فلسطين

الأحد 19 أكتوبر 2025 8:31 صباحًا - بتوقيت القدس

اتفاق شرم الشيخ.. غموض في البنود وتعويم للحقوق

خاص بـ"القدس" و"القدس" دوت كوم

د. حسن أيوب: وثيقة شرم الشيخ أعادت تقديم اتفاقيات "أبراهام" بصيغة جديدة تقوم على "التعاون الإقليمي المنبثق من رؤية دينية"

عريب الرنتاوي: هدف ترمب كان العودة إلى الولايات المتحدة مدججاً بالصور مع القادة والملوك بوصفه "زعيم العالم الذي لا يُبارى"

د. سعيد شاهين: الاتفاق يمثل عودة أمريكا لترويج "السلام الاقتصادي" لمحاولة نهب موارد المنطقة تحت غطاء إعادة الإعمار

هاني أبو السباع: الاتفاق لم يكن سوى محاولة لإخراج إسرائيل من عزلتها الدولية ومنحها وقتاً إضافياً في ظل الاعترافات بدولة فلسطين

د. سعد نمر: الغموض يمنح إسرائيل أداة دائمة للتنصل من الالتزامات بادعاء وجود خروقات وهو ما يتطابق مع نهجها في الاتفاقات السابقة

محمد الرجوب: تغييب الحديث عن إقامة الدولة يعكس توافقاً أميركياً إسرائيلياً قديماً على منع أي مسار يقود إلى إنجاز سياسي فلسطيني


بعد مرور أسبوع على التوقيع على اتفاق شرم الشيخ الأخير، فإن الغموض لا يزال يعتري الكثير من بنوده، إلا أن ما يتضح منها قد يعيد طرح قضايا المنطقة في إطار إقليمي يركز على التطبيع مع إسرائيل، متجاهلاً بشكل واضح جوهر القضية الفلسطينية.

ويرى كتاب ومحللون سياسيون ومختصون وأساتذة جامعات، في أحاديث منفصلة لـ"ے"، أن وثيقة الاتفاق رغم احتوائها على عبارات تتحدث عن "السلام والاستقرار وحقوق الشعوب"، خلت من أي إشارة لحق تقرير المصير أو إقامة الدولة الفلسطينية، وهو ما يثير تساؤلات جدية حول أهدافها الحقيقية.

ويشير إلى أن الوثيقة التي وُصفت بأنها إعلان مبادئ عامة، بدت أقرب إلى غطاء سياسي لإبراز دور واشنطن وتكريس رؤيتها للمنطقة، فقد ركزت على ربط ترتيبات غزة بالأمن الإقليمي، دون أي التزامات عملية أو آليات تنفيذية واضحة، الأمر الذي يفتح المجال واسعاً أمام إسرائيل لتفسير البنود بما يخدم مصالحها.

ويرون أن اتفاق شرم الشيخ جاء ليمنح إسرائيل وقتاً إضافياً ويخفف الضغوط الدولية عليها، فيما يروج الرئيس الأميركي دونالد ترامب للمشهد كإنجاز تاريخي، غير أن غياب الحل السياسي العادل وتجاهل الحقوق الفلسطينية يجعلان هذا الاتفاق مجرد محطة شكلية في مسار إدارة الصراع، لا حلاً له.

"ترتيبات السلام".. وأمن المنطقة واستقرارها

يعتبر الكاتب والمحلل السياسي والمختص بالشأن الأمريكي د.حسن أيوب أن وثيقة شرم الشيخ التي تم التوقيع عليها مؤخراً، ورغم ما يشوبها من غموض في بعض بنودها، تحمل وضوحاً كبيراً في بعدها الاستراتيجي الأساسي، والمتمثل في تطبيع الوجود الإسرائيلي في المنطقة من دون أي مقابل سياسي أو التزام تجاه الحقوق الوطنية الفلسطينية.

ويوضح أيوب أن الوثيقة تشير في ثلاثة مواضع إلى ربط ما تسميه "ترتيبات السلام" في قطاع غزة بأمن واستقرار شعوب المنطقة، بمن فيها الفلسطينيون والإسرائيليون، لكن صياغاتها اقتصرت على الحديث عن "حماية الحقوق الإنسانية الأساسية" لهذه الشعوب وصون أمنها وكرامتها، وهو بمثابة "الصياغة المخاتلة"، لأنها تساوي بين الفلسطينيين وغيرهم من شعوب المنطقة، وتغفل عن قصد حقهم في تقرير المصير وإقامة دولتهم المستقلة ذات السيادة.

ويشير إلى أن الوثيقة أعادت تقديم اتفاقيات "أبراهام" بصيغة جديدة تقوم على "التعاون الإقليمي المنبثق من رؤية دينية"، وربطت خطة إنهاء الحرب في غزة بالعلاقات الإقليمية- الإسرائيلية، متجاهلة بشكل كامل جوهر القضية الفلسطينية المتمثل في إنهاء الاحتلال ونظام الاستعمار والفصل العنصري في الضفة الغربية.

الوثيقة أقرب إلى "مبادئ عامة"

ويرى أيوب أن غموض الوثيقة، وغياب أي آليات سياسية أو تنفيذية واضحة، يجعلانها أقرب إلى "مبادئ عامة" تصب في إطار ما وصفه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بـ"الاتفاق التاريخي"، في حين أن التفاصيل العملية ستظل مرهونة بميزان القوى والدعم الأمريكي غير المحدود لإسرائيل.

ويؤكد أيوب أن مقارنة الوثيقة بخطة ترامب السابقة لإنهاء الحرب في غزة تُظهر تراجعاً إضافياً، حتى عن تلك الصياغة السابقة التي هي "عديمة الفائدة".

وبحسب أيوب، بينما تضمنت خطة ترامب إشارة -ولو مشروطة- إلى "دور مستقبلي للسلطة الفلسطينية" في غزة بعد إصلاحات محددة، فإن وثيقة شرم الشيخ تجاهلت بالكامل أي ذكر للسلطة الفلسطينية أو منظمة التحرير أو حتى الحقوق الفلسطينية.

ويشير أيوب إلى أن قبول الرئيس محمود عباس بالإصلاحات المقترحة لم يثمر عن أي حضور أو تمثيل فلسطيني في الوثيقة، ما يعكس تنكراً كاملاً لجوهر القضية.

ويلفت أيوب إلى أن "خطة ترامب" نفسها كانت قد تراجعت عن تصريحات سابقة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأنه لن يسمح لإسرائيل بضم الضفة الغربية، إلا أن ما جرى لاحقاً يكشف أن غياب الحديث عن "الدولة الفلسطينية" أو "حل الدولتين" يعبر عن تحول استراتيجي في السياسة الأمريكية.

ويؤكد أيوب أن هذا التحول جاء بدفع مباشر من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال لقاءاته الأخيرة في واشنطن ونيويورك، ليجد انعكاسه الواضح في وثيقة شرم الشيخ، التي كرّست تجاهل الحقوق الفلسطينية وترسيخ التطبيع الإقليمي مع إسرائيل.

غطاء لاستعراض هدفه تضخيم دور ترمب

يعتبر مدير مركز القدس للدراسات السياسية عريب الرنتاوي أن البيان الصادر عن الاجتماع الذي عُقد في شرم الشيخ لم يكن مقصوداً بذاته، وإنما جاء كغطاء لاستعراض سياسي هدفه تضخيم دور الرئيس الأميركي دونالد ترامب وإبراز حضوره في إطلاق مبادرته وتنفيذ المرحلة الأولى منها.

وبحسب الرنتاوي، فإن البيان جاء فضفاضاً ومجرد إعلان نوايا لا يحمل أي قواعد أو مرجعيات واضحة، مشيراً إلى أنه اكتفى بترديد عبارات عامة حول "السلام والازدهار والعيش المشترك ونبذ التطرف والعنصرية"، من دون أي إشارة لحق تقرير المصير أو إنهاء الاحتلال أو حتى الحديث عن حل الدولتين.

ويوضح أن محاولات الأطراف العربية والمسلمة، بمساندة بعض الأوروبيين، لجعل البيان متوازناً لم تحقق نتائج ملموسة.

ويؤكد الرنتاوي أن اللغة المستخدمة كانت انتقائية؛ حيث ربطت التطرف بالجانب العربي فيما أُسندت العنصرية إلى إسرائيل، وهو تأويل يعكس انحيازاً واضحاً.

ويرى الرنتاوي أن البيان ظل محكوماً بسقف المواقف الأميركية وتوجهات ترامب، ما يجعله مجرد صورة استعراضية لن يتذكرها أحد لاحقاً.

ويشدد الرنتاوي على أن هدف ترامب كان العودة إلى واشنطن مدججاً بالصور مع القادة والملوك والزعماء، باعتبار نفسه "زعيم العالم الذي لا يُبارى"، فيما خلت القمة من أي نقاش جدي أو بحث حقيقي، ووُصفت بأنها أقرب إلى "حفل استقبال" استفاد منه ترامب سياسياً وإعلامياً.

ما له قيمة ليس البيان بل المبادرة وآليات تنفيذها

ويرى الرنتاوي أن ما له قيمة حقيقية ليس البيان، بل المبادرة ذات البنود العشرين وآليات تنفيذها، مشيراً إلى أن غموضها جاء مقصوداً لإبقاء أوراق التفسير بيد ترامب وفقاً لمتغيرات المشهد أو حتى مزاجه الشخصي.

ويستشهد الرنتاوي بمواقف متناقضة للرئيس الأميركي تجاه حركة حماس، إذ رحّب بانتشارها العسكري في غزة بعد وقف إطلاق النار، قبل أن ينقلب سريعاً ملوحاً بسحقها عبر الجيش الإسرائيلي.

ويؤكد الرنتاوي أن القمة انتهت بمغادرة المشاركين دون أثر سياسي، فيما تبقى الملفات الجوهرية: سلاح حماس، وتشكيل القوة الدولية وصلاحياتها، ومن سيحكم غزة في المرحلة المقبلة، أسئلة مفتوحة لم تُحسم بعد، مع بروز دور محتمل لجهات تكنوقراطية أو بيروقراطية بإشراف إقليمي ودولي، في حين تبقى القيادة الحقيقية بيد إسرائيل.

طموحات ترمب الشخصية ومصالح حلفائه

يؤكد أستاذ الإعلام السياسي في جامعة الخليل، د. سعيد شاهين، أن اتفاق شرم الشيخ الأخير يمثل عودة الولايات المتحدة لترويج ما يسمى "السلام الاقتصادي"، في محاولة لإعادة إنتاج نهج يهدف إلى نهب موارد المنطقة تحت غطاء إعادة الإعمار، ضمن سياق توسعة "اتفاقات أبراهام" التي سعى إليها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في ولايته الأولى، ويكررها اليوم بولايته الثانية بالاستعانة بفريق يقوده صهره جاريد كوشنير ورئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير.

ويوضح شاهين أن هؤلاء سيديرون أموال الإعمار المقدرة بحوالي مئة مليار دولار، في إطار استراتيجية تستجيب لطموحات ترامب الشخصية ومصالح حلفائه.

ويشير شاهين إلى أن أهداف ترامب تتجاوز البعد الاقتصادي، إذ يسعى لتحقيق ما عجزت إسرائيل عن إنجازه عسكرياً، مثل إطلاق سراح الأسرى الإسرائيليين، واستعادة جثث الجنود الإسرائيليين، ونزع سلاح حركة حماس، وإخراجها من حكم قطاع غزة.

تجاهل الحقوق الفلسطينية المشروعة

ويرى شاهين أن الهدف الأبرز من قمة شرم الشيخ يتمثل في "إيهام العالم بأن الإبادة قد توقفت بفضل المساعي الأمريكية والموافقة الإسرائيلية"، بينما يتم تجاهل الحقوق الفلسطينية المشروعة، في محاولة لتخفيف الضغوط الدولية على الحكومات الغربية التي تواجه رأياً عاماً متنامياً يطالب بالاعتراف بالدولة الفلسطينية ويحمّل إسرائيل مسؤولية ارتكاب إبادة جماعية.

ويرى شاهين أن هذا المسار يعكس رغبة ترامب وفريقه في ترميم صورة إسرائيل المشوهة عالمياً، والتقليل من أثر الحركات الاحتجاجية في الغرب والولايات المتحدة بشكل خاص، مشدداً على أن الحديث عن "سلام شامل" يظل غامضاً وغير قابل للتحقق في ظل تغييب جوهر القضية الفلسطينية.

ويوضح شاهين أن تجاهل الحقوق السياسية للشعب الفلسطيني ينسجم مع سياسات الحكومة الإسرائيلية الحالية واليمين المتطرف، الذي ينظر إلى الفلسطينيين كتهديد وجودي، وينكر حقهم في تقرير مصيرهم على أرضهم. ويبيّن شاهين أن الإدارة الأمريكية لا تؤمن بحل الدولتين، وإنما بسلام اقتصادي يكرّس هيمنة إسرائيل العسكرية والسياسية والاقتصادية في المنطقة، ويدفع باتجاه صياغة "إسرائيل الكبرى" عبر أدوات القوة الناعمة والاستثمارات الضخمة، وليس عبر الاحتلال المباشر فقط.

ويعتقد شاهين أن هذا المقترح، رغم خطورته، يبقى محتفظاً بميزة وحيدة إذا صدقت النوايا، وهي إمكانية وقف حرب الإبادة ضد الفلسطينيين، إلا أن غياب أي ضمانات حقيقية للحقوق الوطنية يجعل نتائجه موضع شك كبير.

خطة أميركية لإعادة صياغة الواقع في المنطقة

يرى الكاتب والمحلل السياسي المختص بالشأن الإسرائيلي هاني أبو السباع أن اتفاق شرم الشيخ الأخير كشف عن إمكانية خفض التصعيد في غزة، لكنه في جوهره يندرج ضمن خطة أميركية لإعادة صياغة الواقع في المنطقة.

ويوضح أن استمرار الحرب أضرّ بالمصالح الأميركية وعرقل مساعي التطبيع العربي- الإسرائيلي، ما دفع إدارة ترامب إلى الدفع نحو اتفاق يوقف القتال، في وقت يسعى فيه الرئيس الأميركي للحصول على جائزة نوبل للسلام.

ويشير أبو السباع إلى أن ضبابية بنود الاتفاق لم تأتِ صدفة، بل وفّرت مساحة لتأويل النصوص بما يخدم الطرف الإسرائيلي، ومنحت تل أبيب القدرة على التنصل من التزاماتها بحجة أن حركة حماس لم تلتزم.

ويلفت أبو السباع إلى أن الضغط الكبير الذي تمارسه إسرائيل حالياً على ملف جثث جنودها في غزة يعكس استغلال هذه الضبابية.

ويوضح أبو السباع أن اللغة التي تحدثت عن "السلام والازدهار" تعكس تكراراً لنهج الإدارات الأميركية السابقة التي تصوّر الاتفاقات كطريق نحو "جنة عدن" في المنطقة، بينما الواقع يكشف أن الهدف هو منح إسرائيل وقتاً لإعادة ترتيب أوراقها والاستعداد لجولة عدوانية جديدة.

ويؤكد أبو السباع أن الولايات المتحدة أثبتت مرة أخرى أنها ليست وسيطاً نزيهاً، بل شريك داعم لإسرائيل بلا حدود.

ويبيّن أبو السباع أن الاتفاق تجنّب بشكل متعمد الحديث عن الدولة الفلسطينية أو الانتهاكات اليومية في الضفة الغربية، مراعاةً لائتلاف حكومة اليمين الإسرائيلي الذي أعلن عزمه بسط السيادة على الضفة تدريجياً.

ويشير أبو السباع إلى أن ذلك برز بوضوح في ممارسات الوزير المتطرف إيتمار بن غفير خلال فترة الاتفاق، حيث اقتحم السجون وهدد الأسرى، كما اقتحم المسجد الأقصى فيما واصل المستوطنون اعتداءاتهم في الضفة الغربية، من دون أن يتضمن الاتفاق أي بند لوقف هذه الانتهاكات.

ويعتبر أبو السباع أن هذه المعطيات تكشف أن اتفاق شرم الشيخ لم يكن سوى محاولة لإخراج إسرائيل من عزلتها الدولية ومنحها وقتاً إضافياً، في ظل اعترافات متزايدة بالدولة الفلسطينية وضعف الخطاب الإسرائيلي على الساحة الدولية.

ويؤكد أبو السباع أن غياب التأثير العربي والإسلامي الفاعل في القمة جعل من مشاركتهم "ضيوف شرف" لا أصحاب قضية، ما عمّق الشكوك بشأن فرص صمود الاتفاق أمام خروقات إسرائيلية متواصلة منذ لحظة توقيعه.

غموض البنود يصب في خدمة مصالح إسرائيل

يؤى أستاذ العلوم السياسية في جامعة بيرزيت، د. سعد نمر، أن الغموض الذي يكتنف العديد من بنود اتفاق شرم الشيخ الأخير يصب بشكل مباشر في صالح إسرائيل، حيث يمنحها مساحة واسعة للتنصل من الالتزامات وتفسير البنود بما يخدم مصالحها.

ويوضح أن هذه الصياغات الغامضة تعكس تعديلات إسرائيلية واضحة على النصوص التي عرضها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، خاصة بعد لقائه بالقادة العرب والمسلمين في نيويورك.

ويشير إلى أن بعض القضايا جرى تناولها بوضوح نسبي، مثل المرحلة الأولى التي تضمنت إطلاق سراح الأسرى الإسرائيليين وجثثهم مقابل وقف إطلاق النار وانسحاب قوات الاحتلال إلى الخط الأصفر، غير أن المراحل الثانية والثالثة بقيت مفتوحة، حيث لم تحدد بوضوح هوية الجهة التي ستدير قطاع غزة أو الآليات التنفيذية لذلك، واكتفت بطرح عبارات فضفاضة مثل إمكانية وجود قوات أجنبية تحت إشراف توني بلير وبرئاسة ترامب، وهو غير دقيق ويعكس تغييباً متعمداً للدور الفلسطيني.

ويؤكد نمر أن الغموض يمنح إسرائيل أداة دائمة للتنصل من الالتزامات، عبر الادعاء بوجود خروقات من قبل الفلسطينيين، وهو ما يتطابق مع نهجها في التعامل مع الاتفاقيات السابقة. ويتطرق نمر إلى تغييب أي إشارة لإقامة الدولة الفلسطينية، مشيراً إلى أن نتنياهو وحكومته اليمينية سبق أن أكدوا في الكنيست رفضهم القاطع لإقامة دولة فلسطينية، ما يفسر غياب هذا البند عن الوثيقة.

حديث ترامب عن إنهاء الصراع هراء سياسي

ويصف نمر حديث ترامب عن إنهاء "صراع عمره 3000 عام" بأنه هراء سياسي يتجاهل أن جذور الصراع تعود إلى نشوء الحركة الصهيونية وقيام دولة الاحتلال في القرن العشرين.

ويعتبر نمر أن هذه الصياغات محاولة من ترامب لإظهار إنجاز وهمي بهدف تسويق نفسه سياسياً.

ويؤكد نمر أن تجاهل جوهر القضية الفلسطينية وإرجاعها فقط إلى مسألة غزة ووقف إطلاق النار لا يمكن أن يحقق سلاماً دائماً، بل يفتح الباب لتكرار أحداث السابع من أكتوبر أو ما يشابهها، طالما بقي الاحتلال جاثماً على الأرض الفلسطينية.

ويشدد نمر على أن المجتمع الدولي، خصوصاً الدول الأوروبية التي اعترفت بالدولة الفلسطينية، مطالب باتخاذ إجراءات عملية لتثبيت هذا الاعتراف ودفع باتجاه حل سياسي عادل، وإلا فإن المنطقة ستبقى رهينة دوامة الصراع.

الصياغات الغامضة لم تكن عارضة بل مقصودة

يؤكد الأكاديمي والباحث في الإدارة العامة والعلوم السياسية محمد الرجوب أن اتفاق شرم الشيخ الأخير جاء بصياغات غامضة ومفتوحة على التأويل، معتمداً على نصوص إنشائية عامة تتحدث عن "السلام والازدهار والكرامة ونبذ الإرهاب"، دون أن يتضمن التزامات سياسية واضحة أو جداول زمنية أو آليات تنفيذية محددة.

ويوضح أن هذا الغموض لم يكن عارضاً أو نتيجة ضعف في الصياغة، بل جاء مقصوداً لتجنب إلزام أي طرف، خصوصاً إسرائيل، بخطوات عملية نحو إنهاء الاحتلال أو وقف الحرب على قطاع غزة.

ويشير الرجوب إلى أن الاتفاق تجنب تماماً الحديث عن الحقوق السياسية للفلسطينيين أو مسار إقامة الدولة الفلسطينية، مكتفياً بلغة فضفاضة مثل "تهيئة بيئة السلام وتعزيز الاستقرار"، وهي عبارات لا تُحاسب عليها أي جهة ولا تلزم أحداً بشيء.

إنجاز دبلوماسي "شكلي"

ويؤكد الرجوب أن الوسطاء والدول الراعية للاتفاق اكتفوا بإنجاز "دبلوماسي شكلي" يهدف إلى تسويق مخرجات القمة للرأي العام باعتبارها اختراقاً سياسياً بعد حرب استمرت أكثر من عامين في غزة، فيما ظل جوهر الصراع والاحتلال بعيداً عن أي معالجة حقيقية.

ويلفت الرجوب إلى أن التركيز في النص على "نبذ الإرهاب" جاء متوافقاً مع السردية الغربية والإسرائيلية، ومكرساً لمقاربة أمنية بحتة للقضية الفلسطينية، ما أفرغها من مضمونها كقضية تحرر وطني.

ويبيّن الرجوب أن هذا التركيز على مفردات مثل "السلام" و"الازدهار" و"نبذ الإرهاب" يعكس هيمنة الخطاب الغربي والإسرائيلي، حيث غُيّبت قضايا جوهرية مثل تقرير المصير، وإنهاء الاحتلال، أو الاعتراف بالحقوق الوطنية الفلسطينية، وبذلك، تحوّل الاتفاق إلى محاولة لتسويق صورة سياسية إيجابية من دون إحداث أي تغيير فعلي على الأرض.

ويؤكد الرجوب أن هذا النمط من الاتفاقيات يعكس رغبة الأطراف الراعية في تحقيق توافق شكلي يجنّب انفجار الخلافات بين القوى المشاركة، التي تختلف جذرياً في مواقفها من الحرب على غزة، ما يفسر اعتماد لغة وسطية عامة لإرضاء جميع الأطراف.

وبحسب الرجوب، فإن هذا الغموض يُستخدم كوسيلة دبلوماسية للإبقاء على جميع المشاركين في حالة "رضا شكلي" عن الاتفاق.

تجاهل مقصود للضفة الغربية

ويشير الرجوب إلى أن الاتفاق تجاهل بشكل مقصود الضفة الغربية، وهو ما يعكس استراتيجية إسرائيلية دائمة لتكريس الفصل الجغرافي والسياسي بين الضفة وغزة بهدف إضعاف فكرة الدولة الفلسطينية الموحدة.

ويعتبر الرجوب أن الصمت العربي حيال هذا التجاهل يعكس حالة ضعف وتراجع الأولوية الفلسطينية في الأجندة الإقليمية، وهو ما سهل تمرير هذا التجاهل دون اعتراض واسع.

ويؤكد الرجوب أن تغييب الحديث عن إقامة الدولة الفلسطينية أو ربط التهدئة في غزة بأي مسار سياسي يعكس توافقاً أميركياً إسرائيلياً قديماً على منع أي مسار يقود إلى إنجاز سياسي فلسطيني.

ومن هنا، فإن الاتفاق -برأي الرجوب- لا يعدو كونه أداة لإدارة الأزمة وتثبيت الوضع القائم وتطبيع التهدئة دون ثمن سياسي تدفعه إسرائيل.

ويؤكد الرجوب أن المطلوب اليوم هو نشر وتوضيح بنود اتفاق شرم الشيخ للرأي العام، بما يكفل إزالة الغموض المحيط به، وتمكين الفلسطينيين من معرفة وجهة المسار السياسي المقبل سواء في الضفة الغربية أو غزة.

ويشدد الرجوب على أن استمرار الاتفاق بصيغته الحالية يعني تكريس سلام مؤجل بلا سيادة، وتهدئة في غزة بلا حقوق، وهو ما يجعل منه إطاراً شكلياً يخدم الصورة الدبلوماسية أكثر من الواقع السياسي.

دلالات

شارك برأيك

اتفاق شرم الشيخ.. غموض في البنود وتعويم للحقوق

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.