واشنطن- "القدس" دوت كوم - سعيد عريقات
قبل أيام من الزيارة المرتقبة للرئيس السوري المؤقت أحمد الشرع إلى واشنطن، كشفت صحيفة وول ستريت جورنال (5 تشرين الثاني2025) أن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب تسعى لإلغاء "قانون قيصر" الذي شكّل منذ عام 2019 أحد أكثر أدوات العقوبات قسوة على سوريا. ويأتي هذا التوجه في إطار دعم سياسي متزايد للقيادة السورية الجديدة التي أطاحت بنظام الرئيس السوري بشار الأسد العام الماضي بعد حرب أهلية دامت 13 عامًا، دعمت فيها الولايات المتحدة والدول الغربية، والدول العربية في الخليج، القوى التي حاربت ضد الجيش العربي السوري.
من الجولاني إلى الشرع: تحوّل من مطلوب إلى رئيس
أحمد الشرع، الذي يحمل ماضيًا مثيرًا للجدل، كان يُعرف سابقًا باسم "أبو محمد الجولاني"، مؤسس جبهة النصرة، الفرع السوري لتنظيم القاعدة. وقد وضعته الولايات المتحدة على قوائم الإرهاب عام 2013، ورصدت مكافأة قدرها 10 ملايين دولار مقابل القبض عليه. إلا أن الشرع انشق عن القاعدة قبل نحو عقد، وبدأ عملية طويلة لإعادة تقديم نفسه كقائد وطني معتدل.
قاد الشرع تحالفًا واسعًا من الفصائل الإسلامية المسلحة ، والمعارضة السياسية انتهى بسقوط نظام الأسد يوم 9 كانون الأول 2024. واليوم، يقف الرجل الذي كان أبرز المطلوبين لأجهزة الاستخبارات الغربية على أعتاب البيت الأبيض، في أول زيارة رسمية لرئيس سوري إلى واشنطن في التاريخ الحديث.
إلغاء "قانون قيصر": بين الطموح والتحفظ
ترى إدارة ترمب أن إلغاء العقوبات خطوة أساسية لإنعاش الاقتصاد السوري وإعادة دمج دمشق في النظام المالي العالمي، معتبرة أن استمرار القيود سيقوّض جهود إعادة الإعمار ويزيد من مخاطر الفوضى. وقال مسؤول أمريكي رفيع للصحيفة: "الإلغاء الكامل لقانون قيصر يتماشى مع إعلان الرئيس بشأن رفع العقوبات وفتح الباب أمام الاستثمارات الأمريكية والإقليمية في سوريا".
ويُدرج المقترح ضمن قانون تفويض الدفاع الوطني، حيث يربط رفع العقوبات بالتزام الحكومة السورية بحقوق الإنسان، ومكافحة الإرهاب، وإصلاح مؤسساتها الأمنية، وبناء علاقات سلمية مع إسرائيل. لكن بعض المشرعين — وبينهم النائب الجمهوري برايان ماست — عبّروا عن قلقهم من أن يؤدي رفع القيود إلى إعادة تمكين عناصر متشددة داخل النظام الجديد.
ضغوط إنسانية ودعم شعبي متزايد
في المقابل، تتصاعد أصوات داخل الولايات المتحدة تدعو إلى رفع العقوبات لأسباب إنسانية. إذ طالبت ستّ عائلات أميركية فقدت أبناءها في سوريا، في رسالة إلى الكونغرس، بإلغاء القانون لتسهيل التحقيقات في مصير المفقودين والتعاون مع السلطات السورية الجديدة. ويستند هؤلاء إلى أن استمرار العزلة المالية يعقّد جهود العدالة ويمنع التواصل الضروري مع المؤسسات السورية.
بين البراغماتية والمخاطرة
التحوّل في موقف واشنطن تجاه دمشق يعكس تحولًا استراتيجيًا عميقًا في أولويات السياسة الأميركية في الشرق الأوسط. فبعد عشرات سنوات من معاقبة الدولة السورية، والعمل على إسقاطها، تراهن إدارة ترمب على زعيمٍ كان حتى وقت قريب على قوائم الإرهاب، معتبرة إياه الخيار الواقعي الوحيد لضمان استقرار سوريا ما بعد الحرب، واحتواء النفوذين الإيراني والروسي.
لكن هذا الرهان محفوف بالمخاطر: فشرعية الشرع الداخلية لا تزال موضع جدل، ومؤسساته الأمنية تضم فصائل متطرفة ذات ماضٍ دموي. كما أن رفع العقوبات قد يثير اعتراضات حلفاء أوروبيين يرون في "قانون قيصر" آخر أدوات الضغط لتحقيق العدالة الانتقالية.
ومع ذلك، تبقى زيارة الشرع إلى واشنطن لحظة فارقة، ليس فقط لأنها الأولى لرئيس سوري إلى البيت الأبيض، بل لأنها تمثل إعلانًا رسميًا بانتهاء حقبة الدولة السورية السابقة، وبدء اختبار حقيقي لعلاقة جديدة بين واشنطن ودمشق — علاقة تتأرجح بين طموح بناء دولة مستقرة ومخاوف من أن التاريخ قد يعيد نفسه بأسماء مختلفة.
أصدرت وزارة الخارجية الأميركية يوم الأربعاء، بياناً أعلنت فيه أن السفير مايكل وولتز، ممثل الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة، عقد اجتماعاً مع الدول الأعضاء غير الدائمين في مجلس الأمن الدولي (E10)، والتي تضم الجزائر والدنمارك واليونان وغيانا وباكستان وبنما وكوريا الجنوبية وسيراليون وسلوفينيا والصومال. ووفق البيان، الذي استلمت مراسل جريدة القدس عنه، رحبت واشنطن بانضمام كلٍّ من مصر وقطر والمملكة العربية السعودية وتركيا والإمارات العربية المتحدة إلى الاجتماع، في خطوة وصفتها بأنها "تجسّد الدعم الإقليمي" لمشروع القرار الأميركي الجديد بشأن غزة.
وأوضح البيان أن مشروع القرار يهدف إلى الترحيب بإنشاء "مجلس السلام" والموافقة على تشكيل "القوة الدولية للاستقرار" التي نصت عليها خطة الرئيس دونالد ترمب ذات النقاط العشرين، وهي الخطة التي أعلن عنها البيت الأبيض الشهر الماضي باعتبارها "خريطة طريق شاملة" لإعادة الأمن والاستقرار إلى قطاع غزة بعد وقف إطلاق النار. وتشمل الخطة استمرار المساعدات الإنسانية، والإفراج عن جميع الرهائن، وتهيئة الظروف لقيام إدارة مدنية جديدة في القطاع بإشراف دولي، على أن تتولى القوة الدولية مسؤولية الأمن والحدود لفترة انتقالية. وأكد البيان أن "الولايات المتحدة، بقيادة الرئيس ترمب الجريئة، ستعود إلى تحقيق النتائج لا الاكتفاء بالكلام"، مشدداً على أن "الفرصة التاريخية لإنهاء عقود من الدماء قد حانت".
لكن وراء هذه اللغة المتفائلة تكمن جملة من الفجوات البنيوية والسياسية التي تجعل المقترح الأميركي محل تساؤل واسع حول واقعيته واستدامته. أولى هذه الفجوات تتعلق بطبيعة "القوة الدولية للاستقرار" التي تتحدث عنها واشنطن من دون تحديد واضح لتكوينها أو مهامها أو مرجعيتها القانونية. فهل ستكون تحت مظلة الأمم المتحدة فعلاً، أم أنها ستتكوّن من تحالف طوعي بقيادة الولايات المتحدة؟ وهل سيُسمح لها بالانتشار في غزة بموافقة إسرائيل، أم أن دورها سيقتصر على مراقبة الحدود والمعابر؟ غياب هذه التفاصيل يطرح شكوكاً حول النوايا الأميركية، ويثير المخاوف من أن تتحول القوة إلى أداة نفوذ أميركي – أو حتى إسرائيلي غير مباشر – أكثر منها ضمانة حقيقية للأمن والاستقرار.
وفي المستوى السياسي، تبدو الخطة منفصلة عن الواقع الفلسطيني الداخلي. فهي لا تذكر السلطة الفلسطينية أو أي جهة تمثيلية فلسطينية بوصفها طرفاً في عملية صنع القرار أو التنفيذ. وهذا التجاهل لا يُعدّ مجرد نقص في التفاصيل، بل يعكس رؤية تتعامل مع غزة كميدان لإدارة الأزمات، لا كجزء من مشروع وطني فلسطيني متكامل. فغياب الشريك المحلي يجعل أي ترتيبات أمنية أو إدارية عرضة للانهيار مع أول اختبار ميداني، كما أن تجاهل البعد السياسي الأوسع – بما في ذلك مسألة الدولة الفلسطينية – يحوّل الخطة إلى مبادرة أمنية مؤقتة لا تعالج جذور الصراع.
أما البعد الإقليمي الذي حرصت واشنطن على إبرازه عبر مشاركة خمس دول عربية في الاجتماع، فيبدو أنه أقرب إلى محاولة لإضفاء شرعية شكلية على المشروع منه إلى تعبير عن توافق حقيقي. فهذه الدول تختلف في مواقفها من حماس ومن مستقبل غزة وعلاقتها بإسرائيل، ما يجعل الحديث عن "دعم إقليمي موحد" غير دقيق. كثير من العواصم المشاركة ربما حضرت الاجتماع من باب المجاملة الدبلوماسية، أو بهدف البقاء ضمن دائرة المشاورات الأميركية، وليس اقتناعاً بجدوى الخطة أو عدالة بنودها.
جانب آخر يثير الجدل هو الربط بين المساعدات الإنسانية والإفراج عن الرهائن، وهو ربط يبدو عملياً على الورق، لكنه ينطوي على تسييس خطير للعمل الإنساني. فالمساعدات التي يُفترض أن تُقدَّم بناءً على الاحتياج الإنساني فقط، تحولت في المقترح إلى أداة ضغط وتفاوض، ما يتعارض مع القواعد الدولية التي تفصل بين الإغاثة والسياسة. هذا النهج قد يعرّض واشنطن لانتقادات من المنظمات الإنسانية، كما يضع الأطراف الفلسطينية أمام معادلة قسرية قد تزيد من التوتر بدلاً من تخفيفه.
ولا يمكن إغفال البعد الدعائي الذي يطغى على البيان الأميركي، إذ تتكرر فيه العبارات التي تمجّد "القيادة الجريئة" للرئيس ترمب و"النتائج الحقيقية" التي وعد بتحقيقها. هذه اللغة لا تُخفي ارتباط المبادرة بالسياق الانتخابي الأميركي، خصوصاً مع اقتراب السباق الرئاسي. كما يبدو أن الإدارة تسعى إلى استثمار الملف الفلسطيني كمنصة لإبراز صورة الرئيس "صانع السلام" القادر على تحريك الشرق الأوسط، وهو ما يفسر استعجال طرح الخطة قبل اكتمال عناصرها التنفيذية والسياسية.
وحتى في حال حصول المقترح على دعم مبدئي داخل مجلس الأمن، تبقى إشكالية التنفيذ قائمة. فالمشروع لا يقدم تصوراً واضحاً لتمويل القوة الدولية أو الإشراف عليها أو تحديد مدة عملها. كما أنه يتجاهل تماماً المرحلة اللاحقة لـ"الاستقرار" المفترض: من سيحكم غزة؟ كيف ستُعاد الإعمار؟ ما موقع حماس أو الفصائل الأخرى في المنظومة الجديدة؟ هذه الأسئلة الجوهرية تظل بلا إجابة، ما يثير شكوكاً حول قدرة الخطة على تجاوز حدود الورق إلى التطبيق الفعلي.
ويظهر المقترح الأميركي كتحرك سياسي طموح يسعى لإعادة تموضع واشنطن في الملف الفلسطيني وإظهار إدارة ترمب بمظهر الفاعل القادر على "تحقيق ما عجز عنه الآخرون"، لكنه يعاني من غموض في التفاصيل، وغياب للشريك الفلسطيني، وتناقض بين الطموح السياسي والواقع الميداني. ومع أن الخطاب الأميركي يحاول تسويق المبادرة كطريق إلى "سلام دائم في الشرق الأوسط"، فإن المؤشرات العملية ترجّح أنها ستواجه مصير خطط سابقة، لأنها تتعامل مع غزة كملف أمني، لا كجزء من قضية سياسية أعمق تحتاج إلى حلول عادلة ومستدامة.





شارك برأيك
واشنطن تمهّد لطي صفحة "قانون قيصر" وترمب يراهن على الشرع لبناء "سوريا جديدة"