تحليل

الثّلاثاء 18 نوفمبر 2025 6:25 مساءً - بتوقيت القدس

قرار مجلس الأمن 2803 — تدويل غزة بين ضرورات الأمن ومخاطر الوصاية وتكريس الهيمنة الأميركية

واشنطن- سعيد عريقات - "القدس" دوت كوم

اعتمد مجلس الأمن الدولي، مساء الاثنين ، القرار رقم 2803 المقدم من الولايات المتحدة الأميركية، والذي يأذن بإنشاء “قوة دولية مؤقتة لتحقيق الاستقرار في قطاع غزة”. وجاء القرار بموافقة 13 دولة وامتناع روسيا والصين، في مشهد يعكس مزيجًا من التوازنات الدقيقة، والضغوط الهائلة، وإعادة تشكيل مسار الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي بما يتجاوز البعد الإنساني إلى حسابات النفوذ والهيمنة. فبينما يظهر القرار في مظهر مبادرة إنقاذ إنسانية، تكشف بنوده وخلفياته عن هدف أميركي بامتياز يحمل بصمة إمبريالية واضحة، من شأنه — إن ترك دون مراجعة — أن يمكّن إسرائيل سياسيًا وأمنيًا، ويعيد صياغة القضية الفلسطينية خارج إرادة شعبها.

فمن حيث الشكل، يحاول القرار الاستجابة للانهيار الإنساني في غزة وتدهور الوضع الأمني، لكن من حيث الجوهر، فإنه يرسّخ رؤية أميركية تسعى إلى فرض نظام وصاية دولية يُبقي القطاع تحت رقابة واشنطن وحلفائها، ويُقصي الفاعل الفلسطيني عن أي دور حقيقي في إدارة ما بعد الحرب. وتكشف صيغة القرار أن واشنطن لا تريد مجرد “قوة دولية”، بل تريد قوة تخدم تصورًا محددًا للحكم والأمن، في إطار هندسة سياسية تهدف إلى تحييد القضية الفلسطينية وتفكيك متطلباتها السياسية.

إن إنشاء "إن إنشاء قوة دولية مؤقتة" يأتي في لحظة تحاول فيها إسرائيل الإيحاء بأنها لا تريد البقاء في غزة، بينما ترفض في الوقت نفسه عودة السلطة الفلسطينية أو السماح بقيام إدارة فلسطينية ذات سيادة. وهكذا يتحول القرار 2803 إلى مخرج مثالي: قوة متعددة الجنسيات تحت مظلة الأمم المتحدة نظريًا، لكنها عمليًا تعمل وفق الشروط الأميركية والإسرائيلية، وتحمي مصالحهما، وتحدّ من قدرة الفلسطينيين على إعادة بناء سلطتهم الوطنية.

وتبرز الطبيعة الإمبريالية للقرار في عدة محاور أساسية:

أولًا: إعادة إنتاج "الانتداب" بوسائل جديدة. فالولايات المتحدة تسعى إلى صياغة نظام وصاية شبيه بما كان قائمًا قبل مئة عام، يتم من خلاله التحكم بالحدود والأمن وإعادة الإعمار، مع تأجيل غير محدد لتسليم الفلسطينيين أي سلطة فعلية. إن تحويل غزة إلى منطقة تحت إدارة دولية بقيادة أميركية يعيد إنتاج منطق السيطرة تحت غطاء دولي، ويمنح إسرائيل هامشًا واسعًا لفرض رؤيتها دون تحمل تبعات الاحتلال المباشرة.

ثانيًا: تمكين إسرائيل أمنيًا وسياسيًا. يمنح القرار إسرائيل فرصة ذهبية لإعادة ترتيب القطاع بما يتوافق مع مصالحها: تجريد المقاومة، ضبط الأمن عبر قوة غير فلسطينية، ومنع عودة السلطة الفلسطينية إلا بشروط تُكتب في تل أبيب وواشنطن. كما يتيح لها البقاء طرفًا مؤثرًا في الأمن الحدودي والتنسيق العملياتي، وهو ما يرسّخ الواقع الاحتلالي بدل تفكيكه.

ثالثًا: تصفية تدريجية للقضية الفلسطينية. فمن خلال نقل الملف من طبيعته السياسية — كقضية شعب يسعى للاستقلال — إلى إطار "إدارة أزمة إنسانية"، تتراجع فكرة الدولة الفلسطينية إلى الخلف، ويصبح النقاش منصبًا على "الاستقرار"، و"المساعدات"، و"الإدارة"، بينما يتم تحييد جوهر الصراع: الاحتلال، والاستيطان، والحقوق السياسية. هكذا يخدم القرار مشروعًا أوسع تسعى إليه بعض الدوائر الأميركية والإسرائيلية، وهو تفتيت المسار الوطني الفلسطيني وتحويله إلى ملف إداري أممي طويل الأمد.

الامتناع الروسي والصيني عن التصويت يُظهر بدوره إدراكًا لهذه المخاطر، لكنه يعكس أيضًا حسابات كل من موسكو وبكين في تجنب مواجهة مباشرة مع واشنطن في لحظة دولية مضطربة، ما سمح بتمرير القرار بسهولة نسبية. لكن هذه السهولة تكشف أيضًا عمق نفوذ الولايات المتحدة داخل مجلس الأمن، وقدرتها على قيادة مقاربة دولية تُشرعن رؤيتها للصراع الفلسطيني–الإسرائيلي.

وفي ظل هذا المشهد، يصبح السؤال المركزي: هل يشكل القرار خطوة نحو إطلاق مسار سياسي يعيد الاعتبار لحق الفلسطينيين في دولة مستقلة، أم خطوة نحو تدويل القطاع وتعميق فصله عن الضفة الغربية وإضعاف أي مسار وطني جامع؟ حتى الآن، تبدو الإجابة مقلقة، إذ لا يقدم القرار أي آلية واضحة لإعادة إطلاق عملية سياسية، ولا يحدد إطارًا زمنيًا لانسحاب القوة الدولية، ولا يلزم إسرائيل بأي استحقاق سياسي.

ومع ذلك، يظل المجال مفتوحًا أمام الفلسطينيين والعرب والمجتمع الدولي لتحويل القرار من أداة هيمنة إلى فرصة لحماية المدنيين وفرض مسار سياسي جاد. لكن هذا يتطلب وضوحًا في الرؤية، وموقفًا موحّدًا، وآليات ضغط قادرة على منع تحويل غزة إلى منطقة تخضع لرقابة طويلة الأمد دون حل نهائي.

إن قرار 2803 يحمل في طياته مفترق طرق خطير: إما أن يصبح منصة لإعادة بناء مسار سياسي يقوم على إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية، أو أن يتحول إلى مرحلة جديدة من إعادة إنتاج السيطرة الأميركية–الإسرائيلية بغطاء دولي. وهنا يتحدد مستقبل غزة، بل ومستقبل القضية الفلسطينية برمتها.

دلالات

شارك برأيك

قرار مجلس الأمن 2803 — تدويل غزة بين ضرورات الأمن ومخاطر الوصاية وتكريس الهيمنة الأميركية

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.