في مشهد ليس بالجديد، لكنه يكشف جانبا من عمق الانحدار الأخلاقي والسياسي في بنية منظومة الاحتلال، الإقرار الأولي لمشروع القانون الذي يجيز إعدام الأسرى الفلسطينيين خطوة غير مسبوقة، وهكذا ايضا وُصفت في أوساط الاحتلال، ولكن في سياق المديح لا الذم، اما بالنسبة إلى الفلسطينيين، فليست سوى تتويج لجريمة ممتدة، اذ لم يكن القتل يوما غائبا عن ممارسات الاحتلال، لكنه يتحول الآن الى قانون ملزم لا يتيح حتى لمن يلعب دور القاضي اي مساحة للتقدير.
وفقا للمذكرة التفسيرية المرفقة بالمقترح، فان المقاومين يحكم عليهم بالإعدام إلزاما لا اختيارا، وهنا لا يكتفي الاحتلال بسلب حياة الفلسطينيين في الميدان، بل يمنح لنفسه شرعية قانونية لقتلهم في السجون ايضا، والنتيجة ان القتل لم يعد فعلا عسكريا، بل اصبح فعلا قانونيا، يقدم بصفته سياسة دولة تسعى - كما تزعم - الى "السلام"، فأي سلام هذا الذي يبنى على المقصلة؟
منذ اكثر من عامين يعيش الأسرى الفلسطينيون ما يشبه الابادة البطيئة داخل سجون الاحتلال، من تعذيب وتجويع واذلال وانقطاع عن العالم، وصولا الى ما تسرب من عمليات اغتصاب. منذ السابع من أكتوبر استشهد اكثر من ثمانين اسيرا، معظمهم قضى تحت التعذيب او بسبب الاهمال الطبي المتعمد، فضلا عن المئات من الذين انقطعت اخبارهم، وجاء هذا "القانون" ليمنح تلك الجرائم غطاء تشريعيا، ويحول المعتقلات الى معسكرات اعتقال رسمية تجعل من السجون ساحات انتقام مفتوح.
لكن في حقيقة الامر، فان الاحتلال لم يكن بحاجة إلى قانون جديد ليمارس الإعدام، فقد سبقت الممارسة النص، حيث وثقت مؤسسات فلسطينية ودولية عشرات الحالات لأسرى أعدموا ميدانيا بعد الاعتقال، وأعيدت جثامينهم إلى غزة وقد بدت عليها آثار التعذيب وسرقة الأعضاء، لذلك فان "التشريع" الجديد لا يضيف سوى صفة "الشرعية" على ما يجري بالفعل، مانحا القتلة غطاء قانونيا لجرائمهم اليومية.
هذه الخطوة، حتى وان بدت في ظاهرها قانونا عقابيا، فإنها في جوهرها تعكس مأزقا عميقا في بنية الاحتلال، أزمة ردع وشرعية في آن واحد، فحين تفشل القوة في تحقيق الأمن، يلجأ الاحتلال الى التشريع كوسيلة انتقام، لا غير ذلك، وهو ما يجعل من مشروع الاعدام اداة سياسية تهدف الى استرضاء الشارع اليميني المتطرف، اكثر مما تعبر عن رؤية أمنية مدروسة.
القانون العنصري الجديد ينسف ما تبقى من التزامات الاحتلال المزعومة تجاه اتفاقيات جنيف التي تحمي حقوق الأسرى، ويضع دولة الاحتلال في مواجهة مفتوحة مع القانون الدولي، فإقرار عقوبة الاعدام بحق أسرى الحرب يمثل انتهاكا صارخا للمادة الثالثة من الاتفاقية، ويؤكد مرة اخرى ان الاحتلال يترجم سياساته الأمنية الى منظومة قانونية للقتل المشرعن.
على الجانب الآخر، من المؤكد ان هذا القانون، حتى لو أقر في الجلسة العامة للكنيست، وطبق لاحقا، فلن يحقق شيئا على المستوى الامني، بل ربما يكون اثره عكسيا، فمن خرج مقاوما وهو يدرك ان الموت مصيره، لن تردعه المقصلة، بل قد تدفعه الى المزيد، بعد ان كان يخشى السجن اكثر من الموت، وربما لن يمر الكثير من الوقت، قبل ان ترتفع الاصوات المطالبة بإلغائه، ليس نتيجة صحوة اخلاقية، بل لأنه قد يصبح السلاح الاخطر، ويعيد قضية الأسرى الى قلب المعركة، ما يؤدي الى تصعيد اعمال المقاومة.
ورغم هذا وذاك، الرد الفلسطيني لا يجب ان يتوقف عند بيانات الادانة، بل تحويله الى قضية دولية، عبر تحريك ملف الأسرى امام مجلس حقوق الانسان والمحكمة الجنائية، بل وفضح ممارسات الاحتلال داخل السجون بحملات اعلامية وحقوقية منظمة، كما ينبغي بناء جبهة دولية مناصرة لقضية الأسرى، تربط هذا القانون بمسار الابادة الاوسع الذي يتعرض له الفلسطينيين.
القانون لا يحمل اي بعد قانوني او أخلاقي، بل هو اعلان رسمي بان الاحتلال قرر الانتقال من مرحلة سلب الحرية الى سلب الحياة نفسها، وفي لحظة كهذه، لا تعود المسالة قضية تشريع، بل مرآة تعكس جوهر الأزمة الأخلاقية والسياسية للاحتلال، الذي يرى في الدم الفلسطيني نصا قانونيا، وفي الابادة والاعدام وسيلة للبقاء.





شارك برأيك
الإعدام باسم السلام: كيف يترجم الاحتلال أزمته إلى انتقام؟