أقلام وأراء

الإثنين 22 سبتمبر 2025 8:50 صباحًا - بتوقيت القدس

أهمية اتفاق الدفاع الاستراتيجي المشترك بين السعودية والباكستان

ليست إيران التي تهدد المنطقة وترتد تدمير دولها بالسلاح النووي كما كان يزعم نتنياهو، وكما كان يكرر في العديد من خطاباته بالجمعية العامة للأمم المتحدة وحتي خلال لقاءاته مع زعماء العالم، ومنهم بالطبع بايدن و ترمب، وإنما إسرائيل التي تريد من خلال ذلك تغير الخارطة الجيوسياسية في المنطقة بالقوة ..!

خلال كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في أيلول 2023 قال نتنياهو: "إن التهديد المشترك الذي تشكله إيران جعل إسرائيل والعديد من الدول العربية أقرب من أي وقت مضي في صداقة لم أرها في حياتي" (انتهي الاقتباس)، وقال: "سيأتي اليوم الذي ستتمكن فيه إسرائيل من توسيع دائرة السلام ما بعد مصر والأردن لتشمل المزيد من جيراننا العرب"، وادعى نتنياهو في كلمته أن هناك اجتماعات لا حصر لها مع قادة العالم حيث أوضح لهم أن إسرائيل والدول العربية تتقاسم العديد من المصالح المشتركة، وبيّن أنه يتصور أن هذه المصالح المشتركة العديدة يمكن أن تسهل تحقيق انفراجة في طريق التوصل إلى سلام أوسع في المنطقة. كان يروج نتنياهو حينها إلى أن صنع السلام مع العديد من الدول العربية يمكن أن يزيد من احتمالات صنع السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين، بل واعتبر أن الفلسطينيين لا يمثلون سوى 2% من العالم العربي، وادعى أن الفلسطينيين يعتقدون أن الـ98% الباقية من العرب سيبقون في حالة شبه حرب مع إسرائيل، ويعتقدون أن هذه الكتلة الأكبر يمكن أن تزيل إسرائيل وتدمرها في نهاية المطاف..!وأعرب عن اعتقاده أن الفلسطينيين عندما يرون أن معظم العالم العربي قد تصالح مع الدولة اليهودية فإنه من المرجح أن يتخلوا عن تدمير إسرائي، وأن يتبنوا أخيراً طريق سلام حقيقي معها...!

أما عن اتفاقيات السلام الأخيرة مع العالم العربي، فإن نتنياهو كان قد ادعى أنه حقق أربع معاهدات سلام بالتعاون مع الولايات المتحدة في أربعة أشهر وقال: "حققت أربع اتفاقيات سلام مع الإمارات والبحرين والسودان والمغرب في أربعة أشهر".

وأضاف ان هذه الاتفاقيات الإبراهيمية كانت عبارة عن لحظة مفصلية عبر التاريخ."  اليوم بعد حرب الإبادة في غزة ومحو العديد من المدن والمخيمات في القطاع والضفة الغربية عن الوجود ,نسأل نتنياهو سؤال جوهري، أين إسرائيل من هذه الاتفاقيات التي كنت تتشدق بها في الجمعية العامة للأمم المتحدة بعد استهداف دولة قطر والاعتداء على سيادتها وتهديد السعودية ومصر والأردن ..؟.  لا أعتقد أن هذه الاتفاقيات أصبحت مثار حديث من أي أحد حتى في إسرائيل، حتى إن العديد من العقلاء والمفكرين والخبراء الاستراتيجيين الإسرائيليين باتوا يخشون أن تتحلل الدول العربية كافة من اتفاقات أبراهام يوماً ما، وحتى اتفاقيتي كامب ديفيد مع مصر ووادي عربة مع الأردن، بسبب تهور وجنون نتنياهو الذي سيكون سبباً في خسارة إسرائيل مكانتها في العالم والإقليم، وفي الوقت ذاته ينسف كل جهود ومساعي إدارتي بايدن السابقة وترمب الحالية والسابقة على مدار عقد من الزمان لمحاولة تشكيل حلف دفاعي عربي تكون إسرائيل جزءاً منه.

كل هذا ينقلنا إلى الحدث الاستراتيجي الكبير في المنطقة، وهو اتفاق  الدفاع الاستراتيجي المشترك والجديد والمهم بين السعودية والباكستان، والذي وقعه ولي العهد السعودي (الأمير محمد بن سلمان) ورئيس الوزراء الباكستاني (شهباز شريف)  في 17 أيلول الحالي في الرياض، وبعد ما يقارب 72 ساعة من انتهاء القمة العربية والإسلامية في الدوحة في تطور لافت ومهم في المنطقة العربية، وأعتقد أنه جاء رداً على تهديد نتنياهو للعواصم العربية وتطاول نتنياهو ووزرائه على العرب بأنهم ليسوا أكثر من ضوضائيين لا يفعلون شيئاً، وتطاول وزراء اليمين المتطرف في إسرائيل على السعودية بشكل خاص عندما قالوا "إن على الفلسطينيين الرجيل الى السعودية وإقامة دوله لهم على أراضيها". هذه الاتفاقية هي الأولى من نوعها بين السعودية ودولة نووية بالعالم الإسلامي، دولة لها حضور عسكري كبير بالعالم، خاصة بعدما استطاعت أن تردع الهند، حليفة أمريكا وإسرائيل، في المواجهة الأخيرة في نيسان من العام الحالي. 

البيان المشترك الذي صدر في الرياض أفاد بـ"أن الاتفاقية تأتي في إطار سعي البلدين لتعزيز أمنهما، وتحقيق الأمن والسلام في المنطقة والعالم، وتهدف لتطوير جوانب التعاون الدفاعي بين البلدين، وتعزيز الردع المشترك ضد أي اعتداء"، في اعتقادي هذا الاتفاق يعتبر لطمة خماسية على وجه ترمب الذي باتت مصالحه ومكانته في المنطقة العربية على كف عفريت، بعد التغاضي عما فعلته إسرائيل في الدوحة، وبعد الانحياز المفرط لإسرائيل وتقوية شوكتها في المنطقة، وبعد ستة فيتوهات في مجلس الأمن ضد مشاريع لوقف إطلاق النار في غزة، كما أن هذا الاتفاق يحمل في الوقت ذاته رسالة تحذيرية لإسرائيل التي تمادت في جبروتها، وانتهاكها القانون الدولي الإنساني بقتل عشرات الآلاف من الفلسطينيين دون أن يوقفها أحد، والرسالة المهمة هي إن كانت إسرائيل تفكر في توجيه ضربه عسكرية للسعودية فإنها ستتلقى ضربات، والمواجهة ستكون أوسع وأكبر مما تعتقد، مع أن المسؤولين السعوديين أكدوا أن الاتفاقية جاءت نتيجة للتعاون التاريخي الطويل بين السعودية والباكستان، وليس نتيجة للأحداث الحالية في المنطقة. الاتفاقية تتضمن كل أوجه التعاون الاستراتيجي العسكري والمعلوماتي والاستخباري، وتتضمن التدريبات المشتركة والمناورات، وقد تشمل الاتفاقية أيضاً نشر منظومات دفاعية متطورة في السعودية، وإقامة مفاعل نووي مدني بدعم وخبرات الباكستان على الأراضي السعودية لاستخدامه في الأغراض المدنية، وهذا ما كانت الولايات المتحدة الأمريكية تقايض عليه مقابل تطبيع السعودية مع إسرائيل، وكانت ترفضه إسرائيل، إضافة إلى توسيع القاعدة العسكرية الباكستانية في السعودية، وإرسال المزيد من الجنود الباكستانيين مع تجهيزاتهم العسكرية المتطورة.  

الاتفاق الدفاعي الاستراتيجي المشترك بين السعودية والباكستان يعزز الشراكة التاريخية بين البلدين، ويفتح امتدادات لعقود جديدة من العمل المشترك، ولعل هذا الاتفاق تأتي أهميته بأن السعودية كأكبر دولة إسلامية في المنطقة ستعتمد شراء صفقات سلاح وتجهيزات من الباكستان والصين، ما يعني أن الاتفاقية قالت وداعاً للاعتماد على السلاح الأمريكي والغربي، وهذا قد يؤدي في المستقبل إلى نهاية اتفاقيات السعودية وأمريكا، خاصة في المجالات العسكرية والاقتصادية،  وقد تنتهي يوماً من الأيام، لأنه لا قيمة لهذه الاتفاقيات في ظل التحالفات الاستراتيجية الأمريكية مع إسرائيل، وترك إسرائيل تفعل ما تشاء بالقوة العسكرية، لتهيمن على المنطقة وتردع ما تجد في ردعه مصلحة لها. 

ولعل أهمية هذا الاتفاق أنه يفتح الباب لتحالف إسلامي أوسع بانضمام دول جديدة من الخليج العربي لهذا التحالف، ليصبح قوة إسلامية لها هيبتها أمام الغطرسة الإسرائيلية والأمريكية، ما يعني أن الأمر قد لا يتوقف على إنشاء ناتو عربي، بل ناتو عربي إسلامي تقوده السعودية والباكستان، وهذا يعني أن المنطقة العربية ستحدّث وتطوّر قوتها العسكرية، خاصة الصواريخ الباليستية والطائرات، والأهم هنا أن السعودية بهذه الاتفاقية قد رسمت خارطة للخروج من دائرة الاعتماد على حليف استراتيجي وأحد يستنزفها مالياً واقتصادياً، إلى عدد من الحلفاء، منهم الصين والباكستان وكوريا الشمالية وتركيا التي قد تدخل في المستقبل على خط التحالفات في المنطقة. 

لم تعلق واشنطن ولا إسرائيل على هذا الاتفاق، والتزمتا الصمت، لكنهما فهمتا الرسائل من وراء هذا الاتفاق، وفهمت إدارة ترمب بالتحديد أن إسرائيل التي ادعى رئيس وزرائها أنه سيُغير وجه الشرق الأوسط ستبقى دولة منبوذة ومعزولة، ليس من قبل العالم العربي الذي هو أمام تحول كبير في العلاقة مع إسرائيل، حتى الدول التي لها علاقات دبلوماسية باتت تخفض هذه العلاقات إلى أدنى مستوى، وأعتقد أن الكثير منها بات حبراً على ورق، ولعله بات من المستحيل أن يتم التوصل إلى أي اتفاقات تطبيع جديدة مع إسرائيل وأيٍّ من الدول العربية، لأن إسرائيل لم تحافظ على المعاهدات التي أبرمتها ليقبل بعض الدول العربية الدخول في اتفاقات جديدة في ظل أنه سيكون من الصعب الحفاظ على الاتفاقيات السابقة التي أُبرمت في إطار اتفاق أبرهام الذي بات مهدداً أيضاً بسبب تمادي إسرائيل في تهديد المنطقة والهرولة للاستيلاء على أراضٍ عربية في سوريا ولبنان وغزة والضفة والقدس، تحت ذريعة المناطق العازلة، وهي تحاول الآن بالقوة فرض عملية تهجير واسعة للفلسطينيين من الضفة الغربية والقطاع باتجاه الأردن ومصر لرسم خارطة جيوسياسية جديدة للمنطقة، ما يعتبره العالم العربي خطاً أحمر لا يمكن التغاضي عن اجتيازه، وسيكون سبباً في حدوث حالة صدام عسكري على الأقل بين مصر وإسرائيل إذا حاولت إسرائيل أن تدفع بالفلسطينيين لكسر حدود مصر مع غزة، والتوجه نحو سيناء تحت النار، وهذا ما  حذر منه العديد من الخبراء العسكريين في العالم العربي، ما يعني أن المواجهة قد تتسع بدخول دول عربية أُخرى على خط الواجهة المحتملة. 

دلالات

شارك برأيك

أهمية اتفاق الدفاع الاستراتيجي المشترك بين السعودية والباكستان

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.