تحليل

الإثنين 20 أكتوبر 2025 8:40 صباحًا - بتوقيت القدس

جاريد كوشنر… عودة رجل الأعمال إلى قلب دبلوماسية الشرق الأوسط من بوابة غزة

واشنطن- "القدس" دوت كوم- سعيد عريقات

مع دخول اتفاق وقف إطلاق النار في غزة حيّز التنفيذ واستمرار الحديث عن مرحلة ما بعد الحرب، برز اسم جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأميركي دونالد ترمب، من جديد في قلب المشهد الشرق أوسطي. فبعد غيابٍ عن الأضواء منذ مغادرته البيت الأبيض، عاد كوشنر، رجل الأعمال والمستشار السابق، ليقدّم نفسه كصوتٍ مؤثر في مسار التهدئة وإعادة الإعمار، في مشهد يعيد إلى الأذهان دبلوماسية "الصفقات" التي ميّزت إدارة ترمب الأولى.


ذكرت صحيفة "ذي غارديان" في تقريرٍ لها الأحد إلى أن كوشنر ظهر الأسبوع الماضي في "ساحة الرهائن" بتل أبيب، مخاطبًا حشدًا غاضبًا من سياسات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ومتحمسًا لتوجيه الشكر لترمب بعد نجاح الهدنة في غزة. وقال كوشنر: "كان السابع من أكتوبر يومًا مزلزلًا بالنسبة لي… ومنذ ذلك اليوم لم يكتمل قلبي، مضيفًا أنه شعر بواجبٍ “أن يرى الرهائن يعودون إلى ديارهم، وأن تنتهي معاناة أهل غزة الذين وجد معظمهم أنفسهم ضحايا وضعٍ مأساوي لم يختاروه" بحسب ذي غارديان.


بين العاطفة و الدبلوماسية غير الرسمية


رغم غياب أي صفة رسمية له، فقد كشفت مصادر أميركية أن كوشنر لعب دورًا فعّالًا في الاتصالات التي أفضت إلى اتفاق وقف إطلاق النار، مستفيدًا من علاقاته القديمة مع قادة الخليج وإسرائيل. وتشير هذه المصادر إلى أن ترمب منحه تفويضًا شبه مطلق للتحرك على هذا المسار، في وقتٍ كانت فيه الإدارة الأميركية تسعى لتسجيل اختراقٍ سياسي في الشرق الأوسط قبيل الانتخابات المقبلة.


لكن اللافت أن كوشنر تبنّى خطابًا مختلفًا عن لهجة ترمب التقليدية، إذ اختار نغمة أكثر ليونة، متحدثًا عن المصالحة والإنسانية بدل التهديد، على عكس ترمب الذي قال ذات يوم إنه سيُطلق "الجحيم في غزة". وبذلك، حاول كوشنر أن يظهر كـ”جسرٍ” بين الطرفين العربي والإسرائيلي، مستثمرًا رصيده الشخصي وشبكة علاقاته الاقتصادية الواسعة.


المال كأداة نفوذ


يرى مراقبون أن عودة كوشنر إلى الواجهة ليست مجرد تحرك إنساني، بل جزء من شبكة مصالحٍ أوسع تجمع بين السياسة والمال. فشركته الاستثمارية أفنتي بارتنرز Affinity Partners تدير مليارات الدولارات من صناديق الثروة السيادية في السعودية وقطر، ما يثير تساؤلات حول ما إذا كانت مبادراته السياسية تخدم مصالح اقتصادية مستقبلية.


يقول مات دوس، نائب رئيس “مركز السياسة الدولية” في واشنطن، إن ما يحدث هو "فساد مكشوف"، معتبرًا أن استمرار الهدنة يخدم مصالح مالية ضخمة، إذ "سيجنون أرباحًا كبيرة من إعادة إعمار غزة". لكن المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت رفضت هذه الاتهامات، ووصفتها بأنها "حقيرة"، مؤكدة أن كوشنر" “يتبرع بوقته وجهده من أجل تحقيق السلام العالمي".


من الظل إلى دائرة القرار


منذ بداياته في إدارة ترمب الأولى، لم يكن كوشنر يملك خبرة في السياسة الخارجية. ومع ذلك، أثبت قدرته على التحرك خارج القنوات الدبلوماسية التقليدية، ونجح في تحويل موقعه العائلي إلى أداة نفوذ سياسي. فقد كان من أبرز مهندسي اتفاقات التطبيع (اتفاقات أبراهام) عام 2020، واليوم يجد نفسه من جديد أمام فرصة لترميم إرثه الدبلوماسي عبر ملف غزة.


وبينما سخر منه البعض عندما قال إنه "قرأ 25 كتابًا وتحدث إلى جميع قادة المنطقة"، يرى مؤيدوه أنه أصبح لاعبًا مؤثرًا يتقن لغة "الصفقات" أكثر من لغة السياسة. وقد اجتمع هذا الصيف في البيت الأبيض برئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير لمناقشة “حكم غزة بعد الحرب”، في إشارة إلى استمرار انخراطه في الملفات الكبرى رغم موقعه غير الرسمي.


ترمب نفسه ما زال يعتبره الأقرب إلى فهم "طبيعة الصفقة"، قائلًا: "وضعت جاريد على الملف لأنه يعرف المنطقة والناس جيدًا”. أما كوشنر، فيرى أن الدبلوماسية بالنسبة له هي "رياضة مختلفة تمامًا" عن السياسة، معتبرًا نفسه "رجل صفقات قبل كل شيء".


دبلوماسية الصفقات تتجدد


من تل أبيب إلى الدوحة، يواصل كوشنر نسج خيوطٍ تجمع بين المال والسياسة. فوفق مسؤولين أميركيين، لعب مع مبعوث ترمب إلى الشرق الأوسط ستيف ويتكوف دورًا مهمًا في تليين المواقف، بما في ذلك إقناع نتنياهو بالاعتذار لأمير قطر بعد الغارة الإسرائيلية على الدوحة. واعتبر مسؤول أميركي تلك الخطوة "تصرفًا ناضجًا" أعاد بعض التوازن للعلاقات الأميركية–الخليجية وسهّل الوصول إلى اتفاق الهدنة.


من "صفقة القرن" إلى "شاطئ غزة"


في الرؤية التي روّج لها كوشنر منذ إدارة ترمب الأولى، كان الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي العقبة الأخيرة أمام تحالفٍ اقتصادي عربي–إسرائيلي واسع، تقوده السعودية والإمارات. واليوم، يعيد طرح فكرة تحويل غزة إلى "واجهة بحرية فاخرة"، وهي خطة تُتهم بأنها تُمهّد لـ"تطهيرٍ عرقي" من خلال تهجير السكان قبل إعادة الإعمار.


الإرث الشخصي والعلاقة مع نتنياهو


العلاقة بين كوشنر ونتنياهو تعود إلى عقودٍ مضت، إذ كان الأخير ضيفًا دائمًا على منزل عائلة كوشنر في نيوجيرسي. ومع ذلك، كان كوشنر يعتقد أن نجاح الدبلوماسية الأميركية يكمن في جعل أي رئيس وزراء إسرائيلي "غير قادر على قول لا" لواشنطن، وهو نهج تبنّاه في ولايته الأولى ويبدو أنه يطبقه مجددًا اليوم.


ويقول دبلوماسي أميركي سابق إن أحد أسباب نجاح كوشنر هو أنه كان "غير رسمي لكنه يمتلك نفاذًا مباشرًا إلى الرئيس"، ما منحه مرونة نادرة لبناء الثقة بين أطراف متناقضة، وتحقيق ما فشل فيه كثير من الدبلوماسيين المحترفين.


بين السياسة والمال… حدود غامضة


يعكس صعود جاريد كوشنر مجددًا إلى صدارة المشهد الأميركي مزيجًا معقدًا من النفوذ المالي والتأثير السياسي. فهو ليس دبلوماسيًا تقليديًا، بل يمثل نموذج ترمب في السياسة الخارجية: حيث تختلط الصفقات بالسياسة، وتُقاس الدبلوماسية بمكاسب الاستثمار.


ففي غزة اليوم، كما في واشنطن، يبدو أن الطريق الذي يسميه كوشنر "سلامًا" لا يقوم على العدالة أو المصالحة، بقدر ما يُعبّد برؤوس أموالٍ خليجية، وأجنداتٍ تجارية، وأحلامٍ عقارية تعيد رسم خريطة الشرق الأوسط على مقاس المستثمرين لا الشعوب.

دلالات

شارك برأيك

جاريد كوشنر… عودة رجل الأعمال إلى قلب دبلوماسية الشرق الأوسط من بوابة غزة

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.