عربي ودولي

الإثنين 22 سبتمبر 2025 9:21 مساءً - بتوقيت القدس

تهديد إسرائيل بضم الضفة الغربية: أداة ابتزاز للفلسطينيين والعرب والمجتمع الدولي

واشنطن - "القدس" دوت كوم – سعيد عريقات

على مدى العقود الماضية، ظلّت الضفة الغربية المحتلة أحد أبرز محاور الصراع في القضية الفلسطينية، باعتبارها قلب الدولة الفلسطينية المرتقبة ضمن إطار حل الدولتين. ومع تصاعد الخطاب الإسرائيلي الداعي إلى ضم أجزاء من الضفة، أو حتى الضم الكامل، يبدو أن هذا التهديد لم يعد مجرد ورقة انتخابية داخلية، بل تحوّل إلى أداة ابتزاز تمارسها إسرائيل على الفلسطينيين، وعلى الدول العربية، بل وعلى المجتمع الدولي بأسره.


الضم كأداة ضغط سياسي


تستخدم إسرائيل التهديد بضم الضفة الغربية، جزئيًا أو كليًا، كورقة تفاوضية أكثر منها نية فعلية للتنفيذ الكامل. ففي كل مرة يُطرح فيها مشروع دولي لإحياء عملية السلام، أو تظهر بوادر ضغط دولي لإجبار إسرائيل على الانخراط في مسار سياسي، تعمد القيادة الإسرائيلية إلى التلويح بورقة الضم، لتعيد توجيه الأنظار إلى مساحات الجدل، بدلًا من الحلول الواقعية.


هذا التهديد، من وجهة نظر الحكومة الإسرائيلية اليمينية المتطرفة (ووجهة نظر رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو)، يمنحها هامشًا واسعًا للمناورة. فبينما يرفض الفلسطينيون أي تفاوض تحت التهديد، تجد الدول الغربية نفسها أمام معضلة: إما الضغط على الفلسطينيين لتقديم تنازلات، أو خسارة السيطرة على مسار "التسوية"، إذا أقدمت إسرائيل فعلًا على الضم.


ابتزاز الفلسطينيين: التنازل أو الخسارة


في الجوهر، يهدف تهديد الضم إلى فرض منطق "الخسارة المؤكدة" على الفلسطينيين: إما أن يقبلوا بحدود دنيا من الحقوق ضمن ما يسمى "سلامًا اقتصاديًا" أو "دولة منزوعة السيادة"، أو يخسروا ما تبقى من أرضهم تحت واقع الضم الفعلي، الذي يتم بالتدريج عبر الاستيطان والقوانين الإسرائيلية المفروضة على الأرض.


وبهذا المعنى، فإن الضم لم يعد مجرد تهديد نظري، بل سياسة أمر واقع، يتم تكريسها عبر التوسع الاستيطاني، وهدم المنازل، وطرد السكان، والسيطرة الإدارية على مناطق مصنفة (ج) وفق اتفاق أوسلو. والهدف من كل ذلك هو خلق واقع يجعل فكرة الدولة الفلسطينية غير قابلة للتحقق على الأرض.


الابتزاز الإقليمي: رسالة إلى العرب


لا يقتصر التهديد الإسرائيلي على الفلسطينيين، بل يوجَّه أيضًا نحو الدول العربية، خصوصًا تلك التي أبدت رغبة في التطبيع مع إسرائيل أو في لعب دور الوسيط. فإسرائيل، من خلال التهديد بالضم، تقول بشكل غير مباشر للعواصم العربية: "إما أن تستمروا في علاقاتكم معنا وتغضّوا الطرف عن تصرفاتنا في الضفة، أو نذهب نحو خطوات أحادية تزعزع الاستقرار في المنطقة".


هذا النوع من الابتزاز يستخدم لتحقيق مكاسب دبلوماسية واقتصادية، حيث تحصل إسرائيل على "شرعية إقليمية" دون أن تقدّم مقابلًا سياسيًا حقيقيًا للفلسطينيين. بل قد يتم استخدام التهديد بالضم لإقناع الدول العربية بممارسة ضغط على السلطة الفلسطينية للقبول بحلول مجتزأة، أو التنازل عن بعض الثوابت، مقابل وعود بمساعدات اقتصادية أو دعم دولي.


رسالة إلى العالم: لا نعبأ بقراراتكم


من جهة أخرى، يشكل التهديد بالضم رسالة واضحة إلى المجتمع الدولي بأن إسرائيل لم تعد تشعر بأي التزام تجاه قرارات الشرعية الدولية. فإسرائيل تتحدى بشكل صريح قرارات مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة، التي تؤكد جميعها أن الضفة الغربية أراضٍ محتلة يجب أن تكون جزءًا من أي حل تفاوضي عادل.


لكن هذه التهديدات لا تأتي من فراغ، بل تعكس إدراكًا لدى إسرائيل أن مواقف القوى الدولية الكبرى، خصوصًا الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، لم تعد حاسمة أو موحدة بما يكفي لردعها. وهكذا، يصبح التهديد بالضم أيضًا وسيلة لاختبار حدود الصمت الدولي، وقياس مدى استعداد العالم للقبول بالأمر الواقع.


خاتمة: هل ينجح الابتزاز؟


إن استخدام تهديد ضم الضفة الغربية كأداة ابتزاز سياسي لا يمكن فصله عن غياب إرادة دولية حقيقية لفرض حل عادل وشامل. فرغم الإدانات اللفظية، لم يتخذ المجتمع الدولي خطوات عملية للضغط على إسرائيل، مثل فرض العقوبات أو تعليق اتفاقيات التعاون.


في المقابل، لا يزال الفلسطينيون يرفضون التفاوض تحت التهديد، وهو موقف مشروع، لكنه يواجه تحديات كبيرة في ظل ضعف الدعم العربي وتشتت الأولويات الدولية. أما العرب، فهم أمام مفترق طرق: إما الاستمرار في مسار التطبيع غير المشروط، أو استعادة موقف جماعي موحد يربط أي علاقة بإسرائيل بتحقيق تقدم فعلي نحو إنهاء الاحتلال.


وفي نهاية المطاف، قد تنجح إسرائيل مؤقتًا في فرض سياسات الأمر الواقع، لكنها لن تحقق أمنًا طويل الأمد ولا استقرارًا حقيقيًا في المنطقة، طالما بقيت الحقوق الفلسطينية مُهدَرة، وطالما استُخدم التهديد كبديل عن الحل.

دلالات

شارك برأيك

تهديد إسرائيل بضم الضفة الغربية: أداة ابتزاز للفلسطينيين والعرب والمجتمع الدولي

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.