في الوقت الذي ينشغل فيه العالم بأزماته الداخلية وحروبه الإقليمية، تمضي إسرائيل نحو تنفيذ مشروعها الأقدم، إبتلاع ما تبقى من الضفة الغربية تحت شعار فرض السيادة الإسرائيلية، عبر مشروع استيطاني يمزق ما تبقى من أراضي الضفة الغربية.
بالرغم من التعهدات الدولية، وضمن ذلك وعود أمريكية سابقة بتجميد مشروع إسرائيل بفرض سيادتها على الضفة، يُصادق الكنيست الإسرائيلي على مشاريع قوانين الاستيطان و ضم الضفة الغربية وفرض السيادة على مستوطنة معاليه أدوميم، بقراءة تمهيدية. هذا التوجه ينسف كل الاتفاقيات والمواثيق الدولية التي لم تحترمها إسرائيل يوماً منذ توقيع اتفاق أوسلو قبل أكثر من ثلاثة عقود. هذا القانون ما هو إلا تمهيد لتوسيع الاستيطان وشرعنته، وترسيم لخطوات متتابعة تعتمد أسلوب الضم التدريجي، أي فرض السيطرة على أجزاء متفرقة إلى أن يكتمل المشهد الكبير بضم الضفة الغربية كاملةً، سواء قبل العالم ذلك أم لم يقبل. وهكذا، يتنافس اليمين الإسرائيلي المتطرف على من يقدم المشروع الأكثر تطرفاً، في حين يكتفي الوسط الإسرائيلي بالجدال حول التوقيت لا المبدأ، وكأن الضم بات أمراً مفروغاً منه.
لا أعلم لماذا الكثير منا متفاجئ بما يحدث، فإسرائيل لم تتوقف يوماً عن فكرة السيادة على الضفة الغربية. فمنذ اتفاق أوسلو عام 1993، لم تتوقف عن بناء المستوطنات، رغم التعهدات الواضحة بتجميدها. لم تكن هذه الاتفاقيات يوماً طريقاً نحو السلام، بل كانت غطاءً زمنياً استغلته إسرائيل لتثبيت وجودها الاحتلالي في الضفة.
والنتيجة اليوم واضحة، خارطة ممزقة، ومدن فلسطينية محاصرة، ومستقبل سياسي فوضوي. والسيناريو الأكثر ترجيحاً اليوم في مواجهة الردود الفعل العالمية الرسمية، هو تجميد جزء من القانون وتمرير آخر بالتدريج، يبدأ من القدس وضواحيها مثل معاليه أدوميم. بهذا الأسلوب، تضمن إسرائيل توسيع وجودها دون أن تتحمل كلفة سياسية أمام العالم، بينما تتآكل إمكانية قيام دولة فلسطينية يوماً بعد يوم.
أمام تسارع قوانين الإستيطان وسرقة الأرض، وفي غياب استراتيجية فلسطينية واضحة واستمرار الانقسام السياسي، تجد السلطة الفلسطينية نفسها أمام اختبار وجودي لا سياسي فقط. فالعجز عن مواجهة الاحتلال في الميدان، واستمرار الانقسام، يجعلان الموقف الفلسطيني أكثر ضعفاً من أي وقت مضى.
لذلك، المطلوب اليوم ليس مجرد ردود دبلوماسية، بل إعادة صياغة شاملة للسياسة الفلسطينية على المستويين الداخلي والخارجي، وإنهاء الانقسام واستعادة الوحدة الوطنية. فلا يمكن مواجهة مشروع استيطاني بعقل سياسي منقسم و قاعدة شعبية متهالكة. يجب أن تكون المصالحة الوطنية أولوية مطلقة، لأنها تمثل المدخل الوحيد لمقاومة الخطط الإسرائيلية ولتوحيد القرار. فوحدة الموقف الفلسطيني تعني توحيد أدوات النضال، من المقاومة الشعبية إلى الدبلوماسية الدولية. فكل يوم يمر دون استراتيجية وطنية شاملة هو يوم يُمنح للاحتلال فرصة جديدة لتوسيع وجوده وتثبيت وقائعه.
إن تعقيد المشهد الفلسطيني لا يقتصر على المخططات الإسرائيلية والصمت الدولي، بل يمتد إلى داخل النسيج الفلسطيني نفسه الذي يرفض مواجهة حقيقة انه هو أيضاً جزء أساسي من هذه التعقيدات و كأننا نتأمل لوحة سوريالية غير مفهومة تصرخ بالتناقضات. حسب إحصائيات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني (PCBS) في عام 2023، يعمل نحو 22-25 ألف فلسطيني في بناء المستوطنات. يجد العامل الفلسطيني نفسه، يومياً، يشارك في تشييد اهم العقبات في طريق تحرير الارض، فيبني منازل المستوطنين، ويمد الطرق، ويزرع الوجود الاستيطاني في الأراضي التي يمنع القانون الدولي تشييدها عليها. هذه التناقض يكشف عن التكلفة الباهظة للتمسك بالمبادئ. ففي ظل عجز سوق العمل الفلسطيني عن توفير فرص عمل مستدامة وكريمة، يصبح التنازل عن مبدأ المقاطعة والمقاومة خياراً صعباً ولكنه مريح اقتصادياً للكثير من العمالة الفلسطينية. و للأسف هذا التنازل، مهما كانت دوافعه المعيشية، هو جزء من المشكلة، الحرية لها ثمن، ولا يمكن للإنسان التمسك بمبادئه، ما لم يستطع تحمل كلفة ذلك. فإما أن تقاطع وتقاوم، وتدفع ثمن تمسكك بمبادئك في مواجهة واقع الاحتلال، أو تتنازل عن المبدأ من أجل حياة تحت الاحتلال وتثبيت المشروع الاستيطاني الذي يلتهم أرضك. هذا التناقض الصارخ يمثل إحدى الثغرات المؤلمة التي يستغلها الاحتلال لتعميق وجوده، ليس فقط بالحديد والنار، بل عبر الاقتصاد والحاجة.
ما يجري في الضفة الغربية ليس مجرد نزاع على الأرض، بل هو اختبار لعدالة العالم. طالما ينظر العالم إلى القضية الفلسطينية بوصفها مجرد "نزاع على الأرض"، فلن يكون هناك حل حقيقي. ومحاولة اختزال القضية الفلسطينية في نزاع عقاري بين طرفين هو تكرار مأساوي لما حدث مع شعوب أُبيدت منذ تم استيطان أراضيها تحت شعارات التمدن، كما جرى مع الهنود الحمر في التاريخ الأميركي.
القضية ليست خلافاً جغرافياً يمكن تسويته بخطوط على الخريطة، بل هي قضية وجود وهوية وحق تاريخي مغتصب. إسرائيل لن تكتفي بتقويض حلم الفلسطينيين بالحرية، بل ستهدم كل ما تبقى من مصداقية القانون الدولي. وستستمر في انتهاكاتها ما دام القانون الدولي يغمض عينيه عنها، وما دام العالم يكتفي ببيانات الشجب والاستنكار دون رد فعل.
فلسطين ليست صفحة في كتاب التاريخ لتُطوى، بل وطن حيّ وشعب ما زال يقاوم محاولات محوه من الجغرافيا والذاكرة معاً. سيبقى الفلسطينيون وحدهم في مواجهة غول الاستيطان، يدافعون عن وجودهم وعن حقهم في أرضهم التي يحاول الاحتلال تحويلها إلى خرائط بلا أصحاب، بينما يتواطأ الصمت الدولي مع الاحتلال في قتل العدالة. ومهما اشتد ظلام الاحتلال، يبقى في هذه الأرض نور من صمود لا ينطفئ، وإرادة تعرف طريقها إلى الفجر مهما طال الليل.





شارك برأيك
الضفة الغربية في مواجهة غول الاستيطان