أقلام وأراء

الأربعاء 01 أكتوبر 2025 1:05 مساءً - بتوقيت القدس

من وهم الدولة إلى أفق الاستقلال: التعليم كشرط للتحرر الفلسطيني.. قراءة نقدية في مقال الدكتور باسم الزبيدي

كتب الدكتور باسم الزبيدي في صحيفة " القدس " مقالًا يلامس جوهر المأزق الفلسطيني: هل النضال غايته مجرد دولة ذات سيادة شكلية، أم مشروع تحرري يفتح أفقًا جديدًا للعدالة التاريخية والكرامة الإنسانية؟ للوهلة الأولى، تبدو إجابته واضحة وحاسمة: الدولة إذا لم تُبنَ على قيم التحرر تتحول إلى فخ سياسي أو كيان بلا روح. هذه الفكرة صحيحة من حيث المبدأ، لكنها تظل معلقة في الفراغ ما لم تُترجم إلى مشروع سياسي ملموس.
الزبيدي يلتقط بذكاء مأزق اختزال النضال الفلسطيني في "حل الدولتين"، ويصوّب على مخاطره: دولة محاصرة، مقطّعة الأوصال، بلا سيادة حقيقية، وأدواتها نفسها موروثة من منظومة السيطرة الاستعمارية. لكن مقاله ينزلق سريعًا إلى خطاب تجريدي يغرق في القيم الكبرى (العدالة، الحرية، الكرامة) دون أن يقدّم خطة معرفية أو سياسية للانتقال من التحليل إلى الفعل.
إن مشكلة المقال ليست في ما يطرحه بل فيما يغفله: كيف نقيم توازنًا بين الحلم الكوني والواقع المادي المليء بالحصار والانقسام والضعف البنيوي الفلسطيني؟
أهمية ما يقوله الزبيدي تكمن في نقله القضية الفلسطينية إلى ساحة كونية، حيث تصبح معيارًا يُختبر به صدق العالم تجاه قضايا التحرر. لكن هنا أيضًا يكمن خطر الخطاب الكوني: إذا لم يُربط بالواقع الفلسطيني، يصبح الفلسطيني مجرد رمز في كتاب الفلسفة العالمية، بينما يظل أسير الجدار والمستوطنة والحاجز العسكري. الكونية بلا تجذر محلي تتحول إلى ترف فكري يرضي المثقف ولا يغيّر الواقع.
من وجهة نظري، هناك وهمان يطاردان الفلسطيني اليوم:
•    وهم الدولة: الاعتقاد أن مجرد الاعتراف أو رفع علم يكفي لتحقيق الاستقلال. هذا ما حذر منه الزبيدي، وهو محق.
•    وهم الكونية: الاعتقاد أن القضية الفلسطينية بمجرد طرحها كقضية إنسانية عالمية سيكفي لفرض العدالة. وهذا وهم لا يقل خطورة، لأنه يتجاهل ميزان القوى المادي والقدرة الفعلية على تغيير الوقائع.
التحرر لا يتحقق بالشعارات الكونية وحدها، بل بقدرة الفلسطيني على إعادة بناء مشروعه الوطني على أسس سياسية وتنظيمية متينة، تُوازن بين خطاب العدالة الكوني وحاجات الصمود المحلي.
الاستقلال ليس حلمًا مثاليًا ولا قشرة شكلية. إنه مشروع جدلي:
•    يحتاج إلى خطاب كوني يعري الاستعمار ويضعه أمام العالم.
•    ويحتاج في الوقت ذاته إلى بناء مؤسسات مقاومة واقعية، من التعليم إلى الاقتصاد، قادرة على جعل الفلسطيني "فاعلًا" لا مجرد "رمز".
وهنا يظهر التعليم كشرط مركزي للتحرر. فالتعليم ليس خدمة اجتماعية ثانوية، بل هو البنية التحتية التي تصنع وعيًا نقديًا، وتُخرّج جيلًا قادرًا على مقاومة الاستعمار معرفيًا قبل أن يكون عسكريًا أو سياسيًا.
•    تجربة الحركة الأسيرة خير دليل: فقد حوّل الأسرى زنازين الاحتلال إلى جامعات بديلة، وكتبوا نموذجًا عالميًا لكيف يمكن للتعليم أن يصبح سلاحًا استراتيجيًا يرسّخ الهوية ويُبقي الذاكرة حيّة.
•    التعليم أيضًا هو الأداة الوحيدة القادرة على وصل الكوني بالمحلي: فمن خلاله يمكن للفلسطيني أن يخاطب العالم بلغة حقوقية وفكرية كونية، وفي الوقت نفسه يحافظ على جذوره الوطنية وأولوياته الميدانية.
بكلمات أخرى، لا يمكن أن نتصور أفق استقلال حقيقي دون جعل التعليم في قلب المشروع التحرري: تعليم يحرر العقل من التبعية، ويعيد إنتاج الفلسطيني كقوة معرفية وسياسية وأخلاقية.
إن مقال الدكتور باسم الزبيدي ينجح في تفكيك أخطر الأوهام التي استدرجت الفلسطينيين لعقود: وهم الدولة الشكلية. لكنه يفتح في الوقت ذاته على وهم آخر: وهم الكونية المجردة. وبين هذين الوهمين، يحتاج الفلسطيني إلى فلسفة استقلال جديدة، تعي أن التحرر لا يتحقق بخطاب رومانسي ولا بصفقات سياسية، بل بإعادة إنتاج الذات الفلسطينية كقوة معرفية، سياسية، وأخلاقية قادرة على أن تفرض وجودها رغم كل شروط القهر.
وهنا يبرز التعليم بوصفه العمود الفقري لهذا المشروع: هو الذي يزوّد الفلسطيني بأدوات النقد والمقاومة، ويحوّل أفق العدالة الكوني إلى مشروع عملي متجذر في الأرض. فلا استقلال بلا وعي، ولا وعي بلا تعليم تحرري، يُصاغ كجزء من معركة النضال لا كترف ثقافي.
النقد إذن ليس تقليلًا من قيمة طرح الزبيدي، بل دعوة إلى استكماله: أن نخرج من دائرة الشعارات، وأن نضع أفق الاستقلال في صيغة عملية، تتجاوز الدولة كقشرة، وتتجاوز الكونية كترف، لتبني مشروعًا تحرريًا يستند إلى التعليم والاقتصاد والمعرفة، ويُعيد رسم فلسطين كفاعل لا كرمز، كقوة تقود لا كقضية تنتظر تضامن الآخرين.

دلالات

شارك برأيك

من وهم الدولة إلى أفق الاستقلال: التعليم كشرط للتحرر الفلسطيني.. قراءة نقدية في مقال الدكتور باسم الزبيدي

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.