سوسن سرور: إسرائيل في مرحلة تفكك اجتماعي ومقبلة على حالة من الضياع أما غزة فتعيش مرحلة مخاض ولادة الدولة
عماد أبو عواد: يجب ترتيب البيت الداخلي وبناء رؤية استراتيجية مشتركة واستثمار الزخم الدولي في دفع مسيرة قيام الدولة
عزيز العصا: المطلوب أن نثبت ونؤكد للعالم أننا شعب واحد له قيادة واحدة ونريد دولة ذات سيادة ونرفض أي وصاية علينا
هاني الجمل: الحرب أسست لمرحلة جديدة من التغيرات الجيوسياسية التي ستنعكس على الأمن الاستراتيجي الإقليمي والدولي
علي الأعور: السابع من أكتوبر شكّل تحولًا دراماتيكيًا في مسار الصراع كما أنه أوجد معادلة جديدة في الشرق الأوسط
د. مخيمر أبو سعدة: نحتاج إلى مراجعة شاملة والتركيز على المقاومة السلمية والمبادرات الدبلوماسية والمعارك القانونية ضد الاحتلال
عامان كاملان من الإبادة في قطاع غزة طُويت أيامهما، بعد أن دفع الشعب الفلسطيني ثمناً باهظاً في الأرواح والممتلكات بسبب الجرائم التي نفذها جيش الاحتلال على مدار أشهر الحرب. ويرى كتاب ومحللون سياسيون ومختصون في أحاديث لـ"ے" أنه بعد عامين من الإبادة للسكان والمساكن يجب أن تكون العِبَر والدروس والمآلات في اتجاه واضح، وأهمها وأبرزها الحاجة إلى ترتيب الواقع الداخلي الفلسطيني وبناء رؤية استراتيجية مشتركة تقود إلى قاسم مشترك يُعرض على العالم، مشيرين إلى أنه لا يمكن إنكار أن الشعب الفلسطيني أمام نكبة جديدة تستلزم سنوات من العمل والإصلاح.
وأكدوا أن الآونة الأخيرة شهدت تحركاً عالمياً واسعاً رفضاً للإبادة، ونصرةً للشعب الفلسطيني وحقه في التحرر والعيش بكرامة، واستعادت القضية الفلسطينية مكانتها دوليّاً، ما يتطلب استثمار هذا الزخم الدولي في دفع مسيرة قيام الدولة الفلسطينية، وأن يكون هناك تحرك فلسطيني متزامن مع الدول العربية والإسلامية لتحقيق التطلعات الفلسطينية.
أطول حرب خاضتها إسرائيل
قالت الصحافية سوسن سرور، مراقبة وناقدة للمشهد السياسي في إسرائيل: "سنتان على الحرب على غزة، في أطول حرب خاضتها دولة إسرائيل منذ قيامها، نشرت وزارة الحرب الإسرائيلية إحصاءات مقلقة حول خسائرها في هذه الحرب، ومنها أن 1152 قُتلوا في الحرب منذ السابع من تشرين الأول 2023، 42% (487) تحت الـ21 عاماً، و141 ما يزيد على 40 عاماً، وأن أكثر من 6500 حالة تم ضمها للعائلات الثكلى، بحسب توصيف البيان".
وذكرت سرور أنه في المجال العام، أفادت معطيات إسرائيلية رسمية، بأن أكثر من 30 ألف شخص أصيبوا باضطرابات نفسية منذ 7 أكتوبر 2023. وقالت مؤسسة التأمين الوطني الإسرائيلية في بيان إن 70 ألف إصابة للأعمال العدائية تم تسجيلها منذ ذلك التاريخ. وأضافت المؤسسة أن الحرب أضافت أكثر من 7200 ضحية أخرى، مشيرة إلى أن 33 ألفاً و983 حالة تم تحديدها على أنها إعاقة، وأنه منذ 7 أكتوبر 2023، يعالج معهد التأمين الوطني أكثر من 80 ألف ضحية من ضحايا الأعمال العدائية.
وأشارت سرور إلى أن إسرائيل تمر بمرحلة استثنائية، وبوضع سياسي واجتماعي وأمني استثنائي وحرج، ووصلت إلى نقطة حاسمة أو نقطة اللاعودة.
إسرائيل أصبحت معزولة ومنبوذة عالميًا
وأضافت: "فما كان من مشهد قبل الحرب لن يعود على نفسه، بعد نهاية الحرب، فدولة إسرائيل أصبحت معزولة ومنبوذة عالميًا، وخسرت حصرية المحرقة التي خاضها الشعب اليهودي في القرن الماضي، بعد جرائم الحرب التي نفذها الجيش الإسرائيلي في غزة، على مدار أشهر الحرب، ولعل قصص الشهداء والمصابين والمشردين والمفقودين والنازحين والدمار الهائل الذي لحق بالمباني والمعالم الأثرية التي تعود إلى قرابة خمسة آلاف سنة، أيقظت العالم بغالبيته، ما جعل الرئيس الأمريكي دونالد ترمب يعلن صراحة أنه المنقذ الذي يريد أن يخرج إسرائيل من عزلتها الدولية، وأنه قرر إنهاء الحرب".
وترى أن سنتين على الحرب أنهتا حقبة المؤسسين الإشكنازيم للدولة الإسرائيلية العميقة، ليعقبها مستقبل مليء بالغموض وعدم الوضوح، فمن جهة، يسعى المستوطنون بكل ثقلهم، على نقل الحرب بوتيرة متصاعدة إلى الضفة الغربية، بعد أن تلاشت حظوظ الظفر بمخطط الحكومة المعلن بالاستيطان في غزة بعد تهجير أهله، ومن جهة أخرى إمكانية تفكيك الحكومة المسيانية اليمينية والذهاب إلى انتخابات مبكرة قد تجرى في شهر آذار أو نيسان قبل الموعد الرسمي للإنتخابات التي من المقرر ان تكون في شهر تشرين الأول 2026.
وقالت: إن سنتين على الحرب أنهكتا المجتمع الإسرائيلي، دولة إسرائيل اليوم غارقة في حرب استنزاف طويلة تهدد بانهيار داخلي.
وأضافت سرور: "إسرائيل موجودة في مرحلة تفكك اجتماعي، لقد خسرت العقد الإجتماعي الجامع للإسرائيليين اليهود، خلال هذه الحرب، اليوم لا يوجد توافقات حول قضايا مركزية لها علاقة بوجود الدولة، وحول علاقة الدولة مع مواطنيها وخاصة من اليهود، ولعل قضية إعفاء تجنيد اليهود المتزمتين الحريديم في الخدمة العسكرية أحد هذه الأمثلة التي تمزق المجتمع اليهودي، إضافة إلى تعريف إسرائيل كدولة يهودية وديمقراطية والتي أصبحت غير جامعة بين اليهود".
وأوضحت أن "نتنياهو أراد ان يقيم دولة جديدة، تختلف عن التي أسسها غريمه بن غوريون، والتي كانت قادرة على إدارة الصراعات والتوصل إلى تسويات في مجتمع مليء بالتناقضات الفكرية والدينية والإثنية، وعليها بنى المؤسسات المختلفة والتي عملت بموجب وثيقة الاستقلال".
إلا أنها أضافت أن نتنياهو، الذي يعتقد أنه انتصر في الحرب الوجودية، ما يسمونها حرب الاستقلال الثانية، ونجح في إنقاذ الدولة، يسعى الآن بواسطة دولته الضعيفة إلى رسم معالم الدولة المتشظية اجتماعياً وسياسياً وأمنياً.
وأشارت سرور إلى أن نتنياهو نجح في خلق تصدع في الثقة بين المجتمعات الإسرائيلية والدولة وبين المنظومة الأمنية والسياسية، وحصل على دولة متشظية.
وختمت سرور أنه "في الوقت الذي نقول فيه بشكل مؤكد إن إسرائيل مقبلة على مرحلة من الضياع والتشتت وعدم الوضوح والفوضى، فإن رؤيتنا لغزة بعد كل هذا القهر والتدمير والتجويع والنزوح والإبادة خلال سنتي الحرب، رؤيتنا واضحة وضوح الشمس، غزة تعيش مرحلة مخاض ولادة الدولة الفلسطينية، قد تستغرق أكثر من تسعة أشهر، إنها بداية حقبة جديدة، تطوي فيها غزة أهوال الحرب لتبدأ مرحلة التأسيس لقيام الدولة الفلسطينية".
يجب أن تكون العِبَر والدروس والمآلات في اتجاهات واضحة
وأكد المختص بالشأن الإسرائيلي عماد أبو عواد أنه بعد عامين على السابع من أكتوبر، يجب أن تكون العِبَر والدروس والمآلات في اتجاهات واضحة. أولًا: تقييم طبيعة العلاقات والتحالفات الفلسطينية، وطبيعة العلاقة الداخلية الفلسطينية، إذ بدا جليًا وجود فجوة بين المأمول والواقع. كما سقطت كثير من "أبجديات" الاعتقادات التي كنا نؤمن بها ليس نحن فقط كفلسطينيين، بل كثيرون خارجنا أيضًا.
وقال: إن بداية الحرب على قطاع غزة أظهرت أن القيم والمعايير الدولية، لا سيما في الأشهر الأولى، لم تستطع أن تصل إلى مرحلة إدانة الهمجية والوحشية الإسرائيلية في بدايات المواجهة.
وأضاف أبو عواد: لقد وقف العالم مترددًا في البداية، ما أتاح لإسرائيل التمدد نحو ما يشبه الإبادة. كان من الممكن أن تخشى إسرائيل من ردود فعل حقيقية أو عقوبات؛ لكن التأخر في هذا الجانب سمح بتمادي سلوكها.
وأشار إلى أن الدروس كثيرة، ومن أبرزها الحاجة إلى ترتيب الواقع الداخلي الفلسطيني وبناء رؤية استراتيجية مشتركة تقود إلى قاسم مشترك يُعرض على العالم.
واضاف أما المآلات فهي خليط من إيجابيات وسلبيات: لا يمكن إنكار أننا أمام نكبة جديدة تستلزم سنوات من العمل والإصلاح. وفي المقابل، استعادت القضية الفلسطينية بعض مكانتها أمام الرأي العام الدولي، ويجب استثمار هذا الزخم في دفع مسيرة قيام الدولة الفلسطينية وجذب الدعم العالمي.
وفيما يخص سيناريوهات الخلاص، أشار أبو عواد إلى أن هناك عدة نقاط عمل، أُولاها تحرك فلسطيني متزامن مع الدول العربية والإسلامية لإيقاف الإبادة، وبعد تحقيق وقف فوري للعدوان، يجب استغلال كل ثغرة لصالح التطلعات الفلسطينية.
لكن أبو عواد أكد أن "ذلك يصطدم بواقع مهم: عدم ترتيب البيت الداخلي الفلسطيني وغياب الوحدة الفلسطينية". وقال: هذا يتطلب عملاً عاجلاً، فالأمر لا يحتمل التأخير. وبعد هدوء المعركة وبدء نقاش الملفات المختلفة، من المتوقع أن تقبل الولايات المتحدة وإسرائيل ودوائر دولية بوجود ترتيبات فلسطينية داخلية لإدارة الشأن الذاتي.
مئات الآلاف من الضحايا ودمار كبير
وقال الكاتب والباحث المهتم بالشأن المقدسي عزيز العصا: "هذا هو قطاع غزة بعد عامين كامليْن من الحرب، وقد ارتقى ما يزيد على (65) ألف شهيد، و(167) ألف جريح، وآلاف المفقودين، ونحو (7) آلاف أسير، وهدم (357) ألف وحدة سكنية، وتهجير مليوني إنسان قسرًا، ناهيك عن تدمير البنى التحتية للتعليم، والصحة، وتدمير البيئة، وغير ذلك من أشكال التدمير الممنهج، الذي مارسه الاحتلال على مدى السنتين الماضيتيْن".
وأضاف: "إذا قمنا بجولة إحصائية بين تلك الأرقام "المخيفة"، فسنجد أنه ما من شريحة مجتمعية، أو فئة عمرية، أو طبقة اقتصادية، أو بقعة جغرافية، أو أي جزئية -مهما صغرت- إلا وطالها كثير من الضيم والضنك والفقدان والخسارة الفادحة. وليس أدلّ على ذلك مما أصاب (251) صحفيّاً، تم إسكاتهم بالموت في وضح النهار، وأمام عدسات العالم أجمع...".
العالم يقوم على منطق القوة..!
وأشار العصا إلى أن أبرز النتائج وأكثرها وضوحًا في هذه الحرب أن العالم يقوم على منطق القوة والقوة فقط؛ أي أن من يمتلك القوة يستطيع فعل ما يريده دون كابح، وبدون أي عقوبة على أي فعل مشين يقوم به.
وأضاف: "لنتساءل: ماذا فعل العالم تجاه ما يقرب من عشرين ألف طفل قضوا بالموت الزؤام، ومنهم من قضى جوعًا و/أو عطشًا، وماذا فعل العالم نفسه تجاه الأسرى الفلسطينيين، الذين يتعرضون للاضمحلال، إلى حد التلاشي، والموت في عديد الحالات، لدرجة أنه لا يمكنك معرفة الأسير الخارج من سجون الاحتلال، إلا إذا نظرت إلى صورته الأصلية قبل الاعتقال".
وخلص العصا الى القول: "إننا خرجنا من هذه الحرب -الأشرس في التاريخ المعاصر- بعالم متوحش، ليس للضعيف فيه مكان، وفي ذلك رسالة إلى أقطارنا العربية المتمسكة بواقع التجزئة والتشرذم. ولأننا أمام حقيقة دامغة، مفادها أن أحدًا لن يقف في وجه الاحتلال لإيقافه عن البطش والظلم، فإنه ما من ضامن لأي اتفاقيات مع الاحتلال، المتسلح بالقوة المفرطة التي تمتلكها الولايات المتحدة، إلا بوقفة عربية شاملة إلى جانب الشعب الفلسطيني المتمسك بحقه، الذي كفلته القوانين واللوائح والشرائع الدولية".
أما على المستوى الوطني، فقال العصا: "بعد أن وصل حالنا إلى ما نحن عليه، ووفق العالم القادم الموصوف أعلاه، فلا أعتقد أن عاقلاً بالغًا من شعبنا الفلسطيني يقبل باستمرار حالة الانقسام والتشظي، وتعدد العناوين السياسية على الساحة الدولية، وإنما على الجميع الالتقاء في البيت الفلسطيني الواحد ممثلًا بمنظمة التحرير الفلسطينية، لكي نبثّ للعالم أجمع بأننا شعب واحد، يطالب بوطن واحد، مجمعون على قيادة واحدة، نرفض أي وصاية علينا، نستحق دولة واحدة، ذات سيادة، تشكل الضمانة الوحيدة للمحافظة على وجودنا على هذه الأرض، بهوية وطنية دفع شعبنا ثمنها من دمائه وعذاباته عبر مائة عام ونيّف، بتواصل وبلا انقطاع".
فرصة حقيقية لتوحيد الموقف الفلسطيني تحت لواء السلطة
وقال المحلل المصري هاني الجمل: إن إسرائيل نجحت إلى حدٍّ بعيد في تحقيق العديد من المكاسب التي كانت تسعى إليها، وفي مقدمتها توسيع الدولة اليهودية وتمددها الثالث، فضلًا عن وجودها على جبهات لم تكن تقف عليها من قبل. فقد تمكنت من إعادة تموضعها في قطاع غزة، ومن ثم التمدّد على حساب أراضٍ في الضفة الغربية، وإضفاء الصبغة الإسرائيلية على بعض الأحياء، وإجبار الفلسطينيين على استخدام الهوية الإسرائيلية.
ويرى الجمل أن ما نشهده هذه الأيام من لقاءات في شرم الشيخ المصرية يهدف إلى تقريب وجهات النظر وإيجاد مناطق رمادية واسعة بين حماس وإسرائيل برعاية أمريكية، وبوساطة مصرية قطرية تعمل على وضع آلية تنفيذية لخطة التهدئة التي وافقت عليها حماس، وفقًا للبنود المتوافقة مع الرؤية العربية والمصرية والإسلامية، مع دعم السلطة الفلسطينية لتتولى إدارة قطاع غزة، تمهيدًا لتجزئة جغرافية بين الضفة الغربية وقطاع غزة.
وأشار الجمل إلى أن هذه التطورات تفرز نتائج مهمة، أبرزها أن الإسرائيليين خلال العامين الماضيين شعروا بعبءٍ ثقيل على كاهلهم، ليس فقط بسبب الحرب الشعواء، بل أيضًا نتيجة التحديات داخل البنية المجتمعية الفلسطينية وما تعانيه من إشكالات وتوازنات، فضلًا عن عمل بعض الفصائل وفق أجندات إقليمية أو دولية، وهو ما قد يتغير نسبيًا خلال المرحلة المقبلة.
وأكد أن المستقبل القريب قد يحمل فرصة حقيقية لتوحيد الموقف الفلسطيني تحت لواء السلطة الفلسطينية، في ظل دعم مصري وعربي وإسلامي واسع، مشددًا على أن إقامة دولة فلسطينية على حدود 1967 يجب أن يبقى الحلم القائم في هذه المرحلة.
تفويت الفرصة على نتنياهو في تصدير الأزمة إلى "حماس"
ودعا إلى استغلال الظرف الراهن لتفويت الفرصة على نتنياهو في تصدير الأزمة إلى حماس، مشيرًا إلى ضرورة اتباع نَفَس دبلوماسي طويل وواسع من أجل تحقيق وقف دائم لإطلاق النار، وتطبيق آليات عملية تضمن انسحاب الجيش الإسرائيلي من القطاع، ودعم القوات الفلسطينية هناك بما يعزز مكاسبها السياسية والأمنية، حتى وإن كان ذلك على حساب خروج قيادة حماس من غزة.
وأكد الجمل أن "ما حدث في غزة لم يكن مجرد حدث عسكري ، بل هو زلزال وتسونامي جيوسياسي سيُحدث تحولات عميقة في بنية المنطقة"، مؤكدًا أن هذه الحرب تؤسس لمرحلة جديدة من التغيرات الجيوسياسية الواسعة التي ستنعكس على الأمن الاستراتيجي الإقليمي والدولي.
وأشار إلى أن هذه التحركات والتغيرات تؤكد أننا أمام عالم جديد تتقاطع فيه مصالح القوى الدولية والإقليمية، مما يستدعي موقفًا فلسطينيًا موحدًا قادرًا على هندسة المشهد السياسي وفق الرؤية العربية والإسلامية، لمواجهة عالمٍ متغير يتجه نحو تعددية قطبية متسارعة.
وختم المحلل المصري الجمل بالقول: "إن نتنياهو يواجه حراكا سياسيا وأزمة داخلية حادة، إذ لم يعد قادرًا على تحقيق النصر الذي وعد به التيار اليميني المتطرف، وهو ما يضعه أمام إحراجات وضغوط متزايدة تؤكد أن واقعه السياسي انقلب عليه بشكل كبير."
أسباب أدت إلى أحداث السابع من أكتوبر
المختص بالشأن الإسرائيلي علي الأعور قال: إن السابع من أكتوبر، أو ما يُعرف بطوفان الأقصى، شكّل تغييرًا شاملًا في المجتمع الفلسطيني، سواء على مستوى الفكر أو المفاهيم. وتطرق إلى الأسباب التي أدت إلى السابع من أكتوبر. وقال: ربما كان أبرز هذه الأسباب الحصار الخانق المفروض على قطاع غزة منذ 17 عامًا، وهو حصار شامل يمنع الدخول والخروج إلا بتصريح من الاحتلال الإسرائيلي. ربما كان مستوى الحياة في غزة إلى حدٍّ ما مقبولًا، لكن الحرية لم تكن موجودة، ولا التوافق الفلسطيني، ولا الوحدة الوطنية.
ويرى الاعور أن السابع من أكتوبر جاء نتيجة لتهميش حركة "حماس" وإقصائها عن المشهد السياسي، خصوصًا بعد قمة العالمين الإسلامي والعربي في 14 آب 2023.
ويعتقد أن تهميش "حماس" وإبعادها عن المشهد السياسي في الشرق الأوسط كان من أهم الأسباب التي أدت إلى طوفان الأقصى.
وأضاف: إن السابع من أكتوبر شكّل تحولًا دراماتيكيًا في مسار الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، إذ كانت لأول مرة في تاريخ الصراع قوة فلسطينية تشن هجومًا واسعًا على إسرائيل، وتتمكن من احتلال عدد من المستوطنات في غلاف غزة، والوصول إلى عمق 15 كيلومترًا باتجاه الشمال، وصولًا إلى عسقلان وحمامة والقسطينة وعراق السويدان والفلوجة وبيت جبرين وجنوب بئر السبع.
وأوضح أن "هذا الحدث شكّل نقطة تحول كبرى في المجتمع الإسرائيلي على المستويات الفكرية والثقافية والأمنية والسياسية، وبالتالي فإن طوفان الأقصى أوجد معادلة جديدة في الشرق الأوسط، مفادها أن القضية الفلسطينية ما زالت هي مركز الصراع في المنطقة، وأن القدس والمسجد الأقصى المبارك بقيا البوصلة الأساسية لهذا الصراع".
وأشار الاعور إلى أن الاقتحامات اليومية للجماعات اليهودية المتطرفة، وعربدة المستوطنين في الضفة الغربية، وقرارات بن غفير وسموتريتش بشأن التقسيم الزماني والمكاني للمسجد الأقصى، ومسيرات الأعلام التي كان نتنياهو وبلدية الاحتلال في القدس يباركانها، إضافة إلى الاعتداءات المتكررة على تجار القدس وسكان البلدة القديمة، كلها كانت من الأسباب المباشرة التي أدت إلى اندلاع طوفان الأقصى.
أما عن الدروس والعبر، فيرى الأعور أن السابع من أكتوبر شكّل أكبر تطور في تاريخ الصراع الفلسطيني الإسرائيلي. فقد اتخذت حماس قرارها بالهجوم على المستوطنات الإسرائيلية في غلاف غزة من أجل أسر عدد من الجنود الإسرائيليين، لكن المفاجأة كانت نجاحها في التوغل لمسافة 15 كيلومترًا وأسر عدد كبير من الجنود.
وتساءل: هل سيبقى خيار المقاومة ضمن أولويات الشعب الفلسطيني بعد المآلات المدمّرة التي شهدتها غزة، من استشهاد أكثر من 70 ألفًا وإصابة أكثر من 150 ألفًا، وتدمير شبه كامل للقطاع؟ أم أن خيار المفاوضات والتسوية السياسية سيعود إلى الواجهة، رغم أن القيادة الإسرائيلية لا تحترم الاتفاقيات الدولية ولا القانون الدولي الإنساني، وارتكبت جرائم بحق الأطفال والنساء والشيوخ، ودمرت المساجد والكنائس والبيوت والأبراج السكنية؟
التغيير قد يقود إلى المفاوضات والحل السياسي
ويعتقد الأعور أن التغيير الشامل في المجتمعين الفلسطيني والإسرائيلي بعد السابع من أكتوبر قد يقود في النهاية إلى المفاوضات والحل السياسي، فالثمن الذي دفعه الشعب الفلسطيني، وخاصة في قطاع غزة، كان باهظًا للغاية، وفي المقابل دفعت إسرائيل ثمنًا كبيرًا أيضًا، سواء على جبهتها الجنوبية مع غزة أو الشمالية مع حزب الله، ولا يقل ذلك عن الثمن الفلسطيني.
وتساءل: ما هي الخيارات المطروحة للمستقبل؟ وما هي السيناريوهات الممكنة؟ وقال بتقديري فإن التغيرات الجذرية في المجتمعين ستقود في نهاية المطاف إلى طاولة المفاوضات. فـالهجرة العكسية من إسرائيل، وسقوط أعداد من الجنود والمدنيين الإسرائيليين، واتساع الجبهات مع إيران وحزب الله، كلها جاءت بسبب الحرب على غزة، ولا تزال جبهة اليمن حاضرة أيضًا.
وتساءل: هل ستعود القيادة الإسرائيلية الجديدة، أو حتى في حال بقاء نتنياهو، إلى استخلاص العبر والدروس، ومن ثم العودة إلى طاولة المفاوضات والإقرار بأن حل الدولتين هو الحل الأمثل؟
وأضاف الأعور: إن الهدف الفوري الآن هو وقف الحرب على غزة ووقف الإبادة الجماعية، لكن حل الدولتين سيبقى مطروحًا بقوة أمام تسونامي دبلوماسي دولي، إذ تعترف أكثر من 157 دولة بدولة فلسطين، بينما تحوّلت إسرائيل إلى دولة منبوذة خارج المنظومة والمجتمع الدوليين.
وأكد الأعور أنه لا خيار أمام الفلسطينيين والإسرائيليين سوى طاولة المفاوضات، القائمة على الشرعية الدولية والقانون الدولي الإنساني، وعلى الاعتراف المتبادل واحترام حقوق الآخر، وصولًا إلى إقامة دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل.
ثمن فلسطيني باهظ
وقال أستاذ العلوم السياسية في جامعة الأزهر بغزة د. مخيمر أبو سعدة: إنه فيما يتعلق بمرور عامين على السابع من أكتوبر، فإن أهم درس من ذلك التاريخ هو أن خيار المقاومة الفلسطينية المسلحة والعنيفة، في ظل عدم توازن القوة مع إسرائيل، ليس في صالح الشعب الفلسطيني. فقد كلف الهجوم في السابع من أكتوبر الفلسطينيين وخصوصًا أهالي قطاع غزة ثمنًا باهظًا من حيث الضحايا والجرحى والدمار الهائل الذي لحق بالقطاع.
وأضاف: إن الشعب والقيادة الفلسطينية بحاجة إلى مراجعة شاملة لجدوى الاعتماد على المقاومة المسلحة، مع ضرورة التركيز على أشكال المقاومة السلمية، والمبادرات الدبلوماسية، والمعارك القانونية ضد الاحتلال.
ويرى د. مخيمر أنه يجب استثمار الفرصة المتاحة حاليًا من خلال الدعم الدولي والاعترافات الدولية الأخيرة بالدولة الفلسطينية، والعمل على تحويل هذا الاعتراف إلى واقع على الأرض عبر بناء جسور مع المجتمع الدولي والدول التي اعترفت بفلسطين.
وأوضح د. مخيمر أن الشعب الفلسطيني دفع ثمنًا غاليًا، ومن الضروري استثمار هذا الثمن في تثبيت حق الفلسطينيين في الحرية والاستقلال وإنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة.
وأكد مخيمر أن الطريق أمام الفلسطينيين طويل ويتطلب من الجميع التوافق على ورشة عمل فلسطينية تُفضي إلى برنامج سياسي موحّد يمثل الجميع.





شارك برأيك
عامان على الإبادة.. الدروس والمآلات وسيناريوهات الخلاص