د. سعيد شاهين: المرحلة الأولى من مقترح ترمب بداية مسار تفاوضي طويل يمنح إسرائيل مساحة واسعة للمماطلة والتسويف
نور عودة: مشهد ما بعد الحرب لا يزال مجهولاً والأخطار السياسية كبيرة ومتعددة من بينها فكرة الانتداب الدولي الجديد برئاسة بلير
د. عبد المجيد سويلم: خروج "حماس" من السلطة لا يعني خروجها من المشهد السياسي وهي لا تزال تمتلك قاعدة جماهيرية كبيرة بغزة
د. تمارا حداد: ما تم التوصل إليه ليس اتفاقاً دائماً بل هدنة هشة ومؤقتة تُختبَر فيها النوايا السياسية أكثر مما تُكرَّس فيها الحقوق الفلسطينية
طلال عوكل: لا ضمانات حقيقية لالتزام إسرائيل بأي اتفاق لا يخدم مصالحها المباشرة نظراً لسجلها المعروف في التنصل من الاتفاقات السابقة
د. عمرو حسين: بعض المشاريع المطروحة لإعادة إعمار القطاع تحمل في جوهرها وصاية دولية أو إقليمية تتجاوز الإرادة الوطنية الفلسطينية
تتواصل حالة الغموض السياسي حول ملامح "اليوم التالي" للحرب على قطاع غزة، في ظلّ تفاهماتٍ أوليةٍ تم التوصل إليها في شرم الشيخ لتطبيق المرحلة الأولى من خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب لوقف الحرب على قطاع غزة، وصفت بأنها بداية لمسار تفاوضي طويل ومعقّد يمتد على مراحل متعددة، تتطلب جولات تفاوضية متواصلة.
ورغم أهمية وقف إطلاق النار وبدء إدخال المساعدات الإنسانية، فإن كتاباً ومحللين ومختصين يحذرون، في أحاديث منفصلة لـ"ے"، من أن ما يجري لا يتجاوز هدنة مؤقتة هشّة تخضع لاختبارات النوايا السياسية، في غياب ضمانات حقيقية تلزم إسرائيل بأي التزامات.
ووسط الحديث عن مجلس سلام دولي برئاسة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترمب، يشرف على إدارة غزة مؤقتاً بمشاركة عربية ودولية، تتصاعد المخاوف من تحول الإدارة الانتقالية إلى وصاية دولية طويلة الأمد، خصوصاً في ظل تداول اسم توني بلير لتولي لإدارة القطاع، وهو ما يُنظر إليه كمحاولة لإعادة إنتاج شكل جديد من "الانتداب السياسي المقنّع".
ويرى الكتاب والمحللون والمختصون أن مستقبل غزة سيتوقف على قدرة الفلسطينيين على بلورة موقف وطني موحّد يمنع أي وصاية خارجية، ويضمن بقاء القرار الفلسطيني مستقلاً، في وقت تتجه فيه الأنظار إلى إمكانية إعادة السلطة الفلسطينية إلى القطاع.
خطوة بالغة الأهمية في مسار إنهاء حرب الإبادة
يؤكد أستاذ الإعلام السياسي في جامعة الخليل د. سعيد شاهين أن التوصل إلى اتفاق المرحلة الأولى من مقترح الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، يمثل خطوة بالغة الأهمية في مسار إنهاء حرب الإبادة على الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، مشدداً على أن الأهم في هذه المرحلة هو وقف نزيف الدم وتمكين المدنيين من التقاط أنفاسهم، وبدء تدفق المساعدات الإغاثية المنقذة للحياة إلى القطاع المنكوب.
وبحسب شاهين، فإنّ "المرحلة الراهنة لا تقتصر على إنهاء العمليات العسكرية، بل تفتح الباب أمام مرحلة سياسية غامضة ومعقدة"، موضحاً أن السيناريوهات المقبلة تبدو أكثر قتامة ورمادية في حال لم تلتزم إسرائيل بالمضي قدماً في مفاوضات المراحل التالية من الاتفاق، خصوصاً أن لها "سجلاً طويلاً في التنصل من التزاماتها، كما حدث في اتفاقات أوسلو ووقف إطلاق النار مع لبنان وسوريا".
ويشير شاهين إلى أن المرحلة الأولى من مقترح ترمب ستُستكمل على الأرجح، لكنها لن تكون سوى بداية لمسار تفاوضي طويل يمتد عبر 19 مرحلة من البنود التفصيلية، يتطلب كل منها جولات مطوّلة من المفاوضات، الأمر الذي يمنح إسرائيل "مساحة واسعة للمماطلة والتسويف"، تماماً كما فعلت سابقاً في اتفاق أوسلو.
ويبيّن أن ما يسمى مجلس السلام برئاسة ترمب سيتولى إدارة المرحلة المقبلة، وسيشرف على إدارة قطاع غزة عبر توني بلير الذي وصفه بأنه "سيئ الصيت والسمعة"، مشيراً إلى أن الخطة المطروحة تتحدث عن مرحلة انتقالية تمتد لعشر سنوات، تُدار خلالها غزة من قبل حكومة تكنوقراط، بإشراف مباشر من مجلس السلام الذي سيتولى كذلك إدارة أموال إعادة الإعمار لمدة قد تصل إلى عشرين عاماً.
أطماعاً اقتصادية حقيقية في القطاع
ويؤكد شاهين أن هناك أطماعاً اقتصادية حقيقية في قطاع غزة، إذ يسعى رجال أعمال نافذون، من بينهم جاريد كوشنر صهر ترمب، إلى استغلال مرحلة ما بعد الحرب ضمن مشروع اقتصادي ضخم يسمى "خطة لبناء الجنة الموعودة"، وضع تفاصيلها كل من ترمب وبلير وكوشنر وآخرون لإعادة صياغة مستقبل غزة والمنطقة.
ويتوقع شاهين تدخلاً أمريكياً مباشراً في إدارة غزة بعد حصوله على "مباركة عربية وإسلامية"، موضحاً أن واشنطن ترى في بلير شريكاً أساسياً في إعادة الإعمار وفرض الأمن، بمشاركة قوة عربية–إسلامية لحفظ الاستقرار في القطاع.
وحول المشهد الفلسطيني الداخلي، يوضح شاهين أن استبعاد حركة "حماس" والفصائل الأخرى من إدارة غزة أمر شبه مستحيل، لأنها "جزء من النسيج الاجتماعي والسياسي للقطاع"، متوقعاً أن تتحول هذه الفصائل إلى قوى سياسية جديدة تعمل تحت مظلة منظمة التحرير الفلسطينية في حال التزمت إسرائيل بتنفيذ بنود المراحل اللاحقة.
ويؤكد شاهين أن دعوة "حماس" لإعادة ملف إدارة القطاع إلى منظمة التحرير والسلطة الوطنية تتيح للوسطاء فرصة أكبر للضغط من أجل إشراك السلطة في إدارة غزة مستقبلاً، إذا وافقت إسرائيل على ذلك بضمانات أمريكية.
ويرى شاهين أن الاعتراف الدولي بدولة فلسطين يشكل عاملاً مساعداً في هذا الاتجاه، مشيراً إلى أن ترمب يسعى لاستثمار الاتفاق لتحقيق مكاسب سياسية وشخصية طالما سعى إليها، "حتى وإن جاءت على أنقاض الدماء والدمار الذي خلفته الحرب".
صورة "اليوم التالي" لا تزال ضبابية
تؤكد الكاتبة والمحللة السياسية المتخصصة في الشؤون الدبلوماسية والعلاقات الدولية نور عودة أنّ "صورة اليوم التالي للحرب على غزة لا تزال ضبابية"، مشيرةً إلى أن ما يجري حالياً هو "مرحلة تنفس صعداء" في ظل وجود أفق محتمل لوقف إطلاق النار، وهو ما اعتبرته خطوة إيجابية لمنع مزيد من سفك الدماء.
وتوضح عودة أن مشهد ما بعد الحرب لا يزال مجهول المعالم، وأن الأخطار السياسية التي تلوح في الأفق كبيرة ومتعددة، من بينها فكرة الانتداب الدولي الجديد على غزة برئاسة رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير، الذي وصفت سمعته بـ"السيئة".
وتحذّر عودة من أن هذا المشروع يتطلب "الكثير من العمل والجهد والمسؤولية الوطنية الفلسطينية"، مؤكدة أن مواجهة مثل هذا المخطط لا يمكن أن تتم إلا بـ"ذكاء سياسي وعمل دبلوماسي هادئ ومتقن"، مشددة على أن حكم قطاع غزة يجب أن يكون فلسطينياً بالكامل، حتى لو كانت هناك مساهمة عربية ودولية مؤقتة في إدارة قطاع غزة خلال المرحلة الانتقالية.
وتشدد على أن هناك توافقاً دولياً على ضرورة أن يكون الحكم في غزة بيد الفلسطينيين، لكنها تشدد على أن قدوم شخصية دولية مثل توني بلير لتولي إدارة القطاع أو فصله سياسياً عن الضفة الغربية يمثل خطراً بالغاً على مستقبل القضية الفلسطينية ووحدتها الجغرافية والسياسية.
السؤال عن مستقبل "حماس" برسم الحركة نفسها
وفيما يتعلق بمستقبل حركة "حماس" بعد الحرب، توضح عودة أنّ هذا السؤال "برسم الحركة نفسها"، موضحة أن هناك توافقاً دولياً على منع أي دور سياسي لحماس في إدارة غزة، من دون أن يعني ذلك إلغاء وجودها أو تجاهل كونها جزءاً من النسيج الاجتماعي والسياسي للشعب الفلسطيني.
وتؤكد أن "المرحلة المقبلة تتطلب من حركة "حماس" وقفة مع الذات وتحديد مسارها السياسي وكيفية تأقلمها مع المتغيرات"، بحيث تعيد ترتيب صفوفها وتصبح جزءاً فاعلاً ومقبولاً في الساحة الفلسطينية.
وتوضح عودة أن الأولوية في المرحلة المقبلة يجب أن تكون لحماية الشعب الفلسطيني وبقائه على أرضه، وترسيخ نظام حكم يخدم الناس ويعبّر عن تطلعاتهم، بعيداً عن تحميلهم مزيداً من الأعباء بعد ما عانوه من دمار وألم.
وتشير عودة إلى أن "الأسئلة الكبرى حول مستقبل غزة ما زال من المبكر طرحها في ظل استمرار النزيف الإنساني والسياسي".
"الوصاية الدولية" في إطار البحث والتدارس
يؤكد الكاتب والمحلل السياسي د. عبد المجيد سويلم أن فكرة التواجد الدولي أو ما يُعرف بـ"الوصاية الدولية" على قطاع غزة لا تزال في إطار البحث والتدارس، مرجّحاً في الوقت ذاته عدم إمكانية تطبيق أي صيغة من صيغ الانتداب الدولي سواء كانت بقيادة توني بلير أو غيره، معتبراً أن هذه الطروحات "تتجاوز الواقع والموقف الشعبي في غزة".
ويوضح سويلم أن الحديث عن وصاية أجنبية أو إشراف دولي شامل على قطاع غزة "أمر مشكوك فيه من حيث المبدأ"، لافتاً إلى أن ما يمكن قبوله فقط هو تشكيل لجنة إشرافية محدودة بمهام وضوابط معينة، دون أن تصل إلى مستوى الانتداب أو الوصاية.
ويبيّن أن هذه المقترحات تُعد في جوهرها "محاولة أمريكية– أوروبية، لا سيما من الجانب الأمريكي، لاسترضاء إسرائيل ودفعها للموافقة على إنهاء الحرب"، مشيراً إلى أن إسرائيل قد تسعى لتصوير أي إدارة مدنية مقبلة لغزة بأنها "تحت إشراف دولي"، وبالتالي "تحت سيطرتها غير المباشرة".
ويؤكد سويلم أن الواقع الميداني والحقائق على الأرض لا تسمح بإقامة إدارة أجنبية أو لجنة ذات صلاحيات قيادية على غزة، لافتاً إلى أن الخطة السياسية المقبلة بعد الحرب تغيّرت بشكل جوهري، وأن إدارة القطاع في المرحلة المقبلة ستكون فلسطينية بالأساس، مع بعض الاشتراطات الشكلية حول تركيبتها وصياغتها.
وفي حديثه عن مستقبل حركة "حماس"، يرى سويلم أن الحركة "لن تتمسك بالبقاء في السلطة" في ظل الدمار الواسع الذي أصاب المرافق والبنى التحتية في القطاع، من مستشفيات ومدارس وجامعات وشبكات كهرباء ومياه، مؤكداً أن حماس "هي من ستسعى للخروج من السلطة بنفسها"، لأنها "سلطة غير شرعية دولياً وسط واقع مأساوي لا يمكنها الاستمرار فيه".
ويشدد سويلم على أن خروج "حماس" من السلطة لا يعني خروجها من المشهد السياسي، مشيراً إلى أن الحركة ما زالت تمتلك قاعدة جماهيرية كبيرة في غزة، وأن الحديث عن عزلها "يفتقر إلى الواقعية وسيتضح زيفه خلال أسابيع قليلة".
ويشير سويلم إلى أن عودة السلطة الفلسطينية إلى قطاع غزة لن تكون ممكنة إلا في إطار توافق وطني شامل، يضع حداً لحالة الانقسام، موضحاً أن الانقسام اليوم لم يعد مؤسساتياً بل أصبح سياسياً بحتاً.
وبحسب سويلم، فإن المرحلة المقبلة قد تشهد توحيداً للرؤية الفلسطينية وإعادة ترتيب البيت الداخلي، بحيث تكون عودة السلطة إلى غزة "نتيجة لمصالحة وطنية جدية"، مؤكداً أن عودة السلطة "لن تكون سهلة"، لكنها ضرورية لإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني على أسس جديدة بعد انتهاء الحرب.
موازين قوى جديدة في الشرق الأوسط
تؤكد الباحثة السياسية د. تمارا حداد أن ما جرى في شرم الشيخ لم يكن مجرد اجتماع تفاوضي أو اتفاق مرحلي بين أطراف الصراع، بل كان مشهداً دولياً مصغراً يعكس موازين القوى الجديدة في الشرق الأوسط، موضحة أن مشاركة الولايات المتحدة، ومصر، وتركيا، وقطر في المباحثات تمثل دلالة واضحة على تحولات إقليمية جذرية في خريطة التحالفات والتوازنات بالمنطقة.
وتشير حداد إلى أن المباحثات تركزت حول خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، والتي نصت على وقف إطلاق النار على مراحل، حيث إن المرحلة الأولى من الخطة تمحورت حول إخراج الرهائن وانسحاب جزئي للقوات الإسرائيلية من مناطق محددة داخل قطاع غزة بنسبة تقارب 50%، مقابل إدخال ما بين 400 إلى 600 شاحنة مساعدات إنسانية يومياً، بإشراف مصري–قطري–تركي مشترك.
وتؤكد حداد أن ما تم التوصل إليه لا يمكن وصفه باتفاق دائم، بل هو هدنة هشة ومؤقتة تُختبَر فيها النوايا السياسية للطرفين أكثر مما تُكرَّس فيها الحقوق الفلسطينية، موضحة أن غياب الضمانات الحقيقية لالتزام إسرائيل بوقف العدوان يجعل من الصعب على هذه الهدنة أن تصمد طويلاً، خاصة في ظل تجارب سابقة مماثلة مثل اتفاقات أوسلو ووقف إطلاق النار في لبنان وسوريا.
إنقاذ الحكومة الإسرائيلية ورئيسها
وتشير حداد إلى أن الهدف الأساسي من التفاهمات الحالية هو إنقاذ الحكومة الإسرائيلية ورئيسها بنيامين نتنياهو من أزمته الداخلية والعزلة السياسية المتصاعدة.
وتوضح حداد أن الرئيس ترمب مارس ضغوطاً مكثفة على تل أبيب للقبول بالصفقة، رغبةً في تحقيق إنجاز سياسي دولي يعزز صورته الشخصية.
وفيما يتعلق بـ"اليوم التالي" للحرب، توضح حداد أن خطة ترمب تتضمن تشكيل ما يسمى مجلس السلام برئاسة ترمب نفسه، ويضم شخصيات أجنبية، على أن يعمل هذا المجلس كـ"سلطة انتقالية مؤقتة" لإدارة قطاع غزة، تشمل جوانب إدارية واقتصادية وسياسية. وتبين حداد أن هذه السلطة ستحتاج إلى إدارة مدنية فلسطينية موازية لضمان تنفيذ المهام اليومية، معتبرة أن الرفض الفلسطيني القاطع لأي شكل من أشكال الانتداب الدولي بقيادة توني بلير يمثل موقفاً واضحاً يرفض الوصاية الأجنبية.
التحذير من تحوّل الإدارة الدولية المؤقتة إلى دائمة
وتتوقع حداد أن تكون الإدارة الدولية مؤقتة ولكنها تحذّر من احتمال تحولها إلى دائمة ما لم يُرتّب واقع فلسطيني داخلي يضمن انتقالاً حقيقياً للسلطة الفلسطينية داخل غزة.
وبحسب حداد، فإن السيناريو الأقرب هو قيام إدارة دولية مؤقتة تحت إشراف عربي–دولي، تنظم الأمن وتراقب وقف إطلاق النار وإعادة الإعمار، بمشاركة السلطة الفلسطينية كطرف مدني مسؤول عن الخدمات والإدارة الجزئية للأمن الداخلي.
وتبين حداد أن دخول السلطة تدريجياً في إدارة القطاع يمنحها شرعية مؤسسية جديدة، ويساعد في تحقيق وحدة مؤسساتية بين الضفة الغربية وغزة، ما يساهم في تعزيز فرص الاعتراف الدولي بالدولة الفلسطينية مستقبلاً.
وتشير إلى أن أحد السيناريوهات المطروحة يتضمن تشكيل حكومة وحدة فلسطينية انتقالية من التكنوقراط، تعمل تحت إشراف دولي لإدارة الملفات المدنية والخدمات والبنية التحتية، على أن تتحول حركة حماس تدريجياً إلى حزب سياسي يشارك في العملية السياسية دون دور عسكري أو أمني.
وتحذّر حداد من أن إسرائيل تعارض أي عودة حقيقية للسلطة الفلسطينية إلى غزة، إذ تسعى إلى فرض نظام حكم عسكري وأمني مباشر داخل القطاع وإقامة منطقة عازلة خاضعة لرقابتها الأمنية، بدعم من اليمين المتطرف بقيادة بن غفير وسموتريتش.
وتؤكد حداد أن مستقبل غزة سيُحسم بمدى قدرة الفلسطينيين على فرض دور وطني موحّد في إدارة القطاع، مشددة على أن وجود السلطة الفلسطينية داخل غزة يشكّل الضمانة الأساسية لأي استقرار سياسي، في ظلّ محاولات الأطراف الدولية تحويل الإدارة المؤقتة إلى وصاية طويلة الأمد.
القدرة على المناورة في المرحلة الأولى تكاد تكون معدومة
يرى الكاتب والمحلل السياسي طلال عوكل أن التوقيع الذي أقدمت عليه حركة "حماس" على الاتفاق الجاري في شرم الشيخ المصرية، بانتظار المصادقة النهائية والإلزامية عليه، يفتح الباب أمام مرحلة التنفيذ خلال الساعات المقبلة، موضحاً أن قدرة الطرفين –"حماس" وإسرائيل– على المناورة في المرحلة الأولى من الاتفاق تكاد تكون معدومة تماماً، نظراً للطبيعة الحساسة للبنود الأولية التي تتعلق بوقف إطلاق النار وتبادل الأسرى وترتيبات إنسانية عاجلة.
ويشير عوكل إلى أن المرحلة الثانية من الاتفاق ستكون أكثر تعقيداً وصعوبة، إذ ستتطلب مفاوضات مطوّلة ومملة بسبب تداخل الملفات الأمنية والسياسية.
ويرى عوكل أن النتائج النهائية تبقى مفتوحة على كل الاحتمالات، إلا أن المؤكد هو أن حركة "حماس" لن تخرج من المشهد السياسي الفلسطيني، لأنها "حركة ممتدة في أوساط الشعب الفلسطيني"، حتى وإن كان مركز ثقلها الحالي في قطاع غزة.
من غير المستبعد أن يسعى نتنياهو إلى العودة للحرب
ويعتقد عوكل أنه من غير المستبعد أن يسعى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى العودة للحرب في أي وقت، مؤكداً أنه لا توجد ضمانات حقيقية لالتزام إسرائيل بأي اتفاق لا يخدم مصالحها المباشرة، نظراً إلى سجلها المعروف في التنصل من الاتفاقات السابقة.
وفي قراءته للمفاوضات في شرم الشيخ، يوضح عوكل أنها تمثل فقط المرحلة الأولى من مفاوضات مفتوحة على الوقت، تهدف إلى بحث تفاصيل البنود المتبقية من خطة ترمب، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة تسعى إلى رسم مشهد احتفالي بإطلاق سراح الرهائن لتقديمه كإنجاز سياسي للرئيس الأمريكي دونالد ترمب، في محاولة لتسويق نفسه كصانع سلام وربما مرشح لجائزة نوبل.
ويؤكد عوكل أن ما تبقى من ملفات، خصوصاً تلك المتعلقة بـ"اليوم التالي" للحرب في غزة، سيحتاج إلى مفاوضات شاقة تشارك فيها كل من مصر وقطر وتركيا، ليس فقط كوسطاء، بل كداعمين للمطالب الفلسطينية.
ويشير إلى أن إعلان حركة "حماس" أن مستقبل غزة شأن وطني فلسطيني يعني أن السلطة الفلسطينية وحركة "فتح" قد تجد في ذلك فرصة لإعادة بلورة دور جوهري في المرحلة المقبلة، رغم أن حجم هذا الدور وطبيعته لا يزالان غامضين.
وبحسب عوكل، فإنّ كل الاحتمالات تظل قائمة، إذ يمكن أن ينقلب نتنياهو على الاتفاق بعد تحقيق المكاسب الرمزية المتمثلة في مشهد الإفراج عن الرهائن، مشدداً على أن لا شيء مضمون في المراحل اللاحقة من هذا المسار السياسي المعقّد.
أخطر المراحل في مسار الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي
يرى الكاتب والمحلل السياسي المصري والباحث في العلاقات الدولية د.عمرو حسين أن ما يُعرف بـ"اليوم التالي" للحرب على قطاع غزة سيكون من أخطر المراحل في مسار الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي، مؤكداً أن هذه المرحلة لا ترتبط بمجرد وقف إطلاق النار، بل بإعادة رسم الخريطة السياسية والأمنية للمنطقة برمتها.
ويوضح حسين أن الأحاديث المتزايدة حول دور رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير في إدارة الملف الفلسطيني في قطاع غزة بعد الحرب تثير كثيراً من التساؤلات حول طبيعة الدورين البريطاني والأمريكي في ما وصفه بمحاولة "إعادة إنتاج شكل جديد من الانتداب السياسي المقنّع" على فلسطين.
ويشير حسين إلى أن بعض المشاريع المطروحة لإعادة إعمار القطاع "تحمل في جوهرها وصاية دولية أو إقليمية تتجاوز الإرادة الوطنية الفلسطينية".
ويبيّن حسين أن هذا النهج يعيد المنطقة إلى منطق "الوصاية الغربية" التي تستبدل الاحتلال العسكري المباشر باحتلال ناعم عبر أدوات الاقتصاد والإدارة والأمن.
من جهة ثانية، يشير حسين إلى أن كلّاً من تل أبيب وواشنطن تعملان على تفكيك البنية السياسية والعسكرية لحركة "حماس" مع الإبقاء على الانقسام الفلسطيني الداخلي، لضمان غياب أي مشروع وطني موحّد يمكن أن ينهض بالدولة الفلسطينية المستقلة.
ملامح المرحلة المقبلة قد تتخذ أحد ثلاثة مسارات
ووفق رؤية حسين، فإن ملامح المرحلة المقبلة قد تتخذ أحد ثلاثة مسارات رئيسية: الأول، نموذج "غزة تحت وصاية دولية- إقليمية" تُديرها أطراف غربية وعربية بالتنسيق مع إسرائيل لتأمين الحدود وتنظيم إعادة الإعمار.
الثاني، وفق حسين، إدماج السلطة الفلسطينية تدريجياً في المشهد، لكن بصلاحيات محدودة، وتحت إشراف أمريكي صارم. أما الثالث، فهو خيار "المقاومة السياسية"، أي عودة حركة "حماس" إلى المشهد بصيغة جديدة تعتمد على حضورها الشعبي والسياسي لا على قوتها العسكرية، إذا ما تمكنت من إعادة تموضعها ضمن النظام الفلسطيني.
ويؤكد حسين أن السلطة الفلسطينية قد تكون حاضرة في بعض مراحل التسوية المقبلة، لكن ليس كفاعل رئيسي، بل كغطاء سياسي لمسار دولي هدفه تحقيق "هدوء طويل الأمد" أكثر من الوصول إلى سلام عادل وشامل.
وبحسب حسين، فإنّ صورة "اليوم التالي" لن تمثل انتصاراً لأي طرف، بقدر ما ستكون اختباراً حقيقياً لقدرة الفلسطينيين والعرب على حماية قرارهم الوطني من التحول إلى ملف تفاوضي تديره العواصم الغربية باسم السلام، في وقت تتسابق فيه القوى الكبرى لإعادة صياغة التوازنات في المنطقة بعد الحرب.





شارك برأيك
"اليوم التالي".. تحديات وجودية في ظل هدنة هشة ووصاية دولية