كثيراً ما نرى أن أمتنا العربية تراهن وتعقد آمالها بأن تساهم الأحداث في بلاد الغرب، وبالتحديد في الولايات المتحدة الأمريكية، على تحقيق أهداف عربية، وفي بعض الأحيان نراها قد تقوم بتبنى استراتيجيات وسياسات من شأنها أن تجعل لها دورا ًمحورياً في تحديد مستقبل الغرب، كقضية التمويل الليبية في عهد الرئيس معمر القذافي لحملة الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي، وهذا التوجه قد يتفق معه البعض، وقد لا يتفق معه آخرون، ولكن وفي حال ما اتفق معه البعض فإننا لا نراه مجديا بحد ذاته إلى حد كبير، كونه أمراً ثانوياً أو ذا دور تكميلي ليس إلا.
أخذ الدروس والعبر من الماضي
بالعودة إلى الوراء قليلاً، ألم يتفاءل العرب إلى حد مبالغ فيه عندما تم انتخاب الرئيس الأمريكي "باراك أوباما" ذي الأصول الإفريقية رئيساً للولايات المتحدة؟ ألم يسقط الرهان على إدارته في تلك الفترة ولم يستطع التغيير في السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية بفعل عدة عوامل، منها: عمليات الضغط ومحددات الدولة العميقة؟ فإلى متى سنبقى نراوح في المكان ذاته؟ لذلك لا بد لنا من أخذ الدروس والعبر من تجارب الماضي كي نصنع حاضراً يليق بأمتنا ونعمل على أن يكون الغد غد مشرق للأجيال المقبلة.
فوز ممداني.. لحظة تحول تاريخية
نحن نقرأ كالكثيرين بأن فوز زهران ممداني عمدة لنيويورك ليس مجرد حدث رمزي أو دعاية تضليلية للحلم الأمريكي لكي يتم تصديرها لمن هم خارج الولايات المتحدة، بل هو بمثابة مؤشر على تحوّل المزاج الاجتماعي والسياسي في العالم، وبشكل خاص في داخل الولايات المتحدة، وهو بمثابة ثورة داخل النظام الأمريكي نتيجة موجة الوعي الشعبي التي تفجرت بعد السابع من تشرين الأول، وها قد جاء فوزه ليقطع الشك باليقين بأن ما قد حدث من موجة وعي شعبي لم يكن لحظة عاطفية عابرة ، بل كان تحولاً تاريخياً في الوعي الإنساني.
نعم نحن ندرك تماماً أن هذا الحدث هو بمثابة تحول تاريخي في وعي المجتمع الامريكي فكرياً وسياسياً وثقافياً وسلوكياً، لكنه بالدرجة الأولى تحول في المجتمع لذات المجتمع، أي بمعنى أن هذا التغيير بمثابة عملية تغيير داخلية، وأي عملية تغيير داخلية تخدم تفاعلاتها وابتكاراتها وتحولاتها الفكرية المجتمع نفسه، بحيث يكون أثرها على مواطني ومجتمعات الدول الأخرى أو على البعد والنطاق الخارجي ذا أثر بعيد المدى، يُلمس بعد فترة زمنية طويلة.
تساؤلات حول فوز ممداني
نتساءل هنا: هل بإمكاننا أن نعتبر هذا الفوز لرجل مسلم يعلن تأييده لقضيتنا ولمظلومية الشعب الفلسطيني بمثابة أول سقوط حقيقي للصهيونية في واحد من أهم معاقلها كما يراه البعص؟! نعم إن الأمر كذلك، فالصهيونية قد سقطت هناك، ولكن السؤال المطروح: متى ستسقط الصهيونية هنا؟ ونتساءل أيضاً: إلى متى سنبقى نراهن نحن وشعوب منطقتنا على تلك التحولات والمتغيرات في الغرب والولايات المتحدة بالتحديد التي تأتي ضمن سياقات داخلية محددة؟ أليس من الأجدى بنا وبشعوب أُمتنا أن نؤمن بذواتنا؟
في مثل هذه القضايا يُفتح باب التساؤلات على مصراعيه، فمتى ستؤمن وتثق شعوبنا أو مجتمعاتنا بقدراتها؟ وإلى متى ستبقى تعلق آمالها على غيرها؟! فهل سنبقى في دائرة الوهم المنبثقة من شعورنا بالعجز والإحباط؟ فهل ترانا سنستمر بالرهان على أحصنة الغير أو على المجتمع الدولي؟ ألم يحن الوقت بعد إلى أن نبدأ بالتفكير ببدائل واستراتيجيات مناسبة من أجل الانعتاق والتحرر من هذه الآمال والسراب، والخروج من قوقعتنا التي نعلق بداخلها؟ أليس الإيمان بالذات هو أفضل سبيل إلى تحقيق ما نصبو إليه؟
أقلام وأراء
الخميس 27 نوفمبر 2025 9:23 صباحًا - بتوقيت القدس





شارك برأيك
زهران ممداني ورهانات العرب الخاسرة