فلسطين

الأربعاء 01 أكتوبر 2025 9:02 صباحًا - بتوقيت القدس

مستقبل القطاع بعد خطة ترمب.. تحديات الوصاية الدولية والانفصال عن الكيانية الوطنية

خاص بـ"القدس" و"القدس" دوت كوم

د. حسن أيوب: الخطة طوق نجاة لحكومة نتنياهو المعزولة دولياً وسياسياً وفي حال تطبيقها لن يكون القطاع جزءاً من الكيانية الفلسطينية

عوني المشني: القطاع سيواجه تحديات هائلة في مرحلة إعادة الإعمار لكن ذلك لن يوقف عملية النهوض وإن تطلّبت جهداً مضنياً وزمناً أطول

د. عقل صلاح: الخطة تهدف عملياً لفرض وصاية دولية على غزة بحيث تظل تحت إشراف مباشر لإسرائيل وأطراف دولية متحالفة معها

د. محمد الطماوي: مستقبل القطاع لا يمكن أن يُحسم بخطط مفروضة بل بإرادة عربية ورؤية تضمنان إقامة الدولة الفلسطينية

سري سمور: يجب تشكيل موقف موحد يضم جميع الفصائل والسلطة للخروج برد جماعي على الخطة بعيداً عن المناكفات وتحميل المسؤوليات

د. ولاء قديمات: الخطة لم تحمل جدولاً زمنياً لإعادة القطاع إلى إدارة الفلسطينيين ما يجعلها أقرب لإعادة استعمار غزة وفرض وصاية عليها


 تمثل خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، المعلنة مؤخراً، نقطة تحول حاسمة لمستقبل قطاع غزة، المحفوف بمخاطر انفصال إطار الكيانية الفلسطينية الموحدة ليصبح منطقة منفصلة جغرافياً وسياسياً عن الضفة الغربية، في انسجام مع مشروع "ريفييرا غزة" الذي أعلنه ترمب سابقاً، علاوة على فرض الوصاية الدولية على القطاع.

 وتعكس الخطة في جوهرها إعادة تدوير لتصورات خطة كوشنر–توني بلير السابقة، مع تعديلات طفيفة لإضفاء صبغة دعم دولي وإقليمي، لكنها في الواقع تعكس طوق نجاة للحكومة الإسرائيلية في لحظة ضعف سياسي ودولي، وسط تقويض عالمي لشرعية إسرائيل بسبب الجرائم المرتكبة في الأراضي الفلسطينية، وبالأخص في غزة.

ويؤكد كتاب ومحللون سياسيون ومختصون وأساتذة جامعات، في أحاديث منفصلة مع "ے"، أن خطة ترمب تكشف محدودية الدور الفلسطيني، سواء على المستوى السياسي أو الإداري، بينما تحتفظ إسرائيل بمنطقة عازلة تضمن استمرار سيطرتها على مزيد من الأراضي، ما يحول غزة إلى مساحة أصغر سياسياً وجغرافياً، ومعزولة عن السلطة الفلسطينية والكيان الفلسطيني الموحد، وسط خشية بدء الهجرة الطوعية، وهو ما قد يؤدي إلى خروج أعداد كبيرة من السكان، في ظل الظروف الإنسانية الصعبة، وتحديات إعادة الإعمار، علاوة على تفاصيل بالخطة نفسها تجعل التطبيق محفوفاً بالمخاطر.

ويرى الكتاب ومحللون والمختصون وأساتذة الجامعات أن مستقبل قطاع غزة لن يحسم عبر الخطط الأمريكية الإسرائيلية وحدها، بل بإرادة عربية جامعة ورؤية فلسطينية حقيقية تضمن الحفاظ على الوحدة الجغرافية والسياسية مع الضفة الغربية والقدس، وتحمي الحقوق الفلسطينية.

ويجمعون على أن أي خطة تُفرض على غزة دون ضمانات واضحة، وتكرس الانقسام والوصاية، تبقى خطة معقدة بالتنفيذ، وأن الحل الحقيقي لن يتحقق إلا عبر قوة الفلسطينيين وإرادتهم، وموقف عربي داعم يضمن تحقيق سلام عادل وشامل، وفتح أفق للحوار السياسي بعيداً عن التجارب الجزئية أو الملفات الإنسانية المؤقتة، مع الحفاظ على وحدة الأرض والمشروع الوطني الفلسطيني.

تحوير لإطار خطة كوشنر– بلير

يعتبر أستاذ العلوم السياسية والمختص بالشأن الأمريكي د. حسن أيوب أن خطة الرئيس الأمريكي دونالد تمثل في جوهرها تحويراً لإطار خطة كوشنر–توني بلير السابقة، مع إدخال تعديلات طفيفة تجعلها تبدو وكأنها تحظى بدعم دولي وإقليمي واسع، لكنها في الواقع تمثل طوق نجاة للحكومة الإسرائيلية في لحظة ضعف سياسي ودولي، وسط تقويض عالمي لشرعية إسرائيل نتيجة الجرائم التي ارتكبتها في الأراضي الفلسطينية، وبالأخص في قطاع غزة.

ويوضح أيوب أن أي توافق دولي أو إقليمي يدعم هذه الخطة يفرض على المجتمع الدولي الجلوس على طاولة المفاوضات مع كيان متهم بجرائم إبادة جماعية وجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وهو ما يمثل انقلاباً جوهرياً على السياقين التاريخي والسياسي اللذين لم يخدما المصالح الإسرائيلية سابقاً، لكنهما اليوم يعكسان انعطافاً واضحاً في الاتجاه المعاكس لمصلحة تل أبيب.

ويتناول أيوب وضع قطاع غزة في إطار الخطة، مشيراً إلى أن المضمون الأساسي لم يتغير، حيث لن يكون القطاع جزءاً من الكيانية الفلسطينية عند تطبيق الخطة، ما يعني انفصالاً دائماً وجوهرياً عن الضفة الغربية، ضمن التماهي مع مشروع "ريفييرا غزة" الذي أعلنه ترمب سابقاً.

ويؤكد أيوب أن الخطة تتيح بقاء أهالي غزة، لكنها تفتح الباب لهجرة طوعية قد تتسع لتشمل أعداداً كبيرة في ظل الظروف القائمة، وهو ما تروج له إسرائيل أيضاً.

ويشير أيوب إلى أن الوجود الفلسطيني ضمن الخطة سياسياً وإدارياً سيكون محدوداً، إذ كان من المقرر أن يُعهد إلى لجنة إدارية فلسطينية ببعض الصلاحيات، وهو ما رفضته إسرائيل، رغم قبول حركة حماس له مراراً.

ويوضح أيوب أن أي انسحابات إسرائيلية مخطط لها ستحتفظ بمنطقة عازلة، ما يضمن استمرار السيطرة الإسرائيلية على مزيد من الأراضي، ويحوّل غزة إلى مساحة أصغر سياسياً وجغرافياً، تخضع لسلطة غير معرّفة ضمن القانون الدولي، ومنفصلة عن السلطة الفلسطينية والكيان الفلسطيني الموحد.

الخطة خضعت لعملية "تنحيف وإعادة بناء"

وحول تفاصيل الخطة، يوضح أن الخطة خضعت لعملية "تنحيف وإعادة بناء" خلال اجتماع ست ساعات بين جاريد كوشنر وستيف ويتكوف مع نتنياهو قبل الاجتماع مع ترمب، ما يعكس استيعاب التصورات والشروط الإسرائيلية بالكامل، مع ترك مساحات كبيرة من الغموض حول الانسحابات، وتوقيتها، ونشر القوات الدولية والعربية، وطبيعة سحب السلاح من المقاومة.

ويلفت أيوب إلى أن النسخة الأخيرة من الخطة غيرت صياغة بند سلاح المقاومة إلى (to lay down arms) أي وقف القتال، ما يمنح إسرائيل حرية التحرك العسكري في حال حدوث أي معوقات.

ويؤكد أيوب أن تنفيذ الخطة سيفتح المجال لتواجد قوى فلسطينية بديلة تتعاون مع الإسرائيليين في غزة، مثل مجموعات ياسر أبو شباب وحسام الأسطل، ما يجعل العملية التفاوضية معقدة وطويلة، محفوفة بالألغام التي قد تفشلها.

التفاصيل الجوهرية مبهمة وغير محددة زمنياً

وبحسب أيوب، رغم الترحيب العربي والدولي، بما في ذلك السلطة الفلسطينية التي لن يكون لها أي دور فعلي، فإن أي تقدّم فعلي يقتصر على إطلاق سراح الأسرى ودخول المساعدات الإنسانية، بينما تبقى التفاصيل الجوهرية مبهمة وغير محددة زمنياً.

ويؤكد أيوب أن الخطة تمثل محاولة لإعادة بناء الجينات السياسية والاجتماعية لغزة، من خلال عزلها جغرافياً وسياسياً، واستبعاد المقاومة فكرياً وعملياً، وقطع أي ارتباط للقطاع بالقضية الفلسطينية، وهو ما يجعل من أي تطبيق للخطة مشروعاً محفوفاً بالمخاطر، ويضع مستقبل غزة في قلب إعادة ترتيب جيوسياسي معقد.

الأسوأ في تاريخ ما عُرض على الفلسطينيين

يؤكد الكاتب والمحلل السياسي عوني المشني أن الخطة المطروحة على الساحة الفلسطينية "تحمل من السلبيات ما لا يُحصى، وقد تكون الأسوأ في تاريخ ما عُرض على الفلسطينيين"، لكن –رغم ذلك– فإن على الفلسطينيين قبولها لسبب واحد فقط، وهو أنه يوقف مشروع التهجير والإبادة الجماعية الذي سعت إليه حكومة الاحتلال خلال العامين الماضيين.

ويوضح المشني أن رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خاض حرباً مفتوحة لتحقيق هدف التهجير، وقدم في سبيل ذلك "سمعة إسرائيل وسرديتها السياسية، وأفقد الدولة مكانتها، وحولها إلى كيان منبوذ دولياً"، مؤكداً أن مشروع الترحيل القسري يشكل جوهر العقيدة اليمينية الإسرائيلية.

ويرى المشني أن فشل التهجير بفضل صمود الفلسطينيين في غزة كافٍ لتجرع هذا الاتفاق المرّ.

ويؤكد المشني أن الخطة لا يمكن الدفاع عنها، لكنه في المقابل لا يمكن تبرير رفضها، خاصة أنها جاءت في ظل واقع دموي ومعقّد.

ويشير المشني إلى أن ما يتضمنه مقترح خطة ترمب من "غموض وضبابية" يجعل من الصعب الوثوق بأي بند فيه، لكن الحقيقة الوحيدة التي يراها راسخة هي أن غزة باقية وأن مشروع التهجير قد سقط، وإن كان الثمن "باهظاً وباهظاً جداً".

ويعتقد المشني أن فشل إسرائيل في ترحيل السكان سينعكس خلال فترة قصيرة على مجمل الصراع، بعدما اصطدم "الوهم الصهيوني بتفريغ الأرض والاستيلاء عليها بحائط الصمود الفلسطيني"، ما أسقط آخر أوهام اليمين الإسرائيلي حول تجاوز القضية الفلسطينية. ويرى المشني أن العقيدة القائمة على أن "ما لم يتحقق بالقوة يمكن أن يتحقق بمزيد من القوة" قد فشلت تماماً رغم الاستخدام المطلق للعنف خلال الحرب.

غزة ستواجه تحديات هائلة في مرحلة إعادة الإعمار

ويشير المشني إلى أن غزة ستواجه تحديات هائلة في مرحلة إعادة الإعمار، لكن ذلك لن يوقف عملية النهوض، وإن تطلب جهداً مضنياً وزمناً أطول.

ويتوقع المشني أن يشهد الاتفاق انتكاسات وخلافات في التفسير والتنفيذ، إلا أنه يعتقد أنه سيصمد وأن الحكومة الإسرائيلية الحالية ستنهار قبل أن ينهار الاتفاق نفسه.

وعن المشهد المقبل، يتوقع المشني أن يعاد تشكيل الواقع السياسي بشكل مختلف جذرياً عمّا كان قبل الحرب، معتبراً أن المرحلة المقبلة "لن تكون سهلة"، خاصة في ظل الانقسام الفلسطيني.

ويؤكد المشني أن حجم الضغوط السياسية المقبلة على الفلسطينيين سيكون كبيراً، وأن تجاوزها يتوقف على استعداد الطبقة السياسية لتحمل المسؤولية وإعادة بناء البيت الداخلي بصورة جدية.

مشروع تآمري و"نكبة النكبات"

يصف الكاتب والباحث السياسي د. عقل صلاح الخطة الأمريكية الأخيرة بأنها "نكبة النكبات"، معتبراً أنها مشروع تآمري يهدف إلى محو جهود وتضحيات الشعب الفلسطيني، ووقف أي مسار نحو الدولة الفلسطينية المستقلة، بعد الاعترافات الدولية الأخيرة وتحرك المجتمع الدولي لدعم حقوق الفلسطينيين.

ويوضح صلاح أن أول أهداف الخطة تكمن في تعطيل الحل الجذري للقضية الفلسطينية، خاصة إقامة دولة فلسطينية مستقلة، وذلك عبر إحداث عراقيل سياسية وتنظيمية تضمن بقاء السيطرة الإسرائيلية على الأرض وحرمان الفلسطينيين من أي نفوذ حقيقي.

أما الهدف الثاني، وفق صلاح، فهو إنقاذ إسرائيل من أزماتها الداخلية والخارجية، خصوصاً سمعتها التي تضررت بشدة نتيجة الاعترافات الدولية بالدولة الفلسطينية وانتقادات المجتمع الدولي لعمليات الاحتلال في غزة، والتي تضمنت حصار المدنيين واستهداف الأطفال والنساء.

ويشير صلاح إلى أن الهدف الثالث للخطة هو القضاء على المقاومة الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة عبر إشراف دولي وإقليمي، ما يمكّن إسرائيل من تحقيق أهدافها التي فشلت في فرضها بالقوة العسكرية خلال الحرب الأخيرة.

ويعتبر صلاح أن ما يسمى مجلس السلام هو في الواقع مجلس حرب يقوده ترمب وبمدير تنفيذي هو رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير، ليكون قوة دولية رادعة ضد المقاومة، مع تقليص دور السلطة الفلسطينية إلى مهام رمزية وإدارية فقط، وربط أي تقدم سياسي بالالتزام بشروط نزع السلاح من حماس وغيرها من التنظيمات المقاومة.

ويشدد صلاح على أن الخطة تهدف عملياً إلى فرض وصاية دولية على غزة، بحيث تظل تحت إشراف مباشر لإسرائيل وأطراف دولية متحالفة معها، مع التحكم في إعادة الإعمار واستثمار الموارد المحلية، خصوصاً الغاز والسواحل، ما يُبعد غزة عن الوحدة الجغرافية والسياسية مع الضفة الغربية، ويؤدي عملياً إلى تجميد الصراع دون إنهائه.

ويوضح صلاح أن جميع بنود الخطة غامضة ومليئة بالمصطلحات التي تحتاج لتفسير وتفصيل، من الانسحاب، وتسليم سلاح المقاومة، والأنفاق، وإصلاح السلطة، إلى المسار السياسي، ما يجعل التطبيق معرضاً للفشل والانتكاسات منذ البداية.

تنفيذ الخطة يرتبط بموقف عربي إسلامي داعم لتعديلها

ويلفت صلاح إلى أن تنفيذ الخطة يرتبط بموقف عربي وإسلامي داعم لتعديلها، لضمان وحدة الضفة وغزة، إنهاء الاستيطان، وحماية القدس، وتحقيق حل جذري للقضية الفلسطينية، بدلاً من تمرير فرصة سياسية لإسرائيل لإعادة تجميل صورتها وفرض وصايتها على المقاومة.

ويؤكد صلاح أن أي خطة لا تنهي الاحتلال وتحمي حقوق الفلسطينيين لن تنجح، مشيراً إلى أن الوضع الراهن يضع الكرة في ملعب المقاومة، مع تحميلها المسؤولية الكبرى من قبل المجتمع الدولي وإسرائيل عن أي فشل محتمل في تطبيق بنود الخطة، ما يجعل الوضع الفلسطيني في قلب تحديات سياسية وأمنية كبرى.

خطوة أولية لفتح نافذة للحوار

يؤكد الباحث في الاقتصاد السياسي والعلاقات الدولية د. محمد الطماوي أن مستقبل قطاع غزة لا يمكن فهمه أو تقييمه من خلال الخطة الأمريكية الإسرائيلية وحدها، بل يجب النظر إليه في سياق الموقف العربي الراسخ، خصوصاً الدور المصري، الذي يمثل ثقلاً سياسياً وتاريخياً مؤثراً في مسار القضية الفلسطينية.

ويوضح الطماوي أن القاهرة شددت بوضوح على أن أي مسار لإنهاء الأزمة في غزة يجب أن يكون جزءاً من حل شامل وعادل للقضية الفلسطينية، يرتكز على المرجعيات الدولية وعلى مبدأ الأرض مقابل السلام، وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة.

ويشير إلى أن هذا الموقف هو ما دفع مصر، مع دعم سعودي وقطري، إلى الترحيب بالمبادرة الأمريكية-الإسرائيلية، معتبراً إياها خطوة أولية لفتح نافذة للحوار، لكنها ليست نهاية المطاف ولا تشكل صيغة نهائية للحل.

ويلفت الطماوي إلى أن غزة لا يمكن اختزالها في ترتيبات أمنية أو إنسانية فحسب، بل يجب أن تكون جزءاً أصيلاً من الحل السياسي، بما يحفظ وحدة القطاع مع الضفة الغربية والقدس، ويمنع تحويله إلى كيان منعزل أو منزوع السيادة.

وبحسب الطماوي، فإن "الشياطين تكمن في التفاصيل"، مشيراً إلى أن أي بنود تتعلق بنزع سلاح غزة، أو إدارتها عبر لجان مؤقتة، أو ربط إعادة الإعمار بشروط سياسية، يمكن أن تتحول إلى فخاخ تعرقل تنفيذ أي حل حقيقي وتبقي الصراع مفتوحاً.

الموقف العربي يجمع بين الترحيب والحذر

ويؤكد الطماوي أن الموقف المصري والعربي يجمع بين الترحيب والحذر في آن واحد: الترحيب بهدف وقف نزيف الدم وفتح أفق للتسوية، والحذر حتى لا تتحول غزة إلى ساحة لتجريب حلول جزئية أو ملف إنساني بلا أفق سياسي.

ويشير الطماوي إلى أن القاهرة، إلى جانب العواصم العربية الرئيسية، تتحرك وفق معادلة دقيقة: منح فرصة لأي جهود دولية قد تسهم في وقف المقتلة، مع التأكيد على أن الحل الحقيقي لن يتحقق إلا عبر سلام عادل وشامل يضمن الحقوق الفلسطينية ويعيد الاستقرار إلى المنطقة.

ويؤكد الطماوي أن مستقبل غزة لن يحسم عبر قرارات منفردة أو خطط فوقية، أو بخطط مفروضة، بل بإرادة عربية ورؤية تضمن الدولة الفلسطينية.

تصفية القضية الفلسطينية عبر غطاء سياسي

يحذّر الكاتب والمحلل السياسي سري سمور من خطورة الخطة الأمريكية التي طرحها الرئيس دونالد ترمب، معتبراً أنها تستهدف تصفية القضية الفلسطينية عبر غطاء سياسي ودعم مباشر للاحتلال، وأن ما تسعى إسرائيل للحصول عليه اليوم عبر هذه الخطة لم تستطع انتزاعه بالحرب.

ويؤكد سمور أن خطة ترمب "مرعبة جداً" لأنها ليست مجرد مقترح سياسي، بل مشروع يطول جوهر القضية الفلسطينية بالكامل.

ويعتقد سمور أن إسرائيل، وبمساندة واشنطن، تريد استثمار اللحظة الراهنة لفرض وقائع نهائية على الأرض، مشيراً إلى أن "ما لم تحصل عليه إسرائيل بالقوة العسكرية، تحاول أن تنتزعه بالغطاء السياسي الأمريكي".

ويتوقف سمور عند البند الأول في الخطة، والمتعلق بتسليم الأسرى الإسرائيليين دفعة واحدة خلال 72 ساعة، متسائلاً: "ما الذي يضمن ألا تستأنف إسرائيل القتل والتدمير بعد استعادة أسراها، كما جرى سابقاً في قضية عيدان ألكسندر؟"، مشيراً إلى أن التجربة مع الاحتلال تُظهر قابليته لاختلاق الذرائع وخرق أي تفاهمات فور تحقيق أهدافه المباشرة.

ويبيّن أن الإشكالية الأعمق تكمن في أن "قبول الخطة صعب، ورفضها أيضاً صعب"، ما يجعل الخيارات أمام الفلسطينيين شديدة التعقيد.

ويدعو سمور إلى تشكيل موقف موحد يضم جميع الفصائل والسلطة ومنظمة التحرير على مستوى الأمناء العامين، للخروج برد فلسطيني جماعي على خطة ترمب بعيداً عن المناكفات وتحميل المسؤوليات.

الصورة في المدى القريب قاتمة للغاية

وعن مستقبل غزة، يؤكد سمور أن الصورة في المدى القريب قاتمة للغاية، في ظل ما تبقى من دمار واسع وتعاظم الآلة العسكرية الإسرائيلية، مقابل عجز عربي وتواطؤ دولي.

ويقول سمور: "مدينة غزة مهددة بأن تلقى مصير رفح وبيت حانون وغيرها، فالمؤشرات تشير إلى استمرار التدمير بدعم أمريكي وصمت عربي".

ويصف سمور خطة ترمب بأنها "عامة ومليئة بالتفاصيل الغامضة التي يمكن لإسرائيل تفسيرها كما تشاء"، مشيراً إلى أن الحديث عن انسحابات غير محددة النسب، وبشكل بطيء، إلى جانب اشتراط نزع السلاح وتدمير القدرات الفلسطينية، كلها عناصر تمنح الاحتلال فرصة مواصلة المقتلة تحت غطاء تفاهم سياسي.

وفي حديثه عن ترمب، يستعيد سمور موقفه من الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، حين قال الرئيس الأمريكي إن شيئاً لم يحدث بعد الإعلان.

ويعلّق سمور بالقول: "إن ما يجري اليوم هو إحدى تبعات ذلك القرار"، مشيراً إلى أن معركتي (سيف القدس) و(طوفان الأقصى) جاءتا في سياق الرد على السياسات الأمريكية والإسرائيلية تجاه القدس.

ويؤكد سمور أن الفلسطينيين "لن يقبلوا بالعبث بمصير القدس، وأن أي وهم بأن الشارع العربي أو الفلسطيني سيصمت عن استهدافها هو قراءة خاطئة وخطيرة".

تغييرات استراتيجية في الشرق الأوسط

تعتبر الكاتبة والباحثة السياسية د. ولاء قديمات أن خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، سواء تم قبولها أو رفضها من قبل حركة "حماس"، تأتي تحقيقاً لأهداف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وتضع غزة في إطار مشروع يعزز مصالح إسرائيل والولايات المتحدة في المنطقة على حساب الفلسطينيين.

وبحسب قديمات، فإن الخطة تقترح وقفاً للحرب وإنهاءً للتهجير، لكنها تأتي ضمن سياق تغييرات استراتيجية في الشرق الأوسط تضمن مصالح واشنطن وحليفها الإسرائيلي، من دون إعطاء مساحة حقيقية للفلسطينيين لتقرير مصيرهم.

وتشير قديمات إلى أن خطة ترمب قدمت بديلاً لاستمرار الصراع، لكنها لم تترك لحركة حماس سوى خيارين: القبول بالخطة أو السماح لإسرائيل بتنفيذها على الأرض التي تسيطر عليها في غزة.

وتوضح قديمات أن الخطة تشمل 20 بنداً تتعلق بإنهاء الحرب، وإطلاق سراح الرهائن، وإعادة الإعمار، ووضع قطاع غزة تحت إدارة أمريكية يرأسها ترمب من خلال ما يسمى بـ"مجلس السلام".

 سلخ غزة عن الضفة وإجهاض حل الدولتين

وتؤكد قديمات أن هذه الترتيبات تعني عملياً سلخ غزة عن الضفة الغربية واستمرار الانقسامَين الجغرافي والسياسي، وهو ما يمثل إجهاضاً عملياً لحل الدولتين على الأرض.

وتوضح قديمات أن قطاع غزة أصبح أرضاً مدمرة بفعل الحرب، بينما تسعى الولايات المتحدة وإسرائيل لاستثمار مقدراته الاقتصادية، في ظل مواطنين فلسطينيين عانوا من القتل والنزوح والقهر.

وتشير إلى أن الخطة لم تحمل أي ضمانات للحقوق الفلسطينية أو جدولاً زمنياً لإعادة القطاع إلى إرادة الفلسطينيين، ما يجعلها أقرب إلى إعادة استعمار وفرض وصاية على غزة.

وتشدّد قديمات على أن الخطة مكلفة على المستوى البشري والسياسي للفلسطينيين، ولا توفر أي أفق حقيقي في ظل تنافس القوى الدولية والإقليمية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية التي تنظر إلى المنطقة كساحة نفوذ، مع استبعاد واضح لفلسطين من الحسابات الكبرى.

وتشدد قديمات على أن مستقبل غزة لن يُرسم إلا بأيدي أبنائها، من خلال تمسكهم بأرضهم وممارسة حقهم في تقرير مصيرهم، مشيرة إلى أن الحل الحقيقي يعتمد على قوة الفلسطينيين وإرادتهم، لا على القرارات الأمريكية أو الإسرائيلية المعلنة.

هذا الموقف يعكس، وفق قديمات، أن أي خطة خارجية تفرض على غزة دون ضمانات واضحة، تبقى خطة مكلفة، غير عادلة، وتكرس الانقسام والوصاية، ما يجعل مستقبل القطاع محفوفاً بالتحديات الكبيرة.

دلالات

شارك برأيك

مستقبل القطاع بعد خطة ترمب.. تحديات الوصاية الدولية والانفصال عن الكيانية الوطنية

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.