حين يطل دونالد ترمب من جديد حاملا راية "السلام"، يدرك المتابع اننا أمام رجل صفقات لا رجل دولة، فمنذ أن قرر اعتبار القدس عاصمة لدولة الاحتلال وضم الجولان، انكشف جوهر سياسته التي لا ترى في العدالة او القانون الدولي سوى عائق امام الهيمنة، ولا تفهم السلام الا كصفقة يربح فيها القوي ويدفع ثمنها الضعفاء.
ما فعله ترمب لم يكن مجرد انحياز سياسي، بل كان تحولا خطيرا في مفهوم الوساطة الأميركية، فواشنطن التي ادعت لعقود انها راعية للسلام، تحولت في عهده الى شريك مباشر للاحتلال، يمنحه الشرعية والغطاء السياسي مقابل مكاسب انتخابية واقتصادية، وبهذا المعنى، فإن ما سمي بـ"خطة ترمب" لن يكون سوى محاولة لتصفية القضية الفلسطينية تحت لافتة السلام، يكرس الوقائع التي فرضها جيش الاحتلال على الارض، من الاستيطان الى تهويد القدس، ومن خنق غزة إلى محو فكرة الدولة الفلسطينية من الخطاب الدولي.
سياسات ترمب لم تسعَ يوماً إلى معالجة الجذور الحقيقية، بل اكتفت بتجميل ملامح الاحتلال وتدوير أزماته في إطار صفقات شكلية، فهو لا يتعامل مع الاحتلال بوصفه جوهر المشكلة، بل كواقع يجب التكيف معه، لذلك ركز على مشاريع اقتصادية سطحية وتطبيع علني، متجاهلا جذور المظالم التاريخية المتمثلة في سلب الأرض وتهجير الشعب الفلسطيني، وبهذا المعنى، فإن "السلام" في قاموس ترمب ليس عملية تحول عادل، بل تجميل لواقع الاحتلال، يهدف الى تسويقه للعالم كأنه حل، فيما هو في جوهره استمرار للهيمنة بأدوات أكثر "نعومة".
لكن المعضلة لا تتوقف عند ترمب وحده، فالمشهد العربي الرسمي بدا عاجزا ومفتتا، يكتفي بردود فعل لفظية بلا ادوات ضغط حقيقية، دول وجدت نفسها مجددا في واجهة المشهد، لكنها غير قادرة على فرض موقف، بل تتحرك ضمن هامش ضيق تمليه ضرورات الامن والاقتصاد، لا اعتبارات الدور والمكانة، اما بقية العواصم العربية، فبعضها هرول نحو التطبيع تحت شعار "الواقعية"، وبعضها اكتفى بالصمت، وكأن التاريخ يكتب من دونهم.
هذه التحولات تطرح اسئلة قاسية حول موقع العرب في معادلة القوة الجديدة؛ هل صار مصير القدس واللاجئين والأرض يقرر بعيدا عنهم، فيما تكتفي عواصمهم بمتابعة نشرات الأخبار؟ وهل يمكن لمنظومة رسمية فقدت وزنها الاستراتيجي ان تعيد تعريف السلام بمعناه الحقيقي، القائم على العدالة وإنهاء الاحتلال لا على تزيينه؟
اليوم، بعد تدمير غزة، تتوسع المستوطنات في الضفة الغربية بلا رادع، وقضم الارض شبرا شبرا، فيما يتحدث ترمب وحلفاؤه عن "سلام اقتصادي" يربط الفلسطينيين بمشاريع استثمارية بدلا من ربطهم بحقوقهم الوطنية، في صيغة جديدة من السيطرة، تعتمد المال بديلا عن الحرية، والوعود بديلا عن الدولة او السيادة.
ومع ذلك، ما زالت هناك إمكانية لكسر هذا المسار، فالقانون الدولي رغم كل عيوبه، ما زال يحمل نصوصا واضحة، يمكن تحويلها الى اداة مقاومة سياسية، خاصة اذا ما توحد الموقف الاسلامي والعربي ومعه الفلسطيني حول استراتيجية واضحة؛ تفعيل المسار القانوني في محكمة العدل الدولية، واعادة تعريف القضية الفلسطينية في الخطاب العالمي باعتبارها معركة تحرر وحقوق، لا نزاعا عقاريا او أمنيا كما يحاول وحلفاؤه تصويرها.
قد يظن ترمب انه رسم خريطة جديدة للمنطقة، لكن ما فعله في الحقيقة هو إظهار الوجه الحقيقي للاحتلال في أوضح صوره، في محاولة لغسل يديه من دم الفلسطينيين، وفي ذات الوقت إظهار مدى العجز العربي في لحظة مفصلية، ومع ذلك، تبقى الحقيقة ثابتة؛ لا سلام يفرض بالقوة، ولا شرعية تبنى على الصفقات، فالقدس ليست بندا تفاوضيا، لن تنسى او تمحى من الذاكرة، وفلسطين غير قابلة للبيع في مزاد الاقتصاد أو السياسة.





شارك برأيك
ترمب... صانع صفقات لا صانع سلام