يجلس أبو رامي الأسطل أمام خيمته في مواصي خانيونس جنوب قطاع غزة، وفي عينيه دموع تروي حكاية تعب عشرين عاماً مغموسة بحب الزراعة والأرض، لكن الحرب الإسرائيلية على القطاع التهمت منه كل ما يملك.
سرعان ما بدأ الأسطل بسرد حكايته حتى خانته دموعه، ثم مسحها بكفيه وقال: "أحترف مهنة الزراعة منذ 20 عاماً، كنت أعمل كمزارع عند أصحاب مشاتل الزراعة في أراضي المحررات برفح وخانيونس".
مضيفاً: "أستيقظ من الساعة 6 صباحاً حتى 12 ظهراً، أقتلع الخضراوات والفواكه والحمضيات وأوزعها على أصحاب المحال لبيعها في الأسواق".
ذاكرة الأسطل بدأت تسترجع تلك الأيام التي على حد -قوله- لن تعود، يروي وعلى وجنتيه ضحكة يغلبها الحسرة: "كنت أشتغل الساعة بـ5 شواكل، وبنهاية يومي أحصد يومية ثلاثون شيكلاً، أشتري فيهم كل شيء للبيت من خضار وفواكه ووجبة رئيسية آكلها مع أطفالي الستة"، واصفاً ذلك: "كانت الدنيا بخير والزراعة وفيرة".
يضرب كفيه على بعضهما ويقول: "الآن كل حياتي انقلبت، خسرت عملي وأصبح كل همي بعد نزوحي من بيتي إيجاد خيمة تأوي عائلتي"، يعقب بصوت مقهور: "أنا مش قادر ألبي متطلبات ولادي، حياتنا كلها معلبات".
قبل وقف إطلاق النار، كانت الخضراوات حلم كل بيت غزي، فلم تكن متواجدة في كل القطاع، وإن توفرت فيفوق ثمن الكيلو الواحد منها 100 شيكل أي ما يعادل 30 دولار أميركي، يتابع الأسطل: "في ذلك الوقت لم أكن أملك شيكلاً واحداً لشراء حبة البندورة أو الخيار"، يعقب: "عشت المجاعة بكل تفاصيلها، واشتهيت وأطفالي كسرة خبز".
يضيف: "كنت أعمل أحياناً كعامل، وآخذ في نهاية يومي حبة بندورة مما أزرع لأطفالي".
يصف تلك اللحظة وعلى وجهه إيماءات السعادة: "كنت أشعر حينها أنني مالك الدنيا بمن فيها، فحبة البندورة كانت شيء ثمين يشتهيها الناس".
ورغم الهدنة المؤقتة، إلا أن الجيش الإسرائيلي لا زال يسيطر على جميع الأراضي الزراعية سواء في المناطق الشمالية والشرقية لمدينة غزة أو المناطق الشرقية لجنوب ووسط القطاع.
حزن خيم على صوت الأسطل وهو يقول: "لم يتركوا لنا أرض نزرع بها، حتى المناطق الفارغة أصبحت الآن مخيمات للنازحين"، لافتاً إلى أن الأراضي الفارغة ضئيلة وصغيرة جداً لا تكفي للزراعة ولسد احتياجات السكان.
بعد عامين من الحرب، أصبحت أوضاع المزارعين صعبة للغاية، فلم يتبقى لهم أرض يمتلكونها أو حتى مصدر رزق يعيلون به أسرهم.
المزارع أحمد أبو حليمة (45 عاماً)، أحد هؤلاء المزارعين الذين كانوا يملكون أكبر مشاتل زراعة في شمال القطاع، وكان يُصدر لجميع القطاع وللداخل المحتل.

يلف عينيه يميناً وشمالاً متأملاً الحال الذي وصل إليه، بعدما أجبره جيش الاحتلال للنزوح جنوباً والعيش في خيمة، ويقول: "كنت أملك 45 دونماً في مدينتي الأحب على قلبي بيت لاهيا، زرعت فيهم كل ما تشتهر به غزة، سواء فراولة أو زيتون أو خضراوات أو الفواكه بأنواعها".
ليس ذلك فحسب، بل كان أبو حليمة المصدر الرئيسي الذي يعتمد عليه المزارعون في زراعة الأشتال الأساسية "الأم"، حسرة غلبت صوته وهو يسرد: " كنت أقتلع يومياً من أرضي آلاف الأطنان من الفواكه والخضراوات والفراولة المعلقة والأرضية والنخيل ونباتات الزينة وأبيعهم بالأسواق".

حين اشتعلت نار الحرب، أحرقت جميع مواسم الحصاد على مدار عامين كاملين، إذ انعدمت الخضراوات والفواكه في القطاع بأكمله، واشتهى سكانها أن يلمحوا صنفاً واحداً على الأٌقل في الأسواق.
يضيف: "كانت الأسواق خالية تماماً من جميع أنواع الخضراوات والفاكهة، وإن توفر صنفاً أو اثنين يكونا بكميات قليلة جداً وبأسعار خيالية".
وعن مأساته بفقدان مصدر رزقه الوحيد يروي أبو حليمة: "منذ اليوم الأول للحرب، جرفت الدبابات الإسرائيلية جميع المشاتل الخاصة، وسيطرت على تلك المنطقة بأكملها"، يعقب والدموع تنهمر على وجنتيه: "لم يبقى لي لا أرض ولا مشاتل ولا مبلغ مالي يعيلني مستقبلاً".
ليست وحدها الهموم من أثقلت كاهل أبو حليمة، بل أيضاً الديون المتراكمة جعلته يفتقر إلى حياة لم يتخيل يوماً أن يتمناها.
حبس دموعه خلف صوته الحزين، مضيفاً: " كل ما أملك سرقه الاحتلال وذهب تعب أعوامي سدى، فخسائري تقدر بثلاثة مليون دولار".

وفي الوقت الحالي، يفتقر المزارعون إلى تربة صالحة للزراعة خاصةً بعد تغلغل السموم بها، نتيجة قصف الاحتلال للأراضي، إلى جانب السماد العضوي والمبيدات الحشرية والبذور الغير مغشوشة، أما المياه فهي حرب أخرى تواجههم.
ولفت أبو حليمة إلى أن الاحتلال يمنع إدخال البذور والتربة وجميع مستلزمات الزراعة منذ بدء الحرب.
فما المشاكل التي تواجهونها بالمياه؟ يجيب: "كنا قبل الحرب نعتمد على مياه الآبار والطاقة الشمسية، لكن الآن جميع الآبار دُمرت، وألواح الطاقة تكلفتها أكثر من 6000 شيكل إن وجدت".
لا تختلف أماني المزارعين جميعهم عن بعضها البعض، فهم لا يحلمون سوى بالعودة لزراعة أراضيهم وتصدير منتجاتهم لخارج أسوار القطاع.

من جانبه، أكد المتحدث باسم وزارة الزراعة محمد أبو عودة، أن إسرائيل دمرت ما نسبته 98% من القطاع الزراعي، منوهاً إلى أن الأراضي الزراعية المتبقية إما مدمرة أو مقيدة أو محظورة.
وقال: "قبل الحرب، كان القطاع الزراعي يضم 55 ألف مزارع يعتمدون بشكل أساسي على الزراعة كمصدر رزق، لكن الآن 90% منهم خسروا ذلك".
وفيما يخص بالعمال الموسميون، فأكد أن 10 آلاف عامل كانوا يعملون في خدمات الزراعة المساندة كقطف الزيتون وحراثة الأراضي وما شابه، مشيراً إلى أن 90% منهم خسروا عملهم.
لا يقتصر القطاع الزراعي على الرجال فحسب، بل كان يضم أيضاً 10 آلاف سيدة، وأضاف أبو عودة: "في وقتنا الحالي لا يتعدين 500 سيدة من تعملن بالزراعة".
قبل الحرب، كان هناك 186 ألف دونماً يتم الزراعة بهم،أما الآن فلا تتعدى المساحة التي يُزرع بها 10%. وفق أبو عودة.
وأوضح أن هناك مناطق تملك مساحات ضئيلة يُزرع بها، كالمناطق الغربية من المحافظة الوسطى وخانيونس جنوباً.
ولفت أبو عودة إلى أن قطاع غزة انعدمت فيه مواسم الزيتون والفراولة والعنب والتين والحمضيات واللوزيات على مدار عامين كاملين.
وبما يخص استهداف الأراضي، قال: "ذلك أدى إلى فقدان التربة خصوبتها، مما ساهم بتراجع الإنتاج".
وأشار أبو عودة إلى أن القيود الإسرائيلية ضاعفت من تراجع الإنتاج الزراعي، إذ يمنع الاحتلال إدخال أي مستلزمات خاصة بالزراعة.









شارك برأيك
إسرائيل دمرت 98% من القطاع الزراعي.. "نار الحرب" تلتهم مشاتل الزراعة وتُفقد المزارعين مهنتهم