فلسطين

الجمعة 24 أكتوبر 2025 12:36 مساءً - بتوقيت القدس

ضم الضفة.. محاولة لتقويض مشروع الدولة

خاص بـ"القدس" و"القدس" دوت كوم

د. أمجد بشكار: ما يجري في الضفة يتجاوز الخروقات والانتهاكات إلى محاولة ممنهجة لإعادة هندسة الجغرافيا والإنسان معاً

خليل شاهين: تغيير مكانة الضفة لمنطقة خاضعة للسيادة الإسرائيلية يعني أنها ستصبح جزءاً من "أرض إسرائيل" مع حلٍّ لمعضلة السكان

نزار نزال: تحذيرات "الأونروا" من احتمال تعرض الضفة لمصير مشابه لغزة يعكس خطورة المرحلة وما يجري تفكيك منهجي للحياة الفلسطينية

د. تمارا حداد: السعي إلى شرعنة الضم يعكس التزام إسرائيل بالنهج المستدام للسيطرة على الأرض وتقليل الديموغرافيا الفلسطينية

سليمان بشارات: رغم ما يجري لا تزال المواقف ضعيفة وتعتمد على المناشدة والمطالبة بدل استخدام أوراق القوة مثل المقاطعة أو وقف التطبيع

داود كُتّاب: السلوك الإسرائيلي الراهن يندرج ضمن دوافع انتخابية لا تقل خطورة عن البعد الأيديولوجي في التعامل مع الأراضي الفلسطينية


تشهد الضفة الغربية تصعيداً غير مسبوق في السياسات الإسرائيلية الرامية إلى الضم وفرض السيادة الإسرائيلية مع تغيير طابعها الجغرافي والسكاني والسياسي، عبر منظومة متكاملة من الإجراءات تبدأ بمصادرة الأراضي وتجفيف الموارد وتنتهي بتفكيك البنية المجتمعية الفلسطينية، وصولاً إلى مرحلة الإعلان الرسمي للضم والسيطرة، فيما يجري كل ذلك وسط صمت دولي مطبق.

ويُجمع كتاب ومحللون سياسيون ومختصون، في أحاديث منفصلة لـ"ے"، على أن ما يجري يتجاوز الخروقات والانتهاكات الميدانية المعتادة إلى محاولة ممنهجة لإعادة هندسة الجغرافيا والإنسان الفلسطيني معاً، في سياق "الضم الفعلي" الذي يُمارَس على الأرض دون إعلان رسمي، وصولاً إلى ما تصفه بعض الأوساط بـ"الضم الصاخب" عبر تشريع قانون فرض السيادة الإسرائيلية على الضفة الغربية.

وبحسب الكتاب والمحللين والمختصين، تؤكد المعطيات أن الاحتلال الإسرائيلي يسير بخطى متسارعة نحو تكريس واقع سياسي جديد، تتبدل فيه مكانة الضفة الغربية من منطقة خاضعة للاحتلال إلى منطقة خاضعة للسيادة الإسرائيلية الكاملة، تشمل السيطرة على الموارد الطبيعية فوق الأرض وتحتها، ودمج المستوطنات ضمن البنية القانونية والإدارية لدولة الاحتلال، مشيرين إلى أن هذا التحول يعني عملياً ضماً شاملاً للأراضي الفلسطينية، مع بقاء السكان الفلسطينيين خارج إطار المواطنة، ضمن محاولات لتصنيفهم كرعايا أجانب أو سكان مؤقتين، وهو ما يفتح الباب أمام مشاريع التهجير التدريجي وتقويض الوجود الفلسطيني الفعلي.

في المقابل، يحذر الكتاب والمحللون والمختصون من أن الصمت الدولي إزاء هذه السياسات يشكل غطاءً سياسياً غير مباشر لاستمرارها، فيما تتراجع فاعلية المؤسسات الدولية أمام الموقف الأمريكي المنحاز، وتتباين المواقف الأوروبية والعربية بين بيانات الإدانة اللفظية والمواقف الشكلية.

ويرون أن مواجهة هذا المسار تتطلب إعادة تعريف الاستراتيجية الوطنية، وتوحيد الجهد السياسي والميداني والشعبي في مواجهة الضم المتدرج، قبل اكتمال المشهد الذي يهدد بتحويل الضفة إلى "غزة ثانية" في ظل واقع من العزل الجغرافي والخنق الاقتصادي وممارسات ميليشيات المستوطنين وسياسات التضييق والهدم والتوسع الاستيطاني.

مظهر عملي لسياسة اقتلاع مستمرة منذ النكبة

يحذر أستاذ العلوم السياسية د. أمجد بشكار من أن ما يجري في الضفة الغربية اليوم يتجاوز خروقات عارضة أو انتهاكات قانونية إلى "محاولة ممنهجة لإعادة هندسة الجغرافيا والإنسان الفلسطيني معاً"، معتبراً أن العمليات المتواصلة من مصادرة آلاف الدونمات وإجراءات تهجير سكان المخيمات وقطع مصادر المياه واقتلاع أشجار الزيتون وإطلاق الرصاص على الفلاحين في أرضهم تمثل مظهراً عملياً لسياسة اقتلاع مستمرة منذ النكبة.

ويصف بشكار ما يجري بأنه "الضم الفعلي وهو الوجه الميداني للمشروع الصهيوني في طوره الجديد"، مشيراً إلى أن الهدف لم يعد مجرد تهويد المكان، بل تحطيم الوجود الفلسطيني ككيان جغرافي واقتصادي ونفسي.

ويشير إلى أن مصادرة الأرض وتجفيف الماء وتجريف البيئة، فضلاً عن سعي السلطات والمستوطنين إلى تحويل الفلاح إلى لاجئ، تشكل منظومة تهدف إلى تكسير العمود الفقري للمجتمع الفلسطيني في الضفة الغربية وإعادة إنتاج كيان بلا أرض ولا قدرة على التواصل الجغرافي أو سيادة فعلية.

ويوضح بشكار أن مفهوم الضم لا ينبغي حصره في نصوص تشريعية، بل ينبغي قراءته كسلوك استعماري يومي يُمارَس "بالمجرفة والرصاصة والبيروقراطية في آن واحد"، مشيراً إلى أن تحذيرات "الأونروا" من احتمال تعرض الضفة لمصير مشابه لقطاع غزة تؤكد لدى الخبراء أن إسرائيل تعيد إنتاج تجربة الحصار بتوجيهات تقضي بعزل وخنق اقتصادي، وتقسيم التجمعات الفلسطينية إلى كانتونات محاصرة.

الضم ليس قانوناً بل عقيدة استعمارية

ويشير بشكار إلى أن "الضم ليس قانوناً بل عقيدة استعمارية، والاستيطان ليس توسعاً بل إلغاء ممنهج للوجود الفلسطيني".

وينتقد "الصمت الدولي" تجاه ما يجري، معتبراً إياه "تواطؤاً بأدوات ناعمة"، مستغرباً التباين بين الاستجابة الدولية لقضايا أخرى وما يجري في الضفة.

ويعتقد بشكار أن المصالح الاقتصادية والأمنية طغت على الاعتبارات العدلية، وأن فاعلية المؤسسات الدولية تراجعت أمام فيتو واشنطن، فيما باتت البيانات الأوروبية إجراءات شكلية لا تُفلح في وقف مشاريع الاستيطان أو التهجير.

ويدعو بشكار إلى إعادة تعريف الاستراتيجية الفلسطينية، معتبراً أن الرد الوطني لا يكون بالتوسل أو الانتظار، بل بـ"تعزيز المقاومة بكافة أشكالها -الشعبية والميدانية والمسلّحة- وربطها بالمشروع الوطني الشامل"، وإعادة توحيد الخطاب السياسي حول هدف التحرّر لا تأسيس "دولة على ورق" بلا فعالية حقيقية تحت احتلال مستمر.

ويشدد بشكار على أهمية إحياء التحالفات الأممية التي تؤمن بعدالة القضية الفلسطينية بدلاً من تلك التي تعامل القضية كعبء أخلاقي.

ويعتبر بشكار أن التغوّل الاستيطاني في الضفة الغربية جاء "نتيجة فراغ في المواجهة" وليس بسبب القوة المطلقة.

تحويل الصمود إلى فعل هجومي سياسي

ويطالب بشكار بتحويل الصمود الفلسطيني من حالة دفاعية إلى فعل هجومي سياسي يفرض الرواية الفلسطينية على الساحة الدولية، ويعيد تعريف ما يجري في الضفة كمقاومة مشروعة ضد استعمار إحلالي.

ويؤكد أن الصمت الدولي بات انحيازاً مغطى بخطاب حقوقي بارد، وأن الحالة الراهنة على الأرض تجعل قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة أمراً مستحيلاً ما لم تتغير المواقف السياسية والعملية محلياً وإقليمياً ودولياً.

ويدعو بشكار إلى قرار سياسي فلسطيني يترجم فعلياً رفض الاحتلال، بما في ذلك سحب الاعتراف الرسمي إذا استمرت سياسات الصمت والقبول الفعلي بما يجري.

الفرق بين الضم وفرض السيادة الإسرائيلية

يوضح الكاتب والمحلل السياسي خليل شاهين أن الفرق بين الضم وفرض السيادة الإسرائيلية على الضفة الغربية يكمن في أن مفهوم السيادة، في واقع الحال، يمثل ضمّاً فعلياً للأراضي الفلسطينية بكل ما تحمله الكلمة من أبعاد سياسية وقانونية واقتصادية.

ويشير شاهين إلى أن السيادة الإسرائيلية لا تقتصر على تغيير الوضع القانوني أو الإداري للضفة الغربية، بل تمتد إلى ملكية وإدارة الموارد الطبيعية فوق الأرض وتحتها، ما يعني تحكماً شاملاً بالثروات الفلسطينية.

ويبيّن شاهين أن التمهيد لفرض السيادة بدأ منذ فترة طويلة، لكنه تسارع بشكل كبير بعد وصول التيار القومي-الديني إلى الحكم في إسرائيل، حيث اتبعت الحكومة سلسلة من المسارات المترابطة لتحقيق الضم التدريجي وصولاً إلى "الضم الصاخب" بعد مرحلة إقرار قانون فرض السيادة على الضفة الغربية من قبل الكنيست الإسرائيلي.

مسارات تعمل عليها حكومة الاحتلال

ويشير شاهين إلى عدة مسارات تعمل عليها الحكومة الإسرائيلية؛ الأول تمثّل في تغيير وضعية الإدارة المدنية الإسرائيلية، بالتوازي مع تكثيف التوسع الاستيطاني، ومنح المستوطنين الحقوق والمزايا القانونية نفسها التي يتمتع بها الإسرائيليون داخل أراضي عام 1948.

ويعتبر شاهين أن هذا التغيير شكّل تمهيداً عملياً للضم الرسمي، بحيث تزعم إسرائيل أن الضفة الغربية لم تعد "أرضاً محتلة"، ولا "منطقة متنازع عليها"، بل جزء من أرض إسرائيل، يعيش فيها سكان "أجانب"، في إشارة إلى الفلسطينيين.

أما المسار الثاني، وفق شاهين، فيتعلق بدور المستوطنين، إذ تم تحويل عدد كبير منهم إلى مسؤولين في "الإدارة المدنية" وفي ميليشيات مسلحة، ما أدى إلى انفلات غير مسبوق للمستوطنين باعتداءات ضد الفلسطينيين.

وفي المسار الثالث، يتحدّث شاهين عن مشروع تغيير الطابع الديموغرافي والجغرافي للضفة الغربية، من خلال عمليات تدمير وتهجير ممنهجة استهدفت مخيمات اللاجئين في شمال الضفة، ومنع عودة سكانها، بهدف إنهاء الوجود المادي والرمزي للمخيمات، بالتزامن مع حظر عمل وكالة الأونروا في كل أنحاء فلسطين.

ويؤكد أن تغيير مكانة الضفة الغربية من منطقة خاضعة للاحتلال إلى منطقة خاضعة للسيادة الإسرائيلية يعني عملياً أن الضفة، بما فيها المناطق المصنفة "أ"، ستصبح جزءاً من "أرض إسرائيل"، تنطبق عليها القوانين نفسها التي تسري في تل أبيب ونتانيا، في حين ستبقى معضلة السكان الفلسطينيين قائمة، حيث تحاول حكومة الاحتلال البحث عن حل لتلك المعضلة.

ويوضح شاهين أن إسرائيل تحاول تجنّب الظهور كدولة فصل عنصري صريح، لكنها في الواقع تتجه إلى نظام يفرض السيطرة على الأرض دون منح الفلسطينيين صفة المواطنة.

ويلفت شاهين إلى أن الأحزاب الصهيونية المتطرفة تطرح أفكاراً بديلة لمعالجة "المعضلة الديموغرافية"، من بينها تحميل الأردن عبء إدارة شؤون الفلسطينيين، عبر اعتبارهم "رعايا دولة أجنبية" مقيمين داخل إسرائيل، بالتوازي مع تشجيع هجرتهم التدريجية إلى الخارج.

مأزق وجودي للسلطة الفلسطينية

ويوضح شاهين أن هذه السياسات ستقود إلى مأزق وجودي للسلطة الفلسطينية، إذ إن فرض السيادة سيعني تطبيق القانون الإسرائيلي على الضفة دون أن يستفيد الفلسطينيون من أي حقوق سياسية أو مدنية أو اقتصادية، في حين ستسيطر إسرائيل على جميع الموارد وتعتبرها ملكاً لـ"الشعب اليهودي".

ويلفت إلى أن هذا المسار سيترافق مع تفكيك تدريجي للسلطة الفلسطينية، بحيث تعود الإدارة الإسرائيلية المباشرة لشؤون السكان عبر البلديات المحلية كما كان الحال قبل إنشاء السلطة.

ولمواجهة ذلك، يدعو شاهين إلى تطوير أشكال جديدة من العمل الوطني تجمع بين الدور الرسمي للسلطة الفلسطينية والأطر الشعبية والمجتمعية في المناطق التي لا تستطيع السلطة العمل فيها، خاصة في المناطق المصنفة (ب) و(ج) والقدس، مشدداً على ضرورة وضع خطة وطنية لمواجهة ما يجري.

وعن المواقف الدولية، يعتبر شاهين أن الموقف الأمريكي مقلق للغاية، حيث إن تصريحات إدارة ترمب تؤيد الضم بطريقة وبأخرى وتعترض فقط على توقيته.

تحويل المواقف الرافضة للضم إلى خطوات عملية

أما على الصعيد العربي، فيشدد شاهين على أن المطلوب هو تحويل المواقف الرافضة للضم إلى خطوات عملية، موضحاً أن موقفاً عربياً جماعياً يمكن أن يوجه رسالة واضحة لواشنطن بأن المضي في مشروع الضم سيقوّض سياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط ويضرّ بعلاقاتها مع الدول العربية.

ويوضح شاهين أن الوحدة الفلسطينية الداخلية تبقى الحلقة المفقودة في مواجهة هذه التطورات، مؤكداً أهمية الحوار الوطني الجاري في القاهرة بين الفصائل لبلورة رؤية موحدة تشمل الضفة وغزة والقدس.

ويدعو شاهين إلى إدراك أن ما يجري يمثل تهديداً وجودياً للشعب الفلسطيني وقضيته، يتطلب تحركاً وطنياً شاملاً قبل اكتمال مشروع الضم الإسرائيلي.

الضم.. واقع ممنهج ومتدرج على الأرض

يوضح الباحث المختص بالشأن الإسرائيلي وقضايا الصراع نزار نزال أن الضم في الحالة الإسرائيلية لا يقتصر على خطاب سياسي بل يتحقق فعلياً كواقع ممنهج ومتدرج على الأرض، مشيراً إلى أن إسرائيل تمارس "الضم الزاحف أو الصامت" دون ضجة أو صخب إعلامي، عبر سياسات تهدف إلى تفريغ الأرض من سكانها الأصليين وتكريس السيطرة الإسرائيلية عليها دون إعلان قانوني رسمي، لتبقى المرحلة الأخيرة بالإعلان وفرض الوقائع.

ويؤكد نزال أن الضفة الغربية تمر اليوم بـ"واحدة من أخطر المراحل تقريباً"، حيث تقوم إسرائيل بـ"جس نبض العالم لمعرفة مدى رد الفعل الدولي تجاه سياساتها"، مشيراً إلى وجود صمت مدوٍ من قبل القوى الدولية وتراجع واضح من الولايات المتحدة الأمريكية عن مواقفها السابقة طوال 32 عاماً بشأن حل الدولتين، ما يمكّن إسرائيل من الاستمرار في مصادرة الأراضي، وتهجير السكان، والتضييق على مصادر الحياة مثل المياه والزراعة، وحصار الكيان السياسي الفلسطيني اقتصادياً، ومنع العمال من الوصول إلى أماكن عملهم، وتوسيع المستوطنات.

ويشير نزال إلى أن هذه الإجراءات تُعد أدوات تنفيذية لخطة طويلة الأمد تهدف إلى حسم مصير الضفة الغربية لصالح المشروع الصهيوني.

ويؤكد نزال أن العنف اليومي من قبل المستوطنين والاعتداءات المستمرة، غالباً تتم تحت مرأى الجيش الإسرائيلي، مشدداً على أن العنف الممارس ضد الفلسطينيين ليس أحداثاً متفرقة بل جزء من حالة الضم المستمرة.

ويتطرق إلى تحذيرات "الأونروا" من احتمال تعرض الضفة لمصير مشابه لقطاع غزة، معتبراً أن هذا يعكس خطورة المرحلة ويشير إلى سيناريو يسعى لتحويل الضفة الغربية إلى "غزة ثانية" من حيث العزلة والتضييق والشلل الجغرافي والسياسي، واصفاً ذلك بأنه تفكيك منهجي للحياة الفلسطينية وليس مجرد احتلال عسكري.

ويؤكد نزال أن الصمت الدولي، خاصة من القوى الكبرى، يشجع إسرائيل على الاستمرار في سياساتها الاستيطانية بلا أي كلفة سياسية أو قانونية، حيث يكتفي العالم أحياناً بإصدار بيانات شجب لفظية دون أي تدخل فعلي.

ويوضح أن هذا الوضع أدى إلى شعور عميق بالخذلان لدى الفلسطينيين، ويزيد من صعوبة التوصل لأي حل سياسي، معتبراً أن استمرار الصمت الدولي يسمح لإسرائيل بتجاهل الاتفاقيات السابقة مثل أوسلو، ويفتح المجال أمام مزيد من التصعيد والمواجهة.

وبحسب نزال، فإن الفلسطينيين أصبحوا مواجهين لدولة مارقة، وميليشيات منفلتة، ونظام فاشي يواصل ممارسة إرهاب الدولة، في ظل غياب أي حماية أو رقابة دولية فعالة، مؤكداً أن هذه المرحلة تمثل اختباراً حقيقياً للمجتمع الدولي وقدرته على حماية حقوق الفلسطينيين ووقف محاولات التفريغ التدريجي للأرض.

الضم التدريجي يتم عبر الاستيطان المتسارع

تعتبر الكاتبة والباحثة السياسية د.تمارا حداد أن الضم التدريجي للضفة الغربية، أو ما يعرف بالضم الزاحف، أصبح نهجاً إسرائيلياً ممنهجاً ومستداماً، وليس مجرد خطوة تكتيكية أو إعلان سياسي ظرفي، مشيرة إلى أن الهدف يتمثل في إعادة هندسة الأرض الفلسطينية والجغرافيا العربية لصالح دولة إسرائيل الكبرى.

وبحسب حداد، فإن الضم التدريجي يتم عبر الاستيطان المتسارع، ومصادرة الأراضي في المناطق المصنفة "ج" و"ب"، وتهجير السكان عبر الضغط والممارسات اليومية، وتجفيف مصادر المياه، وتدمير الزراعة، واعتداءات المستوطنين المدعومة من الجيش الإسرائيلي.

وترى حداد أن هذه السياسات تهدف إلى إفراغ المناطق الحيوية من الفلسطينيين وإحلال المستوطنين مكانهم، وخلق واقع جغرافي وديموغرافي يمنع أي تسوية سياسية مستقبلية لإقامة دولة فلسطينية.

وتوضح حداد أن العملية تشمل تذويب الحدود بين المستوطنات والدولة الإسرائيلية، وإزالة قيود التعاون بين الجيش الإسرائيلي والمستوطنين، لتصبح الضفة الغربية ضمن وحدة جغرافية متكاملة مع الدولة الإسرائيلية.

وتؤكد حداد أن تصريحات المسؤولين الإسرائيليين، سواء من الحكومة أو المعارضة، تعكس اعتقادهم بحق تاريخي في الضفة الغربية (يهودا والسامرة) ورغبتهم في وحدة الأرض بين النهر والبحر وصولاً إلى الفرات والنيل، ما يترجم عملياً إلى مشاريع ميدانية متسارعة على الأرض.

وتشير حداد إلى أن المجتمع الدولي لا يمارس أي ضغط فعلي على إسرائيل، رغم مخالفة هذه الإجراءات للقانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة التي تعتبر إسرائيل قوة احتلال لا تملك الحق في مصادرة الأراضي بالقوة.

وتلفت إلى أن الفيتو الأمريكي وغياب آليات ضغط فعلية جعلا إسرائيل تتصرف بحرية، وتستغل أي غطاء أمني أو مزاعم الدفاع عن النفس لتبرير الاستيطان والضم.

وتؤكد حداد أن الأزمة في العالم العربي ومشاغله الداخلية، إضافة إلى مسار التطبيع الغامض، ساهمت في تعزيز موقف إسرائيل وتمكينها من تسريع مشاريعها الاستيطانية، فيما لا تزال التقارير والتحذيرات الدولية ذات تأثير محدود.

احتمال تحويل الضفة إلى غزة جديدة

وتوضح أن هذا الواقع يشير إلى احتمال تحويل الضفة الغربية إلى غزة جديدة بأسلوب مختلف، يشمل حصاراً اقتصادياً وتضييقاً للحركة، وتفكيكاً مجتمعيّاً وجغرافياً، تمهيداً لفرض الوقائع الجديدة على الأرض.

وبحسب حداد، فإن إقرار القراءة التمهيدية الأولى للضم من قبل الكنيست الإسرائيلي، والسعي نحو شرعنة الضم، يعكسان التزام إسرائيل بالنهج المستدام للسيطرة على الأرض، وتقليل الديموغرافيا الفلسطينية، وفرض شروط الإقامة على من يبقى تحت السيطرة الإسرائيلية.

وتحذر حداد من خطورة استمرار هذا المسار في تشكيل واقع فلسطيني محدود الحقوق ومستقبل الدولة الفلسطينية المهدد.

ممارسة الضم عبر مجموعة من السياسات والإجراءات

يؤكد الكاتب والمحلل السياسي سليمان بشارات أن الضم وفرض السيطرة الإسرائيلية على الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية ليسا بالأمر الجديد، مشيراً إلى أن الاحتلال يمارس عملياً الضم قولاً وفعلاً عبر مجموعة واسعة من السياسات والإجراءات.

ويوضح بشارات أن هذه السياسات تشمل السيطرة على الأرض، وتضييق الحركة على الفلسطينيين عبر الحواجز والبوابات، وعمليات المصادرة، والتحكم بالمعابر، والاستيلاء على المخزون المائي والأراضي الخصبة وتحويلها إلى مستوطنات زراعية.

ويشير بشارات إلى أن هناك انتشاراً واسعاً للاستيطان الرعوي، فيما يشكل كل ذلك تهديداً للحياة اليومية للفلسطينيين، ويفتح المجال أمام المستوطنين لتنفيذ اعتداءاتهم دون أي رقابة أو قيود.

ويلفت إلى أن هذا النهج والممارسات الإسرائيلية في الضفة الغربية يمثل منظومة إيديولوجية وسياسية ودينية واستيطانية واستعمارية، تسعى إسرائيل من خلالها لتحقيق ما يُعرف بحلم الدولة اليهودية.

ويؤكد بشارات أن الدعم الأمريكي المطلق، والتغاضي الغربي والأوروبي، والتوحش الإسرائيلي في القوة، جعل كل الظروف مواتية لتنفيذ هذا المشروع الاستيطاني.

ويوضح بشارات أن الإعلان السياسي الرسمي عن الضم في إسرائيل ليس ضرورياً في الوقت الحالي، لكنه يدخل في سياق المناكفات السياسية الداخلية والأوراق التي تستخدمها إسرائيل للمساومة على الدعم الدولي أو الحصول على تنازلات في الملفات الفلسطينية.

وبحسب بشارات، فإن إسرائيل فرضت الوقائع عملياً على الأرض، وما تبقى هو إعلان سياسي لتثبيت هذا الواقع رسمياً.

ويؤكد بشارات أنه رغم كل ما يجري لا تزال المواقف الفلسطينية والعربية والإقليمية والدولية ضعيفة وتعتمد على المناشدة والمطالبة بدل استخدام أوراق القوة مثل المقاطعة أو وقف اتفاقيات التطبيع أو فرض عقوبات اقتصادية.

ويشير بشارات إلى أن غياب أي تهديد مباشر بإعادة النظر في الدعم الأمريكي للاحتلال يعمّق الأزمة، مؤكداً أن الاحتلال الإسرائيلي يتحرك بوتيرة متسارعة على الأرض رغم محاولته موازنة خطواته سياسياً، ما يجعل الواقع الحالي في الضفة الغربية متماثلاً مع فرض مشروع الضم والاستيطان عملياً.

ويرى بشارات أن استمرار هذا الواقع يعكس ضعف الرد الفلسطيني والعربي والدولي على "السياسات الاستيطانية الاحتلالية"، ويستدعي إعادة تقييم الاستراتيجيات المتبعة تجاه الضفة الغربية، سواء على مستوى المقاطعة أو الضغط السياسي أو التهديد بالعقوبات الاقتصادية، لضمان عدم استمرار فرض واقع الضم على الأرض الفلسطينية.

سياسة ممنهجة تتقاطع مع تحذيرات "الأونروا"

يؤكد الكاتب والمحلل السياسي داود كُتّاب أن ما تشهده الضفة الغربية اليوم من مصادرة آلاف الدونمات وتهجير للمخيمات وتجفيف لمصادر المياه وترويع لقاطفي الزيتون وتوسيع للمستوطنات، في ظل انفلات المستوطنين داخل القرى والبلدات الفلسطينية، يجري ضمن سياسة ممنهجة تتقاطع مع تحذيرات "الأونروا" من أن الضفة تتجه نحو مصير مشابه لما تعيشه غزة.

ويوضح كُتّاب أن السلوك الإسرائيلي الراهن "يندرج ضمن بوصلة انتخابية داخلية"، إذ يسعى الساسة في إسرائيل إلى تحسين مواقعهم السياسية مع اقتراب الانتخابات المقررة عام 2026، مشيراً إلى أن الدوافع الانتخابية لا تقل خطورة عن البعد الأيديولوجي في تعامل إسرائيل مع الأراضي الفلسطينية.

ويؤكد كُتّاب ضرورة النظر إلى هذه التطورات من هذا المنظار الواقعي، مع التمسك في المقابل بالرأي القانوني الصادر بالإجماع عن قضاة محكمة العدل الدولية، والذي يقرّ بعدم أحقية إسرائيل في أي شبر من الأراضي المحتلة عام 1967.

وفي ما يتعلق بالموقف الدولي تجاه ما يجري، يعتبر كُتّاب أنه لا يرى صمتاً عالمياً مطلقاً، حيث إنه باستثناء الولايات المتحدة الأمريكية يبدو أن العالم، خاصة الاتحاد الأوروبي، غير راضٍ عمّا يجري في الأراضي المحتلة، مع تفهّم الانشغال الدولي الأوسع بوقف حرب الإبادة المتواصلة ضد الشعب الفلسطيني في غزة.

دلالات

شارك برأيك

ضم الضفة.. محاولة لتقويض مشروع الدولة

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.