عربي ودولي

الجمعة 17 أكتوبر 2025 7:05 مساءً - بتوقيت القدس

سلام ترمب الموعود لن يتحقق ما لم يوقف سياسات الضم الإسرائيلية للضفة الغربية

واشنطن- "القدس" دوت كوم – سعيد عريقات

  1. مع دخول اتفاق وقف إطلاق النار في غزة حيّز التنفيذ وعودة الأسرى إلى ذويهم أسبوعه الثاني ، تنفّس الفلسطينيون والإسرائيليون الصعداء بعد حربٍ مدمّرة دامت أكثر من عامين. وفيما نسبت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى نفسها الفضل في إنجاز الهدنة التي استعصت على الأطراف لأكثر من عامين، (باستثناء وقف إطلاق النار بين 19 كانون الثاني-و18 آذار، كسره نتنياهو باستئناف الحرب)، فإن ما يبدو اليوم "انتصارًا دبلوماسيًا" قد يتحوّل سريعًا إلى فرصة ضائعة إذا لم تُترجم هذه الهدنة إلى مسارٍ سياسي شامل يعالج جذور الصراع في الضفة الغربية، حيث تتراكم مؤشرات الانفجار بحسب الخبراء.


من غزة إلى الضفة: بؤرة التوتر الجديدة


بينما تنشغل الأنظار بمرحلة ما بعد الحرب في غزة، تتجه بوصلة التوتر مجددًا نحو الضفة الغربية، التي تشهد تصعيدًا متسارعًا يجعلها مرشحة لتكون ساحة المواجهة المقبلة. فسياسات حكومة الاحتلال الإسرائيلي الحالية، المدفوعة بنزعة الضمّ والتوسّع، تتسارع بوتيرة غير مسبوقة تحت غطاء الانشغال الإقليمي والدولي. ويرى مراقبون أن هذا التصعيد قد يُفشل أيّ إمكانية لتحويل هدنة غزة إلى سلامٍ دائم.


وتفيد مصادر مطلعة أن أولوية إدارة ترمب، تركز حاليا على استكمال وقف إطلاق النار في غزة، واستعادة رفات كل الأسرى الإسرائيليين الأموات ، والإسراع بدخول المساعدات إلى غزة، والانتقال للمرحلة الثانية.


وبحسب تلك المصادر ، فإن الإدارة لم تتخذ أي خطوات عملية للضغط على على إسرائيل لوقف استشراء المستوطنات، أو عنف المستوطنين ، أو بالنسبة لكثرة التصريحات من مسؤوليين إسرائيل بشأن ضم الضفة الغربية المحتلة، علما بأن الرئيس الأميركي أشار إلى أن الحديث عن الضم، سيعقد المساعي قدما إلى التوصل إلى حل شامل للصراع الفلسطيني الإسرائيلي وفق قوله.    


تصعيد استيطاني غير مسبوق


قبل اندلاع حرب السابع من من تشرين الأول 2023، بلغ عدد البؤر الاستيطانية في الضفة الغربية نحو 190 موقعًا. أما اليوم، فقد ارتفع العدد إلى 304 بؤرة، بعدما أنشأت إسرائيل خلال أقل من عامين 114 بؤرة جديدة، بعضها على شكل مزارع زراعية وأخرى كمجتمعات سكنية صغيرة أقيمت فوق أراضٍ فلسطينية مصادَرة.


وفي موازاة ذلك، شرّعت الحكومة الإسرائيلية 11 بؤرة استيطانية كانت غير قانونية، وقدّمت دعمًا بنيويًا كاملًا لـ68 موقعًا زراعيًا استيطانيًا جديدًا. ولتحقيق ذلك، صادرت نحو 55 ألف دونم من الأراضي الفلسطينية عبر أوامر عسكرية وتصنيفها “أراضي دولة”. ووفق تقديرات المراقبين، فإن هذه الإجراءات تهدف إلى فرض واقع ميداني دائم يجعل من قيام دولة فلسطينية متصلة جغرافيًا أمرًا شبه مستحيل.


مشروع E1… الخطر الأكبر


وبحسب ما نشره السفير الأميركي السابق لدى إسرائيل، دانيال كيرتزر في مجلة "السياسة الخارجية" ، يُعدّ إحياء مشروع المنطقة E1، الواقعة بين القدس ومستوطنة "معاليه أدوميم"، أخطر ما في سياسات الضم الحالية. فهذا المشروع، الذي لطالما عارضته الإدارات الأميركية السابقة، سيقسم الضفة فعليًا إلى شمال وجنوب، ويقضي على أيّ إمكانية لقيام دولة فلسطينية مترابطة.


لكن إدارة ترمب هذه المرة لم تُبدِ أيّ اعتراض حقيقي، وفق ما يقوله كيرتزر، "بل أظهرت تساهلًا لافتًا. فقد صرّح السفير الأميركي في تل أبيب، مايك هاكبي، بأن مشروع E1 "قرارٌ إسرائيلي داخلي، مضيفًا أن واشنطن لا تعتبره انتهاكًا للقانون الدولي؛ إنهذا الموقف الأميركي يُفسَّر إسرائيليًا على أنه ضوء أخضر غير معلن للمضي في سياسات الضم وتوسيع الاستيطان".


انفلات أمني وتصاعد العنف


على وقع هذا التمدد الاستيطاني، تشهد الضفة الغربية تدهورًا أمنيًا متسارعًا. فمنذ بداية عام 2023، قُتل 999 فلسطينيًا، بينهم عشرات المدنيين، في عمليات نفّذتها قوات الاحتلال والمستوطنون المسلحون. كما نفذ الجيش الإسرائيلي أكثر من 7,500 عملية مداهمة خلال عام 2025 وحده، واعتقل ما يزيد على 20 ألف فلسطيني.


في المقابل، أسفرت الهجمات الفلسطينية عن مقتل 41 إسرائيليًا في الضفة و17 داخل إسرائيل، نفذ بعضها أفراد بشكل منفرد، فيما نفذت مجموعات مقاومة مثل "عرين الأسود" وكتائب شهداء الأقصى هجمات أخرى. وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى وقوع أكثر من 3,000 حادثة عنف نفّذها مستوطنون ضد الفلسطينيين خلال العامين الماضيين، ما يعكس حالة الانفلات وفشل أجهزة الاحتلال في كبح عنف المستوطنين.


يحذر كيرتزر أن هذا الواقع يجعل من الضفة الغربية المحتلة برميل بارودٍ قابلًا للانفجار في أي لحظة، خاصة مع تصاعد الأصوات داخل الائتلاف الحكومي الإسرائيلي المطالبة بـ"تعويض سياسي" مقابل القبول بوقف النار في غزة، وهو ما يُترجم على الأرض بمزيد من التوسع الاستيطاني والضم الزاحف.


ترمب بين اختبار السلام وضغوط اليمين


يشار إلى أنه حتى الآن، لم تُبدِ إدارة ترمب أيّ رغبة حقيقية في مواجهة سياسات الضم الإسرائيلية. بل على العكس، ألغت العقوبات التي فرضها الرئيس السابق جو بايدن على مستوطنين متطرفين، وامتنعت عن وصف الأنشطة الاستيطانية بأنها غير قانونية. ويُعرف السفير الأميركي الحالي بمواقفه الداعمة لضمّ أجزاء واسعة من الضفة، ما يعزز شعور اليمين الإسرائيلي بالحماية السياسية من واشنطن.


لكن استمرار هذا النهج يعني دفن أيّ أملٍ بسلام شامل. فوقف النار في غزة لا يمكن أن يُعدّ سلامًا مكتملًا ما لم يُوقف التوسع في الضفة الغربية. وإذا أراد ترمب ترجمة إنجازه في غزة إلى اختراق سياسي حقيقي، فعليه أن يستخدم نفوذ واشنطن لكبح سياسات الضم، ووقف عنف المستوطنين، ومنع تنفيذ مشروع E1، والضغط على إسرائيل لوقف مصادرة الأراضي وشرعنة البؤر الاستيطانية.


مسؤوليات فلسطينية موازية


في المقابل، يقول كيرتزر :"يُفترض بالسلطة الفلسطينية أن تُعيد ترتيب صفوفها وتستعيد زمام المبادرة الأمنية والسياسية في الضفة. فهي مطالَبة بفرض النظام وضبط الفصائل المسلحة التي تستغل الفراغ الأمني، وتوسيع سلطتها إلى ما بعد حدود رام الله لتبقى طرفًا فاعلًا ومصداقًا في أي مفاوضات قادمة".


الفرصة الأخيرة قبل الإنفجار


ويشير السفير الأميركي السابق، إلى أنه لا تزال هناك فرصة لتجنب حربٍ جديدة في الضفة الغربية المحتلة، "لكن تحقيق ذلك يتطلب قيادة أميركية أكثر حزمًا وبعد نظرٍ سياسي. فاستمرار الغموض في موقف واشنطن سيؤدي إلى تكرار دوامة الصراع ذاتها: هدنة في غزة، تصعيد في الضفة، ثم حرب جديدة تنتهي إلى اللاشيء".


ويؤكد كيرتزر أن الطريق إلى سلامٍ دائم ما زال طويلًا وشاقًا، لكنه يبدأ من الاعتراف بأن الضفة الغربية هي جبهة السلام الحقيقية الآن. تجاهلها أو تركها فريسة لسياسات الضم سيعني ببساطة إعادة إنتاج الصراع بأشكالٍ أكثر عنفًا ودموية، "وإذا كان ترمب جادًّا في سعيه لتثبيت إنجازه في غزة، فعليه أن يُثبت قدرته على ضبط إسرائيل في الضفة — وإلا فإن "الانتصار الدبلوماسي" الذي يفاخر به لن يكون سوى هدنة مؤقتة على طريق حربٍ جديدة".

دلالات

شارك برأيك

سلام ترمب الموعود لن يتحقق ما لم يوقف سياسات الضم الإسرائيلية للضفة الغربية

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.