عربي ودولي

الأربعاء 22 أكتوبر 2025 5:11 مساءً - بتوقيت القدس

رسائل ترمب المتناقضة حول وقف إطلاق النار في غزة تكشف ارتباكاً أعمق في استراتيجيته

واشنطن – "القدس" دوت كوم- سعيد عريقات 

تتزايد حالة الارتباك المحيطة بالموقف الأميركي من وقف إطلاق النار في غزة مع استمرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب في إرسال رسائل متناقضة حول الاتفاق والمرحلة الثانية منه، التي يُفترض أن تشمل ترتيبات إنسانية وإعادة إعمار القطاع بعد حرب مدمّرة استمرت أكثر من عامين. وبينما يسعى ترمب إلى تصوير نفسه صانعاً للسلام، تبدو تصريحاته المتضاربة سبباً في إرباك حلفائه وخصومه على حد سواء، وتطرح تساؤلات حول مدى جدّية واشنطن في قيادة عملية سياسية متماسكة في الشرق الأوسط.

ترمب يريد الفضل دون التورط

منذ إعلان وقف إطلاق النار، لم يتوقف ترمب عن الإشادة بدوره الشخصي في تحقيق الهدنة، واصفاً الاتفاق بأنه “صفقة تاريخية لا يستطيع أحد غيري إنجازها”. لكن بعد ساعات فقط، عاد ليشكّك في نيات حركة حماس، قائلاً إنها “لا يمكن الوثوق بها”، ملوّحاً بأن إسرائيل ستكون “حرة في الرد” إذا استؤنف القتال.

هذه الازدواجية، كما يرى مراقبون، ليست وليدة الصدفة. فترمب يسعى إلى جني المكاسب السياسية دون أن يتحمل تبعات التدخل الأميركي المباشر. فهو يريد أن يظهر أمام الداخل الأميركي بمظهر صانع السلام الحازم، من دون أن يقدّم التزامات مالية أو عسكرية قد تُغضب قاعدته المحافظة أو تزيد من أعباء واشنطن الخارجية.

يقول أحد الخبراء في شؤون الشرق الأوسط بواشنطن لمراسل جريدة القدس إن "الرئيس يريد أن يمتلك النصر، لكنه لا يريد أن يمتلك المسؤولية. يريد أن يُنسب إليه النجاح، لا أن يتحمّل نتائجه".

المرحلة الثانية: غموض في الرؤية وتضارب في الرسائل

في الوقت الذي يتحدث فيه الوسطاء الإقليميون عن "مرحلة ثانية" تشمل إعادة الإعمار وتثبيت وقف النار عبر آليات دولية، يبدو أن إدارة ترمب لا تمتلك خطة واضحة أو موحدة. فبينما يروّج بعض مستشاريه لفكرة تحالف دولي يتولى الإشراف على إعادة إعمار غزة، يرفض الرئيس نفسه ذلك، واصفاً إياه بأنه "إهدار لأموال الأميركيين".

ويكشف هذا التضارب عن انقسام داخل الإدارة الأميركية بين وزارة الخارجية، التي تميل إلى التنسيق مع شركاء دوليين، وفريق البيت الأبيض السياسي الذي يفضّل تقليص أي انخراط أميركي طويل الأمد في المنطقة. أحد الدبلوماسيين الأميركيين وصف المشهد قائلاً: "في كل مرة نقترب فيها من سياسة متماسكة، يخرج الرئيس بتغريدة تقلب كل شيء رأساً على عقب".

ارتباك إقليمي وحذر عربي

إسرائيل، التي تدعي علنا أنها تنسق كل شيء  مع واشنطن، بما في ذلك انتهاكها لوقف إطلاق النار نهاية الأسبوع الماضي ، لا تخفي قلقها من تناقض المواقف الأميركية. فبعض المسؤولين الإسرائيليين عبّروا في جلسات مغلقة عن استيائهم من غياب وضوح في ما إذا كانت واشنطن تدعم استمرار الضغط على حماس أو تفضّل تثبيت التهدئة.

أما حماس والوسطاء في الدوحة والقاهرة، فقد رأوا في اضطراب الموقف الأميركي فرصة للضغط باتجاه تخفيف القيود المفروضة على القطاع وزيادة المساعدات الإنسانية. وفي القاهرة وعمّان، يلتزم المسؤولون الحذر الشديد، مدركين أن تغريدة واحدة من ترمب قد تُفجّر الوضع من جديد.

يقول مصدر دبلوماسي عربي في واشنطن لمراسل القدس إن "الدول العربية المعتدلة تتعامل مع الموقف الأميركي كما تتعامل مع طقس متقلب — لا أحد يعرف متى ستهبّ العاصفة".

حسابات انتخابية وراء السياسة الخارجية

داخلياً، يعكس تذبذب ترمب مزيجاً من الحسابات السياسية والانتخابية. فهو يسعى إلى طمأنة قاعدته الإنجيلية والمحافظة المؤيدة لإسرائيل، من دون أن ينفر الناخبين المتعبين من حروب الشرق الأوسط. لذلك يتبنى خطاباً مزدوجاً: يعلن السلام في العلن، ويطلق تصريحات متشددة في الوقت نفسه، ليُرضي طرفين متناقضين داخل المشهد الأميركي.

ويقول مسؤول سابق في مجلس الأمن القومي الأميركي إن "ترمب يتعمد الغموض لأنه يعتقد أن التناقض يمنحه قوة تفاوضية ويبقي الجميع في حالة ترقب. إنه أسلوب حكم يعتمد على المفاجأة لا على التخطيط".

مخاطر نهج الارتباك

لكن هذا النهج محفوف بالمخاطر. حيث أن التناقض في الموقف الأميركي قد يشجع المتشددين في كلا الجانبين — داخل حماس ممن يشكّكون في التزام واشنطن، وفي إسرائيل ممن يرون أن الارتباك الأميركي يتيح لهم حرية التصرف. كما قد يقوّض ما تبقى من مصداقية الولايات المتحدة كوسيط نزيه في المنطقة.

ويحذر دبلوماسي أوروبي مشارك في جهود الوساطة من أن "السلام لا يُبنى على التغريدات والتصريحات المتضاربة، بل على سياسة ثابتة وواضحة".

في النهاية، قد تنجح الهدنة في الصمود مؤقتاً، لكن ما لم تضع واشنطن رؤية واضحة للمرحلة التالية، فإن ما يصفه ترمب بأنه "أكبر إنجاز دبلوماسي" قد يتحول إلى انتكاسة جديدة في سجل أميركي طويل من المبادرات غير المكتملة في الشرق الأوسط

دلالات

شارك برأيك

رسائل ترمب المتناقضة حول وقف إطلاق النار في غزة تكشف ارتباكاً أعمق في استراتيجيته

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.