معيار الإنسانية الحقيقي يُقاس في أقصى أطراف السلم الاجتماعي: أولئك الذين لا يملكون شيئًا إلا هشاشتهم.
وحين تعيش مدينة طويلة بما يكفي، تبدأ لحظاتها الخفية بالتسرب بين الأزقة. يمكن أن تراها لو مشيت في شوارعها حين يتأخر الليل. قد ترى لحظة عابرة، غير مرئية تقريبًا، لكنها حقيقية كحرارة اليد. طفل يقترب من مقعد خشبي يجلس عليه رجل مسن، لا يتحدثان، ربما لا ينظران حتى لبعضهما. لكن الهواء بينهما يتغير، يصير أكثر احتمالًا، أقل قسوة. يحدث شيء يشبه المصافحة دون أن تمتد يد، شيء يشبه العزاء دون كلمات، شيء يشبه أن يقتسم اثنان فقدهما العالم درجة واحدة من الدفء، كأن كل واحد منهما يعترف للآخر، بطريقة لا تُقال، بأنهما لم يعودا وحيدين تمامًا.
هذه اللحظة العابرة، التي تفلت من لغة التحليل، تكشف ما لا تريد السياسة الاعتراف به: أن الضعفاء يفهمون بعضهم البعض بعمق يفوق كل المؤسسات. وأن الإنسانية، حين تتجلى، لا تظهر في المؤتمرات، بل في صمت الفراغ بين طفل بلا مأوى ومسن بلا عائلة.
بعد هذه المسافة الطويلة من الملاحظة والشعور، يصبح السؤال أثقل وزنًا: كيف يمكن للعالم أن يتحدث عن حقوق الإنسان بينما يترك أول من يحتاجها وآخر من يستحقها يقفون في العراء؟ كيف يمكن للضمير أن يصفق احتفالًا بينما الصرخة الأولى لم تجد أذنًا، والتنهيدة الأخيرة لم تجد كتفًا؟
الإنسانية ليست ما نعلقه على الجدران، بل ما يحدث حين تكون الجدران نفسها باردة. ليست ما نقوله، بل ما نفعله في المساحات التي لا يرانا فيها أحد. ليست في بداية الحياة ولا نهايتها، بل في تلك المنطقة الرمادية بينهما، حيث يتعلم البشر أن الرحمة لا تُدرَّس، بل تُمارَس.
وعندما يمتد النظر عبر هذا النهر الطويل من التفاصيل الحياتية المتدفقة، قد يستيقظ شعور في الروح بأن شيئًا ما قد تغيّر، دون أن نعرف أين أو كيف تمّ هذا التحول الخفي. إنه شيء يشبه إدراكًا بطيئًا، يتغلغل في مسام الوعي، أن الصرخة الأولى لم تُخلق لتُدفن تحت ركام الإهمال. وأن التنهيدة الأخيرة لم تُكتب لتعبر كطيف صامت لا يُسمع صداه. ليس لأن المجتمع مطالب بالثورة أو الانقلاب، بل لأنه مطالب بأن يستعيد قدرته على رؤية من أصبحوا أطيافًا في الظل، وأن يسمع نبض من لا صوت له.
ومع امتداد الطريق إلى المدينة، بدأت ملامحها تتسلل ببطء، كحاضنة لكل الأزقة التي شهدت الصرخات الأولى والتنهيدات الأخيرة، لكل الوجوه الصغيرة والكبيرة التي لم يرها أحد، ولكل الأرصفة الباردة التي حملت صمتهم. المدينة هنا ليست مجرد مكان، بل امتداد لكل ما رأتْه العين وشهده القلب، لكل نبضات الرحلة الصامتة: حيث ضحكة صغيرة تتشبث بيد خالية، ونظرة تتلاقى بلا كلمات، وهمس يحمل دفء صامتًا، وكل ذلك يترك أثره في روح من يمر، حتى لو لم تدركه العين.
على وقع نبضات هذا الشعور الكامن، خلع السؤال عباءة الاستفسار المباشر، وارتدى ثوب التأمل الرصين: ما كُنه احتفال الإنسانية الحقيقي؟
لعل الجواب يكمن في سريرة نفسه المتآلفة مع الكون، حيث يغيب القول ويبقى الشعور.





شارك برأيك
بين أول صرخة وآخر تنهيدة.. سؤالٌ معلّق: أيّ حقوقٍ تحتفل بها الإنسانية؟