فلسطين

الخميس 30 أكتوبر 2025 8:37 صباحًا - بتوقيت القدس

التصعيد الجديد.. تخليق الذرائع لفرض وقائع جديدة

خاص بـ"القدس" و"القدس" دوت كوم

نور عودة: واشنطن لا تمتلك استراتيجية ورؤية واضحتين تجاه وقف الحرب وتحاول احتواء الموقف دون معالجة جذوره

محمد أبو علان دراغمة: نتنياهو يسعى إلى تبرير موقفه أمام ائتلافه والمعارضة بعدما تبيّن أنّ أمريكا هي مَن تدير إسرائيل فعلياً

نعمان توفيق العابد: غياب الرقابة الدولية على تطبيق بنود الاتفاق سمح لإسرائيل بالتنصل من التزاماتها وتجاوز الضمانات

فايز عباس: مسار الأحداث سيعتمد على قرارات ترمب وسيستمر التفاوض والانتقال إلى المرحلتين الثانية والثالثة حتى نهاية الحرب

محمد جودة: إسرائيل بهذه الضربات لا تعلن رسمياً نهاية الاتفاق لكنها تختبر هامش المناورة المتاح داخل الهدنة وترسل رسائل متعددة

ياسر مناع: محاولة لتطبيق النموذج اللبناني في القطاع بفرض معادلة الردع من خلال عمليات القصف المحدودة والاختراقات الميدانية المتكررة


على وقع تذبذب اتفاق التهدئة ووقف الحرب في قطاع غزة، جاءت الضربات الإسرائيلية الأخيرة، ضمن محاولة إسرائيل ورئيس حكومتها بنيامين نتنياهو إعادة فرض معادلة الردع بعد فترة هدوء مؤقتة، ضمن سياسة جديدة تهدف لإعادة صياغة اتفاق التهدئة.

ويرى كتاب ومحللون سياسيون ومختصون، في أحاديث منفصلة لـ"ے"، أن الضربات الإسرائيلية ترتبط بالسياسة الداخلية لنتنياهو، الذي يسعى من خلال هذه المناورات لتبرير موقفه أمام شركائه في الائتلاف وللتخفيف من ضغوط التحقيقات القضائية، مستفيدًا من الغطاء الأمريكي الذي يتحكم بالقرار العسكري الإسرائيلي ويحدد سقف التحركات الميدانية.

ويشير الكتاب والمحللون إلى أنه رغم استمرار هذه الغارات بين الحين والآخر، يبقى اتفاق وقف إطلاق النار قائمًا شكليًا لكنه يتآكل ميدانيًا، لكن استمرار الضغوط الأمريكية يعيد تثبيت التهدئة.

ضرورة إعادة تقييم الاتفاق

توضح الكاتبة والمحللة السياسية والمختصة في الشؤون الدبلوماسية والعلاقات الدولية نور عودة أن الهجمات الإسرائيلية الأخيرة على قطاع غزة لا تعني بالضرورة نهاية اتفاق وقف إطلاق النار، حيث إن هناك التزاماً فلسطينياً بالاتفاق بسبب الفائدة الوطنية المتمثلة في تجنب العودة إلى "المقتلة" الجماعية.

لكن عودة تشدد على ضرورة إعادة تقييم الاتفاق وفهم سياقيه السياسي والدبلوماسي، مشيرة إلى أنه يأتي في إطار "سياق أمريكي أرعن"، يمنح إسرائيل شرعية للانتقام والتحرك ضمن حدود معينة تخدم أهدافها الداخلية وتؤكد تفوقها الأمني والعسكري.

وتعتبر أن الصيغة الحالية للاتفاق تمثل نموذجاً مكرراً -بل أشد عنفاً- مما جرى في لبنان، إذ تستند إسرائيل إلى معادلة قصف شبه يومي، لكنها في غزة تتجاوز ذلك إلى استهداف العائلات المدنية وارتكاب المجازر الجماعية، في محاولةٍ لترسيخ معادلة "المنتصر الذي يفرض شروطه".

وتوضح عودة أن ما يحدث في القطاع هو نسخة أكثر قسوة من اتفاق وقف النار في لبنان، تتيح لإسرائيل هامشاً واسعاً لمواصلة عملياتها العسكرية تحت غطاء "الردع المشروع".

وفي تقييمها للمرحلة المقبلة، تؤكد عودة أن الولايات المتحدة لا تمتلك استراتيجية ولا رؤية واضحتين تجاه وقف الحرب على قطاع غزة، وتعمل وفق سياسة التجريب ومحاولة احتواء الموقف دون معالجة جذوره.

المنطلق الأمريكي الثابت دعم إسرائيل وحمايتها

وبحسب عودة، فإن المنطلق الأمريكي الوحيد الثابت هو دعم إسرائيل وحمايتها من تبعات أفعالها، والسعي إلى إعادة تطبيعها وقبولها دولياً عبر التمسك بالحديث عن "السلام" و"وقف الحرب"، دون اتخاذ خطوات فعلية لتحقيق ذلك.

وتحذّر من أن هذا النهج الأمريكي يُبقي الموقف هشاً وملتبساً، ويفتح الباب أمام استمرار العنف الإسرائيلي بأشكاله المختلفة من قصف وقتل وحصار وتجويع، دون أفق سياسي أو إنساني واضح.

وتشدد عودة على أن الواقع الحالي في غزة، الذي يتضمن فصل القطاع إلى قسمين شرقي وغربي، والحفاظ على الحصار وجولات القصف المتكررة، غير قابل للاستدامة.

وتشير إلى أن إنهاء هذه المعاناة يتطلب تدخلاً حاسماً ورؤية واضحة من الدول الضامنة والوسطاء للتوصل إلى صيغة منطقية وشاملة تدفع واشنطن لتغيير نهجها وتمضي لوقف الحرب بشكل نهائي وإلزام إسرائيل بتنفيذ بنود الاتفاق.

قرار إنهاء الاتفاق ليس بيد نتنياهو

يؤكد الكاتب والمختص بالشأن الإسرائيلي محمد أبو علان دراغمة أن الهجمات الإسرائيلية الجديدة على قطاع غزة لا تعني نهاية الاتفاق القائم، موضحاً أن قرار إنهاء الاتفاق ليس بيد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وإنما بيد الإدارة الأمريكية التي تتحكم فعلياً بمسار الأحداث.

ويوضح دراغمة أن المبررات التي تسوقها إسرائيل لهذه الاختراقات "واهية وشكلية"، مشيراً إلى أن السبب الأخير الذي قدمته تل أبيب -بشأن قيام عناصر من حركة حماس بدفن أشلاء أسير إسرائيلي- لم يُقنع حتى الإدارة الأمريكية، التي وصفته بأنه "خرق معنوي لا يستوجب الرد العسكري الواسع".

ويشير دراغمة إلى أن نتنياهو يسعى من خلال هذه الهجمات لإيجاد ذرائع سياسية تبرر موقفه أمام شركائه في الائتلاف والمعارضة، بعد أن بدا أنّ من يدير إسرائيل فعلياً هو الإدارة الأمريكية برئاسة دونالد ترمب، ومعه أذرعه السياسية والعسكرية مثل وزير الخارجية ماركو روبيو، ونائب الرئيس دي فانس، ومبعوثيه جاريد كوشنر وستيف ويتكوف.

ويلفت إلى أن أصواتاً داخل إسرائيل بدأت تتحدث عن أن نتنياهو سلّم إدارة البلاد للإدارة الأمريكية، وأنه لم يعد أكثر من "حاكم للولاية 51" في منظومة واشنطن، حيث تتولى الإدارة الأمريكية إدارة الشؤون الخارجية، فيما يقتصر دور نتنياهو على إدارة الشؤون المحلية.

الاستجابة لضغوط اليمين المتطرف

ويبيّن أن الاختراقات الإسرائيلية لوقف إطلاق النار تأتي استجابة لضغوط داخلية من شخصيات يمينية متطرفة، مثل بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير، تطالب بالعودة إلى الحرب وتحقيق "نصر مطلق" على حماس.

ويشير دراغمة إلى أنه ومع ذلك، فإن حتى هذه الخروقات تمت بالتشاور مع الإدارة الأمريكية، التي تمتلك اليوم نفوذاً مباشراً على القرار العسكري الإسرائيلي من خلال وجود قيادة عسكرية أمريكية في منطقة "كريات غات" تشرف على مجريات الميدان في قطاع غزة.

ويعتبر دراغمة أن هذه التطورات تعكس حالة حرج سياسي داخل إسرائيل، إذ يحاول نتنياهو التغطية على فقدانه السيطرة على مجريات الأمور، فيما أصبح ترمب هو من "يدير المعركة السياسية" في غزة، مشيراً إلى أن قرار إنهاء الاتفاق لا يمكن أن يُتخذ إلا في واشنطن، والدليل هو تصريحات نائب الرئيس الأمريكي دي فانس التي أكدت، رغم الخرق الأخير، أن "وقف إطلاق النار ما زال صامداً".

المرحلة المقبلة مليئة بالألغام السياسية

ويتوقع دراغمة أن تسعى إسرائيل لتأجيل الانتقال إلى المرحلة الثانية من الصفقة بحجة استكمال المرحلة الأولى الخاصة بإعادة الجثث، مؤكداً أنه لا يوجد سيناريو لإنهاء الاتفاق حالياً، لأن القرار خارج يد تل أبيب.

 ويعتبر دراغمة أن المرحلة المقبلة ستكون مليئة بالألغام السياسية، منها نزع سلاح حركة حماس وغزة، وغياب الحركة عن المشهد السياسي، وتشكيل هيئة تكنوقراط لإدارة القطاع.

ويرى دراغمة أن المفاوضات المقبلة قد تمتد لفترة طويلة أشبه بمسار أوسلو، حيث قد تماطل إسرائيل في تنفيذ الالتزامات إلى ما لا نهاية، ما لم تحسم الإدارة الأمريكية الموقف بشكل حازم، مشيراً إلى أن الوسطاء الإقليميين لن يكون لهم تأثير يُذكر أمام إسرائيل والهيمنة الأمريكية على مجريات الاتفاق.

نتنياهو وافق على الاتفاق "على مضض"

يؤكد الكاتب والباحث السياسي والمختص في العلاقات الدولية نعمان توفيق العابد أن إسرائيل، وللمرة الثانية، شنت سلسلة غارات على قطاع غزة بذريعة حدوث "حادث أمني" في مدينة رفح، وهي المدينة ذاتها التي استخدمتها سابقاً لتبرير هجماتها.

ويوضح العابد أن الاحتلال الإسرائيلي لم يلتزم في أي مرحلة من مراحل تنفيذ خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، إذ إن تل أبيب هي الطرف الذي يخرق الاتفاق بكل بنوده، سواء فيما يتعلق بإطلاق سراح الأسرى، أو الانسحاب من معبر رفح وفتحه، أو إدخال المساعدات الإنسانية، وحتى في ما يتعلق بعمليات الانسحاب التي لم تخضع لآليات رقابة حقيقية.

ويشير العابد إلى أن غياب الرقابة الدولية على تطبيق بنود الاتفاق سمح لإسرائيل بالتنصل من التزاماتها وتجاوز الضمانات التي كان من المفترض أن تشرف عليها الدول الراعية والوسطاء.

وبحسب العابد، فإن حكومة الاحتلال الإسرائيلي برئاسة بنيامين نتنياهو وافقت على الاتفاق "على مضض" تحت ضغط أمريكي مباشر، حيث إن نتنياهو لم يكن يرغب في إنهاء العدوان على غزة، لكنه اضطر لذلك ضمن ترتيبات إقليمية أوسع تقودها الإدارة الأمريكية لإعادة تشكيل المشهد في الشرق الأوسط.

إسرائيل تحاول استنساخ النموذج اللبناني

ويوضح العابد أن إسرائيل تحاول حالياً استنساخ النموذج اللبناني من خلال إبقاء السيطرة الأمنية على أجزاء من قطاع غزة، مع تنفيذ اعتداءات متكررة تحت ذريعة "الرد على الخروقات"، وهو تكتيك مشابه لما تمارسه في الجنوب اللبناني.

ويشدد العابد على أن ما يمنع نتنياهو من المضي في هذا المسار هو التزام واشنطن بتطبيق المراحل التالية من "خطة ترمب"، التي تنص على مزيد من الانسحابات الإسرائيلية وبدء الإعمار وفتح المعابر، إضافة إلى إدخال قوات دولية والشرطة الفلسطينية لتولي مهام الأمن والإشراف على إعادة البناء.

ويبيّن العابد أن تطبيق هذه البنود من شأنه أن يغيّر الواقع الميداني في قطاع غزة، ويمنع إسرائيل من تنفيذ رؤيتها القائمة على السيطرة الأمنية الكاملة.

ويلفت العابد إلى أن نتنياهو يواجه قيوداً داخلية كبيرة، سواء من داخل ائتلافه اليميني المتشدد أو من ضغوط التحقيقات القضائية المتعلقة بقضايا الفساد، فضلاً عن التحضيرات المحتملة لانتخابات مبكرة في إسرائيل، ما يدفعه إلى تصعيد الموقف في غزة لكسب تأييد القاعدة اليمينية.

ويؤكد العابد أن تصرفات نتنياهو الأخيرة ليست فقط نتيجة اعتبارات سياسية أو أمنية، بل أيضاً مرتبطة بمصيره الشخصي، إذ يسعى إلى تأجيل أو تعطيل محاكماته الجارية، وكذلك إلى تفادي تشكيل لجنة تحقيق إسرائيلية رسمية حول أحداث السابع من أكتوبر 2023، التي من المتوقع أن تحمّله مسؤولية الفشل الأمني والعسكري.

 رغبة واضحة في كسب الوقت والمناورة

ويشير العابد إلى أن السلوك الإسرائيلي الحالي يُظهر رغبة واضحة في كسب الوقت والمناورة ضمن حدود ما تسمح به الإدارة الأمريكية، التي لا تزال اللاعب الأساسي في تحديد سقف التحركات الميدانية.

ويرجّح أن الولايات المتحدة ستتدخل قريباً لإجبار نتنياهو على التوقف عن الاعتداءات الأخيرة والعودة إلى الالتزام بالاتفاق، مرجحاً أن تقوم حركة حماس في المقابل بتسليم مزيد من جثث القتلى الإسرائيليين ضمن تفاهمات غير معلنة.

ويشير العابد إلى أن هذه العملية لن تكون شاملة، وأن استمرار الاتفاق مرهون بالتفاهم على تفاصيل المرحلة الثانية من الخطة، التي تشمل ملفات حساسة مثل الإعمار، والسلاح، وترتيبات الحكم في القطاع، ودور القوى الدولية والإقليمية في الإشراف عليها.

ويلفت العابد إلى أن هذه المرحلة ستتطلب تفاهمات فلسطينية داخلية وإقليمية ودولية متزامنة، محذراً من أن غياب التوافق الفلسطيني– الفلسطيني سيشكل عقبة رئيسية أمام المضي في المراحل التالية.

ويرى العابد أن الانقسام الداخلي يفتح الباب أمام واشنطن لفرض ضغوط على الفلسطينيين، ما سيؤدي إلى إضعاف الموقف الفلسطيني التفاوضي وإعادة إنتاج حالة من السيطرة غير المباشرة على غزة.

ويعتقد العابد أن الاتفاق لن ينهار كلياً، لأن الولايات المتحدة والوسطاء الإقليميين سيحرصون على الإبقاء عليه كإطار سياسي هش يضمن الحد الأدنى من الاستقرار، لكنه يتوقع أن تتواصل الاعتداءات الإسرائيلية المحدودة بين حين وآخر، بذريعة الحفاظ على الأمن، في ظل استمرار غياب الرقابة الدولية والرؤية الواضحة للحل النهائي.

رسالة بأن إسرائيل لا تتلقى التعليمات من طرف خارجي

يرى الكاتب والمختص بالشأن الإسرائيلي فايز عباس أن القصف الإسرائيلي الأخير على قطاع غزة يهدف بالأساس إلى إرسال رسالة سياسية مفادها بأن "إسرائيل ليست دولة تتلقى التعليمات من أي طرف خارجي"، في إشارة إلى سعي حكومة بنيامين نتنياهو لإثبات استقلال قرارها العسكري عن الإدارة الأمريكية.

ويوضح عباس أن الساحة السياسية في إسرائيل تشهد نقاشًا محتدمًا حول هذا الأمر، إذ يحاول نتنياهو من خلال هذه الضربات أن يبرهن للجمهور الإسرائيلي أنه قادر على اتخاذ قرارات عسكرية دون الرجوع إلى البيت الأبيض.

ويؤكد أن نتنياهو، رغم محاولاته إظهار هذا الاستقلال، يدرك تمامًا أنه لن يجرؤ على خرق وقف إطلاق النار من دون تصريح أمريكي واضح، وهو ما حدث فعلاً بعد أن منحت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب الضوء الأخضر لتبرير ما سمّته إسرائيل "حقها في الرد".

ويشير عباس إلى أن إسرائيل لن تستمر في القصف فترة طويلة، وستعود قريبًا إلى الالتزام بوقف إطلاق النار ومتابعة جهودها الرامية إلى استعادة جثث قتلاها المحتجزين في غزة، رغم صعوبة الأوضاع الميدانية وتعقيدات البحث عن الجثامين.

وفيما يتعلق بالسيناريوهات المقبلة، يرى عباس أن مسار الأحداث سيعتمد على قرارات إدارة ترمب، متوقعًا استمرار العملية التفاوضية والانتقال إلى المرحلتين الثانية والثالثة من الصفقة حتى نهاية الحرب.

ويشير عباس إلى أن ترمب يبدو جادًا في سعيه لإنهاء الحرب "من أجل إنقاذ إسرائيل من نفسها"، لكنه قد يفشل في إعادة الوضع إلى ما كان عليه قبل الثامن من أكتوبر 2023.

الضربات الأخيرة لا يمكن قراءتها كـ"عودة فورية للحرب"

يؤكد الكاتب والمحلل السياسي محمد جودة أن الضربات الإسرائيلية الأخيرة على قطاع غزة لا يمكن قراءتها كـ"عودة فورية للحرب"، بل هي محاولة لإعادة رسم شروط التهدئة القائمة بين الطرفين، وهو ما تم بالإعلان مجدداً عن سريان وقف إطلاق النار.

ويوضح جودة أن إسرائيل، من خلال هذه الضربات المحدودة، لا تعلن رسمياً نهاية الاتفاق، لكنها تختبر هامش المناورة المتاح داخل الهدنة وترسل رسائل متعددة الاتجاهات لكل من الداخل الإسرائيلي والفصائل الفلسطينية والمجتمع الدولي.

ويشير جودة إلى أن الرسالة الموجهة للداخل الإسرائيلي تهدف لإظهار أن الحكومة، برئاسة بنيامين نتنياهو، لا ترضخ للضغط، خصوصاً مع تزايد نفوذ اليمين المتطرف وضغوط عائلات الأسرى.

ويلفت جودة إلى أن الضربات الحالية تُقدَّم داخلياً كـ"إجراء دفاعي" أو "تصحيح ميداني"، وليس كخرق كامل للاتفاق، ما يعكس حرص إسرائيل على الحفاظ على صورة السيطرة.

أما الرسالة الموجهة للفصائل، بحسب جودة، فهي إعادة فرض معادلة الردع بعد فترة هدوء اعتبرتها تل أبيب مؤقتة، مؤكدة أنه يمكنها العودة إلى الميدان متى شاءت.

في المقابل، يشير جودة إلى أن الرسالة الإقليمية والدولية من هذه الضربات تتمحور حول التحرك ضمن هامش "مسموح دبلوماسياً"، إذ تدرك إسرائيل أن المجتمع الدولي، وخصوصاً واشنطن، لا يسعى حالياً إلى حرب شاملة، لكنها تراهن على أن الردود المحدودة من غزة لن تحفز احتجاجا دولياً كبيراً.

ويؤكد جودة أن المشهد الحالي يشير إلى انهيار جزئي للاتفاق وليس نهايته الكاملة، حيث يبقى الاتفاق قائمًا شكلياً لكنه يتآكل ميدانيًا، محولًا إياه من "وقف إطلاق نار" إلى مجرد "إدارة نار محدودة".

 ثلاثة سيناريوهات محتملة

ويرى جودة أن هناك ثلاثة سيناريوهات محتملة بشأن الاتفاق: الأول الأكثر ترجيحاً (60%) هو التآكل التدريجي للاتفاق مع استمرار الهجمات الإسرائيلية المحدودة وردود محسوبة من الفصائل، مع تدخل وسطاء مثل قطر ومصر والولايات المتحدة لمنع الانفجار الكامل، ما يخلق هدوءاً متوتراً يخدم الطرفين مؤقتًا. السيناريو الثاني، وفق جودة، هو الانفجار الكامل وعودة الحرب، ويقدر احتماله بـ30%، ويحدث إذا ارتفع عدد القتلى المدنيين أو القيادات الميدانية، ما قد يدفع المقاومة للرد القوي وتوسيع العمليات الإسرائيلية، مع حرب أقصر لكنها أشد دماراً.

ويتطرق جودة إلى السيناريو الثالث، وهو التثبيت عبر ضغط دولي جديد، لكنه الأضعف بنسبة (10%) ويشمل تدخل الأمم المتحدة وواشنطن لإعادة تفعيل الاتفاق بآليات رقابية وربط التهدئة بخطوات إعادة إعمار، لكنه لا يعالج جذور الأزمة.

ويشير جودة إلى أن إسرائيل لا ترغب حالياً في حرب مفتوحة، لكنها لا تريد سلاماً مستقراً، بينما حماس تحرص على عدم انهيار التهدئة لكنها ترفض تهدئة بلا مقابل، ما يجعل الأزمة تُدار بمنطق "الردع المتبادل تحت السيطرة"، أي استمرار الاشتباك المحدود للحفاظ على التوازن دون الانزلاق نحو انفجار كامل.

أمريكا لا تزال تلعب الدور الحاسم في منع انهيار الاتفاق

يرى الكاتب والمحلل في الشأن الإسرائيلي ياسر مناع أن الولايات المتحدة لا تزال تلعب الدور الحاسم في منع انهيار اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، من خلال مواصلة ضغوطها الدبلوماسية المكثفة على الأطراف كافة لضمان استمرار التهدئة الهشة.

ويوضح مناع أن واشنطن ترى في الحفاظ على الاتفاق ضرورة استراتيجية لتجنب انزلاق المنطقة إلى مواجهة شاملة جديدة، في ظل مساعيها لتثبيت مرحلة "ما بعد الحرب" عبر تفاهمات أمنية وسياسية تدريجية.

ويشير مناع إلى أن إسرائيل، من جانبها، تحاول تطبيق نموذج مشابه للنموذج اللبناني في قطاع غزة، يقوم على فرض معادلة الردع مع الحفاظ على سيطرة أمنية مباشرة من خلال عمليات القصف المحدودة والاختراقات الميدانية المتكررة.

ويؤكد مناع أن هذا التوجه الإسرائيلي يهدف إلى ترسيخ سياسة الردع الدائم دون الانخراط في حرب واسعة، مع إبقاء القطاع تحت المراقبة العسكرية الصارمة.

ويبيّن مناع أن طبيعة الحرب تغيّرت جذرياً، إذ لم تعد المواجهة على شكلها السابق من العمليات البرية الواسعة، بل باتت تتخذ طابعاً مختلفاً يتمثل في الغارات الجوية المستمرة ومحاولات تعزيز السيطرة الإسرائيلية على ما يُعرف بمنطقة "الخط الأصفر".

وحول المتوقع مستقبلاً، يرجّح مناع أن تواصل الولايات المتحدة ضغوطها للانتقال إلى المرحلة التالية من التفاهمات، مع بقاء احتمالية استمرار الغارات أو المواجهات المحدودة إلى حين استعادة جثث القتلى الإسرائيليين من غزة، مؤكداً أن المشهد لا يزال يلفه الكثير من الغموض.

دلالات

شارك برأيك

التصعيد الجديد.. تخليق الذرائع لفرض وقائع جديدة

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.