فاجأني الصديق الشاعر والمترجم الدكتور عبد الله عيسى بكشفه الجمالي الفذ، والذي يتقدّم به لأول مرّة للمشهد الثقافي العربيّ خاصّة،. والكشف الذي أضاء عليه الشاعر عبد الله عيسى هو قصائد للروائي العبقري، وحفّار طبقات النفس البشرية، دوستويفسكي. يبهرنا عبد الله عيسى وهو يقدّم لأول مرّة هذه القصائد التي ظلت غائبة، وربما غير مكتشفة تماماً لواحد من عظماء الوعي الكوني الذي ما زالت رواياته تشغل الناس والمهتمّين بالرواية والفلسفة وعلم النفس.
لم يخطر على بال أحد أن يكون دوستويفسكي شاعرًا، وهو ما التقطه عبد الله عيسى، الذي واصل تقديم الثقافة الروسية إلى القارئ العربي والفلسطيني، فكان وما زال جسرًا للجماليات الواسعة في التواصل المعرفي والثقافي، وقنطرة للتثاقف الإبداعي تربط بين فلسطين وعمقها العربي مع الثقافة الروسية على تنوّعها واتساعها.
في ترجمته الجديدة يقدّم عبد الله عيسى قصائد جديدة عن الحب والحرب أيضاً ليطلقها حيّة تسعى بكامل قلقها وألقها: قصائد ساخرة في مفارقة لاذعة وكاوية، وكذلك الشعر الّذي يعبّر عن الموقف الوطني في لحظة حاسمة في تاريخ بلاده، وإن اتهم بمحاباة السلطة القائمة.
إن هذا الشعر الحار في سياقاته يكشف لنا صورة مغايرة لروح دوستويفسكي الوثابة والقلقة وتجربة إبداعية مغايرة لما عُرف عنه من سرد روائي شاهق الذرى. أعتقد جازمًا أنّ هذه القصائد الجديدة ستمنح النقّاد والمشتغلين بالشأن الثقافي مساحة لتناولها بالدرس والمقاربة، من خلال معرفة قريبة بالصديق عبد الله عيسى، وهو الحريص على تقديم كل جديد ومختلف، وهو الذي يتقن الروسية حدّ الاحتراف.
وأذكر عندما تمّ تكريمي بجائزة الأوليمب من اتحاد كتّاب روسيا، وقد تفضّل عبد الله عيسى مشكورًا بترجمة الفعالية، تقدّمت حينها منه إحدى الكاتبات الروسيات لتقول: لم أسمع ترجمة بهذه الدقة والاحترافية. وهذه شهادة كنت شاهدًا عليها، وسبق أن سمعتها من عديد الكتاب الروس. كيف لا يكون ذلك وقد تخرّج من معهد غوركي للآداب بتفوّق لافت، ومن يومها وهو منشغل بالثقافة الروسية وترجمتها. وما زلت أذكر ترجماته ومتوالية تقديماته لمنتخبات ومختارات من الشعر الروسيين (بيت الشعر) حتى اليوم.
إن انحيازي للشاعر عبد الله عيسى محمول بحق وصدق على معرفة شخصية وقريبة لأدق التفاصيل في تجربته الشعرية والمعرفية، وأعلم حجم معاناته ليبقى هو ذاته ابن فوزية الحسن التي قاربها حبًّا وحنينًا وشوقًا ووفاءً في ديوانه الساطع (وصايا فوزي الحسن العشر). تعرّض شعريًا لإهالة التراب على مشروعه الشعري وظلّ نصّه الشعري مغتربًا عن الوطن المحتل فلسطين حتى زيارته الأولى للبلاد عام 2022، فأطلق الاتحاد العام للكتّاب والأدباء الفلسطينيين أعماله الشعرية في مجلدين ليتمّ الاحتفاء بتجربته في متحف محمود درويش بحضور لافت وغير مسبوق.
لقد احتمل عبد الله عيسى الكثير رغم كثيره الذي قدّمه شعرًا وأفلامًا وثائقية وتجربة إعلامية ومَدّاً للتواصل بين فلسطين وروسيا. أوفَت له روسيا بما يليق بعطائه الغامر إذ حصل على عديد الأوسمة والجوائز الرفيعة.
لكن الشاعر الحقيقي لا يغيب ولا يُغَيَّب، والشاعر والمثقف الحقيقي مثل عبدالله عيسى لا يؤجّر قلبًا ولا حبرًا لأحد، (ولا رئيس له سوى رأسه )كما قال الصديق التونسي، فيلسوف التدقيق والتحقيق، سليم دولة. وكان رهان عبد الله عيسى ألّا يسلّم رأسه ووعيه لأحد، واحتمل من أجل ذلك الكثير.
ما أوردته قليل أمام كثير الشاعر والمترجم عبد الله عيسى، الذي يقدّم لنا عطاياه الجمالية بكل اقتدار ومهنية، وفي هذه القصائد التي تنزاح عنها ستارة وغبار الزمن، نفرح بهذه الترجمة الوازنة كما عوّدنا عبد الله عيسى، وكما عوّدَتنا فلسطين التي تتصدر كل ما هو جميل ورفيع في الوعي الكوني لأنها قِبلة العرب وقُبلة الكون وسرّ اللغة.
وللإضاءة على الديوان الجديد لدو ستوفيسكي، أورد مقدمة الشاعر والمترجم عبد الله عيسى وبعض المنتخبات المترجمة:
(دستويفسكي شاعراً
قصائد في الحبّ والحربِ أيضاً
من كان يمكن أن يتخيّل أنّ دستويفسكي الّذي وُصف في العالم بأنّه الخبير بالنفس البشريّة بالفطرة، وساهمت رواياته الملهمة بمعرفة عمق الذات الإنسانيّة،وإدخال الروح الروسيّة المبهمة إلى الوعي البشريّ كونها جزءً أصيلاً فيه، يكتب الشعر.
والمدهش حقاً، أنّه يكتب شعراً ساخراً لاذعاً، وللأطفال أيضاً ؛وشعراَ وطنياً ملتزماً بالصيغ والمواقف الحكوميّة الرسميّة السائدة آنذاك.
ولم يكن لأحد أن يجهل موقف دستويفسكي الحادّ من السلطة، ذاتها الّتي حكمت عليه بالإعدام في عام 1847. بعد أنّ اتّهم بالمشاركة في نشاط حلقة بتراشيفسكي السياسيّة، المحرّضة ضدّ نظام الحكم السائد، خاصّة أنّه تورّط بأن قرأ رسالة الناقد الشهير بيلينسكي إلى الكاتب غوغول لإطرائه على النظام المستبدّ، والّتي كانت ممنوعة، بل ومجرّمة أيضاً.
لكنّ الحكم يخفّف إلى أربع سنوات بالأعمال الشاقّة، ليخدم بعدها في سيميبالاتينسكي، وهي مدينة شرق كازاخستان.
ولا بدّ أنّ دستويفسكي القابع آنذاك في منفاه العصيّ على الحياة، أراد إرضاء أركان السلطة الروسيّة بهذه القصائد، مقدّماَ المزيد من التوسّل والطاعة لنشرها، ووصولها إلى من يعنيه الأمر. ممّا كتب في قصيدة " حول أحداث أوربّا 1954"، حيث أعلنت إنكلترا وفرنسا الحرب على روسيا:
روسيا الّتي ذرفتْ حروباً فتّاكةً
كلّ قطرةٍ من دمٍ تألمُ لها
تذبلُ في حروبِ الدمِ الواحدِ.
لكنّ روسيا صاحبةَ القداسةِ تبقى حيّةً.
...
الملايينُ،الأجيالُ لا تكلّ من مدّ أيديها إليها.
َوحدَها تفرشُ حكمَها على أعماقِ آسيا،
تهبُ الكائناتِ الحياةَ
وبّعْثَ الشرقِ العتيقِ (بما شاء الله) آتٍ بروسيا.
وهاهمُ الروسُ
منْ جديدٍ
الولاءُ للقيصرِ
الفجرُ الوهّاجُ القادم!
وسرعان ما تفشّت أخبار كتابة دستويفسكي شعراً محابياً للسلطة بالكثير من التذلّل، فسخطت عليه الأوساط التقدميّة، حتّى أنّ منهم من كتب مقالات ساخرة عنه، مثل الناقد والكاتب إيفان بانايف الّذي نشر مقالة في مجلة سوفريمينيك نالت منه كثيراً، فيما رأى آخرون أنّه كان ينتصر في قصائده هذه لانتمائه العميق لوطنه، ما تؤكده رسائله لصديقه الشاعر أبولون مايكوف.
لكنّ دستويفسكي يواصل كتابة الشعر. في شعره الساخر ثمّة حساسيّة كامنة خاصّة للتعاطي مع الأشياء ببالغ الجديّة و العظمة، أو هكذا توحي إليك، محمولة على أقوال مأثورة، أو أطياف حكمة عامّة.
وإنّي أرى
وصفٌ كاملٌ للكهّانِ فقط
مضجِرٌ
وغيرُ عصريّ.
والآنَ
أنتَ
تكتبُ بأسلوبٍ رثّ.
ليسكوف!
إياكَ والفشل!
كما أنّه يهدي، مثالاً، قصيدته الّتي عرفت باسم فيدول إلى زوجه وابنه وابنته. ويُذكر أنّه شارك زوجه آنّا غريغورفنا بإنجاز بعض القصائد (هي زوجه الثانية الّتي رزق منها بأربعة أطفال: ابنتين وابنين، في حين لم يُرزق بأيّ طفل من الزوجة الأولى ماريا دميتروفنا).
لا تَصِرْ لصَّا يا فيدول
لا تصرخْ بملءِ حُلقومِكَ
اِعْبِسْ قليلاً على الأقلّ
لستَ سكرانَ، و أنتَ لا تشربُ الفودكا.
لا تزعقْ ثانيةً، يا ليليوك (اِسم عائلة).
كوني فتاةً طيّبةً،
كوني صديقتَنا كلّنا،
لا كلبةَ سوءٍ.
ولا تغضبي أنتِ أيضاً يا أمّي.
وكذلك كتب دستويفسكي للأطفال، كما يتجلّى في قصيدة "هِبَةُ الربّ" الّتي تصوّر إرادة الربّ الكامنة في أن يهدي شجرة عيد الميلاد لأطيب طفل. وهنا، تتعدّى الطفولة عنده الزمن، ليصبح مدخلاً لأبديّة بوّابتها الطفولة بما تحمله من براءة وحلم. لكنّ الأطفالَ لم يتعاطوا مع قصيدته هذه بالقدر الّذي تأمّله لا شكّ دستويفسكي، فلابدّ أنّهم رأوا فيها قصيدة طويلةً، وتقرّباً من حكمة متعالية وتمثّلاً لفكرة تلقينيّة. كما أنّ هناك مِنَ الأدباء والعاملين في حقول الأدب مَنْ يشكّك في نسب القصيدة هذه لدستويفسكي. نقتطف منها:
الملاكُ الصغيرُ الّذي أرسلَ اللهُ،
عشيّةَ عيدِ الميلادِ،
إلى الأرضِ،
قائلاً بالإبتسامةِ الوهّاجةِ :
بينما تعبرُ غابةَ التنّوبِ،
اقتطع شجرةً، واهدِها للطفلِ
أطيبِ ما على هذهِ الأرضِ،
اللطيفِ،
الرقيقِ،
تَذْكِرَةً بي.
ومسّ الخَجلُ الملاكَ الصغيرَ، قالَ:
لمنْ أهبُ العطيّةَ؟
كيفَ لي أنْ أعرفَ أيّ الأطفالِ
سوفَ يفوزُ بنعمةِ الله.
سترى بنفسك" قالَ الربّ.
وجرى الضيفُ السماويُّ
واستوى الهلالُ، وأشرقَ الدربُ القويمُ،
وجاءَ إلى المدينةِ الكبيرةِ يسعى
بالخُطبِ الكرنفاليّةِ
السعادةُ
في كلّ أرضٍ
تنتظرُ الأطفالَ.
أضف إلى ذلك، فإنّ منهم الكثير أيضاً، وكذا أفراد عائلته والأصدقاء، ممّن ظلّ يعتقد أن دستويفسكي يتجلّى بعوالمه السحريّة وملكاته المبدعة في النثر، وليس في الشعر. لقد كتب إليه شقيقه ميخائيل بعد أن أرسل فيودور قصائده إليه ليقرأها: "قرأت قصائدك، ووجدتها هشّة وضعيفة. الشعر ليس من اختصاصك".
ويكاد يُتّفق على أنّ ثلاث قصائد شكّلت أهمّ ملامحِ عالم فيودوردستويفسكي الشعريّ لم ترَ في حياته. ذلك أنّ دستويفسكي، الّذي كان على رأس خدمته العسكريّة في سيميبالاتينسكي آنذاك، أرسل قصيدة "حول أحداث أوربّا 1954"، التي كتبها في أبريل من العام نفسه، إلى مسؤوليه للموافقة على نشرها، إلا أنّ طلبه لاقى رفضاً حادّاً.
ألمْ يَصعدِ المسيحُ الصليبَ منْ أجلكُمْ؟
وقدّمَ، طوبى، جسدَهُ المقدّسُ للموتِ؟
انظروهُ!
لا يزالُ على الصليبِ!
هوَذا دمُهُ المقدس يجري،
ولكنْ أينَ اليهوديّ الّذي صلبَ المسيحَ الآنَ،
الّذي قتلَ الحبّ الأبديّ مرّةً أخرى؟
انظروهُ!
جسدُهُ يتقرّحُ منْ جديدٍ،
و منْ جديدٍ يحتضنُ الأسى عنّا والآلامَ،
و منْ جديدٍ تتفجّرُ عيناه بالدمعِ المكلومِ،
و تمتدّ، منْ جديدٍ، يداهُ الإلهيّتانِ،
وتُلفّ السماءَ بعاصفةٍ مزلزِلةٍ بالظلماتِ
هذهِ هيَ الآلامُ الكبرى
آلامُ إخوتِنا المؤمنينَ
وأنينُ الكنائسِ تحتَ نير ظلّامٍ لم يُرَ قبلَ هذا
أمرهم أن يُسمّوهُ جسدَ الربّ،
ذاتُهُ رأسُ الإيمانِ الأرثوذكسيّ بأكملِهِ
مقاتلُ الكفّارِ ضدّ الكنيسةِ،
أيّةُ فعلةٍ ظلاميّة، خطّاءة وملعونةٍ!
مسيحيٌّ ضدّ المسيحِ من أجل تركِيّ!
مسيحيٌّ- يدافعُ عن ماغاميت! (اسم منتشر في شمال القوقاز، والأصل أنّه يعني محمّد)
الخزيَ الخزيَ
أيّها المرتدونَ عن الصليبِ!
أمّا قصيدته الثانية " في الأوّل من يوليو 1855"، الّذي يتزامن مع ميلاد القيصرة ألكساندرا فيودورفنا، فقد كتبها صيف ذلك العام، وأرسلها لمسؤوليه حتّى وصلت وزير الدفاع طالباً أن "توضع عند قدمي صاحبة الجلالة القيصرة الأرملة "، ويصطدم رجاءُ دستويفسكي مجدداً برفض صارم.
يا إلهي!
فاجعةٌ
أنْ تضيّعَ كلّ جميلٍ،
أنْ تنظرَ إلى الماضي، كما لوأنّكَ تنظرُ إلى قبرٍ
أنْ تقتلعَ القلبَ، بالدمِ المتألمِ، منِ قلبِهِ
أنْ تُرَبّي حلمَكَ المحاصرَ بالجدرانِ بالحزنِ الجبّارِ،
وتعدّ عليكَ أيّامَكَ بالهزالةِ والعبثِ الأعمى.
مثلَ تكّاتِ ساعةِ سجينٍ تكتفي بالتهمّلِ والكآبةِ.
بينما كتب قصيدته الثالثة "وللتتويج وعقد السلام"، ربيع 1956، وأرسلها مباشرة إلى مدينة سان بطرسبورغ متوسّلاً أن يحصل على إذن القيصر بنشرها في أحد الدوريات الّتي تصدر في العاصمة، وارتطم أمله بحائط مسدود مرّة أخرى بعدم السماح بالنشر.
يا ربّ!
باركِ القيصرَ
قيصرَنا
يسعى إلى مأثرةٍ عصيّةٍ
شائكٌ دربُهُ ووعرُ الإنحداراتِ؛
للكدحِ المُضني، والقليلِ مِنَ الهدأةِ،
من أجل تعبٍ مُهلكٍ، وراحةٍ هزيلةٍ،
من أجلِ عملٍ شجاعٍ مقدّسٍ،
مثلَ ذلكَ العملاقِ المُستبدّ،
الّذي أُفْنِيَ في الكدّ الشاقّ والتعبِ المُضني،
يا ابنَ القيصرِ، العظيمَ والمُمجّدَ،
وريثِ المساميرِ على المعصمَينِ!
العواصفُ طهّرتِ الممالكَ
والقلوبُ تقوّتْ بالألمِ الفتّاكِ.
ما أعزّكَ يا مجدَ الوطنِ الحبيبِ
للروحِ الّتي خلصتْ إليهِ حتّى قيامتِها.
لاشكّ أنّه كانت ثمّة محاولات سعي يائس منقطع النظير من قبل فيودوردستويفسكي لتوكيد هويّته الإبداعيّة، والتمسّك بتكريس ذاته في عالم الأدب، وثقته العميقة بحفر اسمه في مجرى العمل الإبداعيّ؛ ولعلّ رسائله المبكّرة لأخيه بعد انقضاء فترة الأشغال الشاقّة شهدت على شغف استثنائيّ بتجسيد مكانة له في المشهد الإبداعيّ "لقد تجلّت فيّ احتياجات وأحلام لم تطرق ذهني من قبل. لكنّ هذا كلّه ألغاز... قد يسمحون لي بالنشر خلال ست سنوات، وربّما أقلّ من ذلك. المصير سوف يتبدّل، ولن أكتب الهراء، وسوف تسمع عني".
ولم ينلْ دستويفسكي أيّة فرصة، طيلة عهد القيصر نيقولاي الأوّل، لكي يتمكّن من جلب اهتمام أوساط النخبة المؤثّرة إلى حالته التراجيديّة اليائسة والبائسة في آن ككاتب منفيّ يُراد الحكم عليه بفشل غلّاب.
ولم يهدأ له بالٌ على الرغم من حصوله على ترقية عسكريّة في 26 أكتوبر عام 1856، إثر وصول قصيدته إلى وزير الحرب، فقد رأى أنّ نشرها أهمّ من الترقية. لكنّ تقرير وزارة الحرب عام 1865 كان صادماً للغاية: "بعد موافقة جلالته على ترقية دستويفسكي، أمر بوضعه تحت الرقابة السريّة حتّى يتمّ التأكّد من ولائه، ثمّ بعد ذلك تنشر أعماله". لكنّ الإذن بالنشر تأخّر حتّى أبريل عام 1957.
ومن المؤكّد أيضاً أن دستويفسكي، وتحت وطأة رحى المنفى، ومنعه من الدخول إلى عالم الأدب، كتب قصائده هذه بين عامي 1954و1956، مستخدماً فيها العبارات والتصوّرات الحكوميّة الرسميّة السائدة إبان حرب القرم، وبعض العبارات الشائعة في الشعر الوطنيّ، لكنّ حالة التمزّق الداخليّ، والرعب من عدم إيلاء قصائده الاهتمام المستحّقّ، جعلا حياته أشد إيلاماً.
ويمكن التكهّن بأنّ دستويفسكي وإدراكاً منه بوظيفة الشعر الخاصّة بالقيام بمهمة إيصال رسالته للسلطة القائمة بزمنٍ أقلّ، طالما أنّ القصّة أو الرواية لن تمارس فعاليّة الدور نفسه، أنجز هذه القصائد وهو على دراية كاملة بأنّها لن تشكل بادرة جماليّة قادرة على اجتراح مآثر إبداعية تترك أثرها في مجرى الشعر الروسي العظيم، وهو ما يبرّر عدم اكتراثه بنشرها في حياته بكتاب شعريّ، وانكبابه على النثر ليصبح أحد أعلامه في العالم كلّه).






شارك برأيك
في ترجمة هي الأولى وغير مسبوقة: الشاعر والمترجم عبد الله عيسى يكتشف دوستويفسكي شاعراً (تقديم على التقديم)