فلسطين

السّبت 18 أكتوبر 2025 8:41 صباحًا - بتوقيت القدس

بعد توقف الحرب.. هل تتواصل ملاحقة نتنياهو في "الجنائية الدولية"؟

خاص بـ"القدس" و"القدس" دوت كوم

د. تمارا حداد: استمرار العمل القانوني يمكن أن يشكل وسيلة ضغط نفسي وسياسي على نتنياهو لكنه لا يعني تنفيذًا فوريًا لقرار لتوقيفه

خليل شاهين: التعاطف الشعبي الدولي مهم والرهان الأساسي يجب أن يكون على محكمة الرأي العام العالمية لا على المؤسسات القضائية وحدها

نور عودة: قرارات المحاكم الدولية لا تسقط بالتقادم والمجال لا يزال واسعاً لمواصلة المطالبة بمحاسبة مجرمي الحرب باستخدام الأدوات القانونية المتاحة

د. إيريني سعيد: إدارة ترمب أفرزت مساومات ومقايضات قد تضمن لنتنياهو حماية من أي ملاحقة سياسية أو جنائية مقابل تمرير التهدئة ووقف الحرب

نبهان خريشة: السلام الذي لا يقوم على العدالة ليس سوى هدنة مؤقتة وتحويل التعاطف الدولي إلى فعل سياسي وقانوني منظم هو الطريق لعدم تكرار المأساة

محمد هواش: الوعي الدولي تجاه القضية الفلسطينية لن يتراجع لكنه لا يعني بالضرورة تحولاً إلى حراك ضاغط يفرض تنفيذ قرارات المحكمة ضد نتنياهو وغالانت


يثير توقف الحرب في غزة جدلاً واسعًا حول مستقبل ملاحقة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الحرب الإسرائيلي السابق يؤاف غالانت ومجرمي الحرب الإسرائيليين أمام المحاكم الدولية، خاصة المحكمة الجنائية الدولية، عقب فترة من صدور مذكرة اعتقال بحقهم.

ويرى كتاب ومحللون سياسيون ومختصون، في أحاديث منفصلة لـ"ے"، أن تفعيل هذا المسار يواجه عراقيل معقدة، فالولايات المتحدة وإسرائيل ليستا طرفين في نظام روما المؤسس للمحكمة الجنائية الدولية، وتعتبران قراراتها باطلة سياسيًا، وهو ما يتيح لإسرائيل التملص من التعاون الدولي، بل وتجنّب نتنياهو ومجرمي الحرب الإسرائيليين السفر إلى الدول الموقعة على اتفاقية إنشاء المحكمة خشية توقيفه.

ويلفتون إلى أن الضغوط الأمريكية على المحكمة تسعى لتقويض تنفيذ المذكرات، ما يحوّل مسار العدالة إلى أداة ضغط نفسي وسياسي أكثر من كونه مسارًا إجرائيًا فعالًا في الوقت الراهن.

ومع ذلك، يرى الكتاب والمحللون والمختصون أن استمرار توثيق الانتهاكات وتحويلها إلى ملفات قانونية أمام المحاكم الدولية يشكل خطوة ضرورية لإبقاء قادة إسرائيل تحت طائلة الملاحقة، مؤكدين أنه رغم أن الطريق لملاحقة نتنياهو ومجرمي الحرب الإسرائيليين يظل طويلاً ومعقدًا، فإن ملف محاكمة نتنياهو سيبقى حاضرًا كورقة ضغط على الساحة الدولية، حتى وإن ظل التنفيذ الفعلي مؤجلاً بفعل موازين القوى والضغوط السياسية.

عقبات كبيرة أمام تنفيذ مذكرات الاعتقال

توضح الباحثة السياسية د. تمارا حداد أن المشهد بعد توقف الحرب في غزة يفتح الباب أمام تساؤلات كبرى حول إمكانية تفعيل القرارات الدولية لملاحقة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قضائيًا أم إهمال الملف.

وتؤكد حداد أن المحكمة الجنائية الدولية تملك ولاية قضائية على الأراضي الفلسطينية بموجب قرارها الصادر عام 2021، الذي نص على أن الجرائم المرتكبة في الضفة الغربية وقطاع غزة تقع ضمن اختصاصها.

وتشير حداد إلى أن المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية كريم خان أصدر بالفعل مذكرة اعتقال بحق نتنياهو، ما يمنح الأساس القانوني لمحاكمته.

لكن حداد تشدد على أن الناحيتين السياسية والعملية تختلفان كليًا عن الإطار القانوني، حيث إن تنفيذ هذه المذكرات يواجه عقبات ضخمة بسبب الضغوط الأمريكية والأوروبية، مشيرة إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل ليستا طرفين في نظام روما المؤسس للمحكمة، وتعتبران قراراتها "باطلة سياسيًا".

وتوضح أن إسرائيل ترفض التعاون مع المحكمة الجنائية الدولية، فيما يتجنب نتنياهو السفر إلى الدول الموقعة على نظام روما الناظم لتأسيس المحكمة خشية توقيفه، رغم أن بعض الدول ام تقم بواجبها بهذا الخصوص.

تفعيل قرارات "الجنائية" مرهون بميزان القوى الدولي

وتشير حداد إلى أن إمكانية تفعيل هذه القرارات مرهونة بميزان القوى الدولي وضغوط الدول الكبرى، لافتة إلى أن محاولات المدعي العام للتحرك تواجه ضغوطًا لإلغاء مذكرة الاعتقال. وتؤكد حداد أن استمرار العمل القانوني وتوثيق الانتهاكات يمكن أن يشكل وسيلة ضغط نفسي وسياسي على نتنياهو، لكنه لا يعني بالضرورة تنفيذًا فوريًا لقرار التوقيف.

أما على الصعيدين الشعبي والدولي، فترى حداد أن التعاطف العالمي مع الفلسطينيين قد يتراجع تدريجيًا مع توقف بث صور الدمار والضحايا بعد توقف الحرب على قطاع غزة، مؤكدة أن "غياب المشاهد اليومية للمعاناة يضعف الضغط الشعبي ويمنح بعض الحكومات الغربية مساحة لإعادة التركيز على مشاريع سياسية مثل خطط ترامب للسلام".

ومع ذلك، تتوقع حداد استمرار بعض المنظمات الدولية في توثيق الانتهاكات وتحويلها إلى ملفات قضائية أمام محكمتي العدل والجنائية الدوليتين.

وبحسب حداد، فإن "الطريق لمحاكمة نتنياهو دوليًا طويل ومعقد، لكنه ليس مستحيلًا"، مشيرة إلى أن الخطر الحقيقي الذي يواجهه نتنياهو قد يأتي من الداخل الإسرائيلي نفسه، حيث يلاحقه القضاء في ملفات الفساد 1000 و2000 و4000، فضلًا عن إمكانية فتح لجنة تحقيق مستقبلاً في أحداث 7 أكتوبر 2023، وهو ما قد يقوده إلى المحاكمة داخليًا قبل أي ملاحقة دولية.

الانتهاكات ستبقى مفتوحة على الرصد والتوثيق

يؤكد الكاتب والمحلل السياسي خليل شاهين أنّ ما يجري في قطاع غزة لا يمكن اعتباره نهاية للحرب، بل هو وقف لإطلاق النار في مرحلته الأولى، حيث تتركز الجهود حالياً على ملف تبادل الأسرى الأحياء والأموات بين إسرائيل وحركة حماس، وهذه العملية لا تزال غير منجزة بالكامل، خاصة في ظل الصعوبات المتعلقة بالعثور على جثث الأسرى الإسرائيليين وانتشالها.

ويشير شاهين إلى أن هذا السياق يُظهر كيف تتعامل إسرائيل مع الخطة الأمريكية، إذ تستخدم كل خطوة كأداة ضغط على حركة حماس عبر معاقبة المدنيين الفلسطينيين، بما ينطوي على انتهاكات خطيرة تضاف إلى الجرائم المرتكبة خلال عامين من حرب الإبادة.

ويؤكد أنه لا يجوز استخدام المساعدات كورقة ابتزاز، ولا حرمان المدنيين من حقوقهم في السفر والتنقل.

ويلفت شاهين إلى أن المؤسسات الحقوقية والدولية تراقب الانتهاكات الجارية، خاصة مع استمرار الاحتلال بالسيطرة على أكثر من نصف مساحة قطاع غزة، واستهداف المدنيين الذين يحاولون العودة إلى منازلهم في المناطق المصنفة "صفراء".

ويتطرق شاهين إلى الانتهاكات بحق الأسرى الفلسطينيين، مشيراً إلى شهادات صادمة من محررين، خصوصاً من غزة، حول التعذيب والاغتصاب وانتهاك حقوق الإنسان، معتبراً أن هذه الشهادات تشكل مادة مهمة لتدعيم الملفات أمام المحكمة الجنائية الدولية والمحاكم الوطنية في بعض الدول.

وفيما يتعلق بالملاحقة القانونية لمجرمي الحرب الإسرائيليين خاصة مذكرتي الاعتقال بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الحرب السابق يؤاف غالانت، يوضح شاهين أن الانتهاكات الإسرائيلية ستبقى مفتوحة على الرصد والتوثيق، غير أن الزخم الرسمي قد يتراجع مع وقف إطلاق النار.

ويعتبر شاهين أن بعض الدول ستجد في هذه الهدنة ذريعة للتنصل من مسؤولياتها في دعم مسار العدالة، أو لتعطيل تنفيذ قرارات المحكمة الجنائية الدولية، بما في ذلك مذكرتا الاعتقال الصادرتان بحق نتنياهو وغالانت، بزعم تأثير ذلك على دعم تثبيت وقف إطلاق النار في قطاع غزة.

الاتحاد الأوروبي قد يستخدم ذريعة "الظرف غير المناسب"

ويلفت شاهين إلى أن الاتحاد الأوروبي قد يستخدم ذريعة "الظرف غير المناسب" لتأجيل أو تعطيل بحث العقوبات على إسرائيل، بما فيها تعليق أجزاء من اتفاقية الشراكة الاستراتيجية، وهو ما يكرّس استمرار سياسة التواطؤ الغربية مع إسرائيل.

ومع ذلك، يشدد شاهين على أن الجرائم المرتكبة لا تسقط بالتقادم، وأن هناك ملفات جديدة يجري تحضيرها لملاحقة مسؤولين إسرائيليين آخرين، بينهم وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير، بسبب مسؤوليته عن الانتهاكات بحق الأسرى.

وبحسب شاهين، فإن مسار العدالة يتواصل على مستويين: الأول عبر المحكمة الجنائية الدولية، والثاني عبر محكمة العدل الدولية في القضية المرفوعة من جنوب إفريقيا والمتعلقة بجرائم الإبادة.

ويشير شاهين إلى أن المحاكم الدولية نفسها تواجه ضغوطاً هائلة، خصوصاً من الولايات المتحدة الأمريكية التي تهدد بفرض عقوبات على قضاة المحكمة لوقف هذه المسارات.

ويؤكد شاهين أن التعاطف الشعبي الدولي مهم، معتبراً أن الرهان الأساسي يجب أن يكون على محكمة الرأي العام العالمية، لا على المؤسسات القضائية وحدها.

ويلفت إلى أن حيوية الحركات الشعبية والتضامنية في دول مثل إسبانيا وإيرلندا وإيطاليا والولايات المتحدة تشكل قوة ضغط مؤثرة قادرة على تغيير سياسات الحكومات، حيث أن الحراك الشعبي يؤكد أن"السلام لا يمكن أن يتحقق من دون عدالة".

ويتوقف شاهين عند دور السلطة الفلسطينية، مبيناً أنها ستتعرض لضغوط متزايدة للتخلي عن ملاحقة إسرائيل في المحاكم الدولية تحت شعار "إصلاح السلطة"، وهو ما تطرقت إليه "خطة ترمب" بإشارتها إلى وجوب أن يستند هذا الإصلاح إلى المعايير والشروط الواردة في "صفقة القرن" التي طرحها ترامب في ولايته الأولى، وتتضمن شروطاً من بينها وقف مسار التحرك القانوني في المحاكم الدولية.

ويشير شاهين إلى أن ملفات الجرائم والانتهاكات لا تعتمد فقط على السلطة، بل هناك منظمات حقوقية فلسطينية ودولية تعمل على متابعتها، إضافة إلى التحركات الشعبية مثل "أساطيل كسر الحصار".

ويؤكد شاهين أن الاستراتيجية الفلسطينية يجب أن تركز على تحويل كل انتهاك إسرائيلي إلى أداة ضغط مضاد، عبر استثمار الأدوات القانونية والدبلوماسية والشعبية، والدفع باتجاه مرجعيات دولية بديلة عن خطة ترامب، من أجل الوصول إلى وقف دائم للحرب، وضمان حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم وإدارة شؤونهم في غزة والضفة الغربية، بعيداً عن الهيمنة والابتزاز الإسرائيلي.

المسارات القانونية المتعلقة بجرائم إسرائيل لم تتوقف

تؤكد الكاتبة والمحللة السياسية والمختصة في الشؤون الدبلوماسية والعلاقات الدولية نور عودة أن المسارات القانونية الدولية المتعلقة بجرائم إسرائيل لم تتوقف، مشددة على أن قرارات المحاكم الدولية لا تسقط بالتقادم، بل تستغرق وقتاً طويلاً بحكم طبيعتها، وهي في النهاية مرتبطة بمدى تعاون الدول والتزامها بتنفيذ القرارات والأوامر القضائية.

وتوضح عودة أن مذكرات الاعتقال الصادرة بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الحرب الإسرائيلي السابق يؤاف غالانت، حتى وإن لم تُنفذ بعد، تبقى ذات أثر سياسي ومعنوي كبير على إسرائيل، وتكشف مواقف الدول التي تمتنع عن احترام هذه المذكرات رغم عضويتها أو مشاركتها في المحكمة الجنائية الدولية.

وتؤكد عودة أن المحاكمة الخاصة بالإبادة الجماعية أمام محكمة العدل الدولية لا تزال مستمرة، ولا يمكن إيقافها لأسباب سياسية أو إجرائية، مشيرة إلى أن "المعركة الحقيقية تكمن في كيفية انصياع الدول للولايات المتحدة والرئيس الأمريكي دونالد ترمب".

وتشدد عودة على ضرورة أن يستمر الفلسطينيون، بمؤسساتهم الرسمية ومجتمعهم المدني وبدعم الناشطين الحقوقيين، في المطالبة بالعدالة وعدم السماح لإسرائيل بطي صفحة الجرائم والتعامل معها وكأن شيئاً لم يكن.

وتعتبر عودة أن تحقيق العدالة والمحاسبة يشكلان شرطاً أساسياً لتجاوز هذه المرحلة "المفجعة" من التاريخ الإنساني.

وتؤكد عودة أن تعاطف الرأي العام العالمي لم يتراجع، معتبرة أن وقف إطلاق النار لا يلغي حقيقة أن المأساة الفلسطينية لم تبدأ في 7 أكتوبر 2023، بل هي جزء من مسار طويل لمحاولات الحركة الصهيونية وإسرائيل طمس الوجود الفلسطيني.

وترى عودة أن أبرز أداة بيد الفلسطينيين اليوم تتمثل في الفتوى القانونية الصادرة عن محكمة العدل الدولية في تموز/يوليو 2024، التي اعتبرت الاحتلال الإسرائيلي غير قانوني وغير شرعي ويجب أن ينتهي، وأكدت أن أي تعاون سياسي أو اقتصادي أو قانوني مع هذا الاحتلال يمثل خرقاً واضحاً للقانون الدولي، كما نصت الفتوى على التزامات قانونية واضحة للدول بإنهاء الاحتلال ومحاسبة إسرائيل، وعلى واجب إسرائيل ليس فقط إنهاء احتلالها، بل أيضاً تعويض الشعب الفلسطيني واللاجئين عن الأضرار الناجمة عنه.

وتشدد عودة على أن الحرب، حتى وإن توقفت، لا تعني توقف إسرائيل عن انتهاك القانون الدولي وحقوق الفلسطينيين، وأن المجال لا يزال واسعاً لمواصلة المطالبة بمحاسبة إسرائيل على جرائمها باستخدام الأدوات القانونية المتاحة.

استبعاد إمكانية ملاحقة نتنياهو في هذا التوقيت

ترى الأكاديمية والمحللة السياسية المصرية د. إيريني سعيد أن توقيع اتفاقية وقف الحرب الأخيرة، التي تبنتها القاهرة بالتعاون مع واشنطن وعدد من الدول العربية، يمثل طفرة سياسية بعد حرب كارثية امتدت لعامين كاملين.

وتؤكد سعيد أن التوصل إلى هذا الاتفاق لم يكن أمرًا سهلاً في ظل التعقيدات الميدانية والسياسية، لكنه شكل تحولًا في مسار الأحداث وفتح الباب أمام مرحلة جديدة مليئة بالتحديات.

وتوضح سعيد أن هناك تبعات وتداعيات كبرى لهذا الاتفاق تحتاج إلى متابعة دقيقة من الأطراف الضامنة، وفي مقدمتها مصر، وتشمل هذه التبعات بحث آليات وصول المساعدات الإنسانية وضمان تدفقها، إضافة إلى التفاهمات مع الجانب الإسرائيلي من أجل تسهيل فتح المعابر من الجهة الفلسطينية، كما أن هناك أهمية للترتيبات الأمنية لضمان استقرار قطاع غزة وتأمينه في المرحلة المقبلة.

وفيما يتعلق بالمساءلة الدولية لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، تستبعد سعيد إمكانية ملاحقته في هذا التوقيت تحديدًا، مشيرة إلى أن الظرف السياسي الراهن، المرتبط بإدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أفرز مساومات ومقايضات بين الطرفين، قد تضمن لنتنياهو حماية من أي ملاحقة سياسية أو جنائية مقابل تمرير التهدئة ووقف الحرب.

وترى سعيد أن الأولوية في هذه المرحلة يجب أن تتركز على ترتيب الأوضاع الميدانية وضمان استمرار وقف الحرب وإدخال المساعدات الإنسانية، معتبرة أن الحديث عن محاكمات أو ملاحقات دولية ينبغي أن يأتي لاحقًا، ضمن أهداف استراتيجية أوسع تشمل إقامة الدولة الفلسطينية وملاحقة مجرمي الحرب.

وتشدد سعيد على أن التحدي الحقيقي أمام المنطقة اليوم هو الانتقال من وقف إطلاق النار إلى تثبيت سلام مستدام، وهو ما يتطلب جهدًا مصريًا وعربيًا ودوليًا متواصلاً، مؤكدة أن الملفات الكبرى، ومنها ملف محاكمة نتنياهو، ستظل مؤجلة حتى يتم تثبيت الترتيبات الأساسية على الأرض.

توقف الحرب لا يعني انتهاء معركة العدالة

يعتبر الكاتب الصحفي نبهان خريشة أن توقف الحرب في غزة لا يعني انتهاء معركة العدالة، بل يفتح الباب واسعاً أمام تساؤلات جوهرية تتعلق بمصير الجرائم المرتكبة ضد المدنيين الفلسطينيين، وعلى رأسها دور المحكمة الجنائية الدولية في ملاحقة المسؤولين الإسرائيليين، وفي مقدمتهم بنيامين نتنياهو.

ويؤكد خريشة أن المجتمع الدولي يقف اليوم أمام اختبار حقيقي: إما أن ينحاز للمحاسبة والعدالة أو يكرر ما حدث في جولات سابقة من ترك الجرائم طيّ النسيان تحت ذريعة "أولوية السلام".

ويوضح خريشة أن المحكمة الجنائية الدولية كانت قد فتحت ملفات جرائم حرب محتملة في الأراضي الفلسطينية، إلا أن هذه الملفات بقيت رهينة ضغوط سياسية وتوازنات دولية معقدة.

ويشير خريشة إلى أنه مع طرح "خطة ترمب" لوقف الحرب وإعادة ترتيب المشهد في المنطقة، برزت مخاوف جدية من أن يتم تعليق المسار القضائي أو حتى إلغاؤه بحجة أن تحقيق السلام يتقدم على مبدأ المحاسبة.

ويشدد على أن العدالة ليست ترفاً سياسياً، بل شرط أساسي لسلام حقيقي ودائم، محذراً من أن أي تسوية لا تتضمن محاسبة واضحة لمن ارتكب الجرائم ستبقى هشّة وتفتقر إلى الشرعية الأخلاقية والقانونية.

وبشأن الرأي العام الدولي، يلفت خريشة إلى أن التجارب السابقة تشير إلى فتور الاهتمام الإعلامي بعد توقف الحروب، لكن ما جرى في غزة هذه المرة مختلف، إذ إن حجم التوثيق والصور والمشاهد التي نقلت عبر الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي كشف بوضوح حجم المعاناة للمدنيين.

ويرى خريشة أن هذا التوثيق خلق وعياً دولياً أعمق، وربما إصراراً أكبر على ملاحقة الجناة، خاصة مع تنامي دور منظمات حقوق الإنسان والمجتمع المدني التي باتت تمتلك أدوات أقوى للضغط القانوني والإعلامي.

ويؤكد أن تحقيق العدالة لا يقتصر على محكمة العدل الدولية، بل يتطلب استمرار التوثيق، وتوسيع شبكة المحامين والمنظمات المعنية، وخلق تحالف دولي من البرلمانيين والمثقفين المناهضين للإفلات من العقاب.

ويدعو خريشة القيادة الفلسطينية إلى جعل ملف المحاسبة أولوية قصوى في أجندتها السياسية والدبلوماسية.

ويقول خريشة: "إن منطق (العدالة أولاً) يقتضي التذكير بأن السلام الذي لا يقوم على العدالة ليس سوى هدنة مؤقتة بين حربين، وأن تحويل التعاطف الدولي إلى فعل سياسي وقانوني منظم هو الطريق الوحيد لضمان عدم تكرار المأساة الفلسطينية".

المحكمة ملزمة بمعايير لا يمكن التراجع عنها

يرى الكاتب والمحلل السياسي محمد هواش أن التوجهات الدولية لمحاكمة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الحرب السابق غالانت أمام المحكمة الجنائية الدولية لن تتراجع، رغم الضغوط الأميركية الواسعة على المحكمة والمؤسسات الدولية المعنية بجرائم الحرب.

ويؤكد هواش أن المحكمة، بصفتها مؤسسة دولية، ملزمة بمعايير لا يمكن التراجع عنها، لكنها تعتمد على الدول لتنفيذ أحكامها، وهو ما يواجه عراقيل بسبب تهديدات وضغوط واشنطن التي تسعى لحماية المسؤولين الإسرائيليين.

ويشير هواش إلى أن هذا الحكم سيبقى "سيفاً مسلطاً" على إسرائيل وقيادتها وسلوك جيشها في الميدان، في ظل مخاوف إسرائيلية من ملاحقة ضباطها، وهو ما دفع تل أبيب إلى اتخاذ إجراءات لحماية جنودها من الاعتقال خلال سفرهم إلى الخارج، عبر حملات توعية ودعم سياسي ودبلوماسي.

ويؤكد أن التعاطف الدولي مع القضية الفلسطينية مختلف عن المسار القضائي، موضحاً أن الرأي العام العالمي بات أكثر وعياً بانتهاكات إسرائيل التي ارتكبت "حروب إبادة وتجويع وأعمالاً ترقى إلى الفاشية والنازية".

ويوضح هواش أن الصورة الأخلاقية لإسرائيل انهارت أمام العالم، بعدما انكشف زيف ادعاءاتها بأنها "دولة ديمقراطية تحترم حقوق الإنسان".

وبحسب هواش، فإن هذا الوعي الدولي الجديد تجاه القضية الفلسطينية لن يتراجع، إذ شكّل منعطفاً في نظرة الشعوب إلى إسرائيل، لكنه لا يعني بالضرورة تحولاً إلى حراك ضاغط يفرض تنفيذ قرارات المحكمة ضد نتنياهو وغالانت، لأن معظم الدول تخشى الدخول في مواجهة مباشرة مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

ويستبعد هواش أن تتحول التظاهرات الشعبية والضغط الجماهيري الدولي إلى قوة دافعة لتنفيذ الأحكام بحق نتنياهو وغالانت، لافتاً إلى أن "الشعوب سرعان ما تنسى مثل هذه القضايا".

ويشدد هواش على أن المهم دولياً هو أن الكذبة التي سوقتها إسرائيل لعقود بأنها دولة ديمقراطية تشارك الغرب قيمه الأخلاقية والثقافية "انتهت ولم تعد تقنع أحداً".

ويرى هواش أن هذا التحول ينعكس اليوم في إعادة تشكيل الرأي العام العالمي، بما في ذلك داخل الولايات المتحدة وأوساط الحزبين الكبيرين الديمقراطي والجمهوري، على نحو يضع إسرائيل مجدداً أمام سؤال وجودي، ويعيد الاعتبار لحقوق الشعب الفلسطيني في الوعي الدولي.

دلالات

شارك برأيك

بعد توقف الحرب.. هل تتواصل ملاحقة نتنياهو في "الجنائية الدولية"؟

فلسطيني قبل 8 شهر

نابلس - فلسطين 🇵🇸

يجب ملاحقة مجرمي الحرب واولهم نتنياهو وكانتس وآخرين من زمرة الاحتلال وعلى المؤسسات الفلسطينية والعربية والإسلامية أن تتضامن كلها لمعاقبة هؤلاء المجرمين لأنهم ملاحقون من قبل الاحتلال اولا واخيرا

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.