أقلام وأراء

الإثنين 15 سبتمبر 2025 9:22 صباحًا - بتوقيت القدس

مسرحية الكيلومترات




ثمانية عشر قرنًا من الكيلومترات بين الدوحة وتل أبيب لم تكن يومًا مشكلة جغرافية بل كانت دومًا مشكلة أخلاقية وسياسية، فالمسافة في عالم الطائرات والصواريخ لا تُقاس بالخرائط بل تُقاس بالصفقات والابتسامات والرسائل المبطنة، من زوّد الطائرة بالوقود وهي تشق السماء وكأنها في رحلة سياحية بين محطتين للطيران منخفض التكلفة؟ ومن ترك لها الممرات الجوية مفتوحة وكأنها عصفور مهاجر لا يحتاج سوى إلى دليل نجوم؟ الأسئلة كثيرة لكن الأجوبة أكثر سخرية، فقاعدة العديد التي ملأت الدنيا ضجيجًا عن قوتها صارت فجأة مثل خيمة أعراس في موسم الصيف: أنوار كثيرة، موسيقى عالية، وضيوف يتراقصون، لكن عندما يسقط المطر يتذكّر الجميع أن الخيمة مثقوبة، كيف لم تُعترض الصواريخ؟ ببساطة لأنها لم تُصمَّم لتعترض بل لتستعرض، ولأن واشنطن تحب أن تُبقي بعض المسرحيات بلا نهاية كي تستمر العروض ويظل الجمهور يشتري التذاكر.
نتنياهو وجد في هذه المسرحية أكثر من غنيمة، رجل محاصر بالفساد، محاصر بالمحاكم، محاصر حتى بأحاديث مقاهي تل أبيب عن علاقاته القطرية وتمويلات حماس، فجأة يطلّ علينا بملامح رجل الدولة الذي يحمي الأمن القومي، يصرخ بلهجة الممثل الكبير: "انظروا! لقد استُهدفت الدوحة!"، وكأنه يريد أن يقول للداخل الإسرائيلي: انسوا جلسات المحكمة، انسوا رزم الملفات، انسوا شيكات الغاز، نحن في خطر وجودي، وما أجمل أن يتحول المتهم بالفساد إلى بطل قومي بفضل صاروخ لم يسقط على أحد، لكنه سقط على عقول كثيرة. إن نتنياهو بارع في تحويل كل أزمة شخصية إلى أزمة إقليمية، وكل خيانة صغيرة إلى مؤامرة كبرى، حتى الفساد عنده يصبح مؤامرة كونية تستهدف إسرائيل، والمليارات التي لا يعرف من أين دخلت ومن أين خرجت تُصبح في الرواية الرسمية "دعمًا استخباراتيًا لمصالح الأمن"، أما حقيقة أن بعض هذه الأموال مرّت من الدوحة فتبقى تفصيلة صغيرة مثل بند مكتوب بخط صغير في أسفل عقد الزواج.
الدوحة هنا تبدو كالعريس المخدوع الذي اكتشف ليلة الزفاف أن شبكة الذهب التي اشتراها ليست من ذهب بل من نحاس مطلي، وأن الضيوف الذين حضروا للرقص كانوا قد قبضوا أجورهم مسبقًا، هل خُدعت قطر بالفعل أم أنها تعرف منذ البداية أنها مجرد "كومبارس" على خشبة مسرح أمريكي؟ قد يقال إنها ضحية خيانة مزدوجة، الأولى من واشنطن التي باعت لها أوهام الحماية مقابل مليارات، والثانية من تل أبيب التي قبلت أن تكون شريكة في مسرحية أمنية غايتها تحويل الأنظار عن فساد نتنياهو، لكن إذا تعمّقنا في النص المسرحي سنكتشف أن الخيانة ليست مزدوجة بل متعدّدة، لأن اللعبة في النهاية ليست سوى شبكة مصالح معقّدة لا مكان فيها للثقة أو الصداقة، فقط حسابات دقيقة مثل أرقام حسابات بنكية في جزر الكاريبي.
أمريكا في هذه القصة تمثل دور المخرج العجوز الذي يعرف أن الجمهور لا يشتري التذاكر إلا إذا كانت هناك مؤامرة ما أو خطر داهم، لذلك تترك الصواريخ تمرّ من فوق قاعدة العديد وكأنها تترك مشهدًا مثيرًا في منتصف الفيلم، ثم تظهر أمام الكاميرات لتقول: نحن مصدومون، لم نتوقع هذا، سنُحقق في الأمر، هي نفس الجملة التي تُقال منذ حرب فيتنام حتى حرب العراق، "سنعمل على عدم تكرار الخطأ" والجمهور يصفق رغم أنه يعرف أن الخطأ سيُكرر مرات ومرات لأن الخطأ هو أساس العرض، لولاه لانطفأت الأضواء وأُغلقت القاعات.
أما إسرائيل فهي الممثلة التي تتقن البكاء على الخشبة، دموع غزيرة، صراخ مرتفع، ادعاء بالخذلان، بينما في الكواليس تضحك مع شركائها على نجاح المشهد، وما أجمل أن تكون الضحية في العلن واللاعب الأساسي في الخفاء، هي تعرف أن تمرير هذه الصواريخ بلا اعتراض يخدمها أكثر مما يضرها، لأنه يتيح لها التلويح بخطر إقليمي وتعبئة الداخل الإسرائيلي حول زعيم غارق في الفضائح، وكلما ارتفعت الأصوات ضد نتنياهو، يُذكّرهم أن هناك "صواريخ من الشرق" بدل أن يذكّرهم أن هناك "فواتير غاز من الغرب".
لكن السخرية الكبرى ليست في هذا المشهد فقط، بل في طبيعة الرادارات العمياء التي فجأة لم ترَ شيئًا، كأنها وضعت عصابة على عينيها، أو كأنها أجهزة ديكور مثل تلك التي توضع في أفلام الأكشن الرخيصة، تسأل نفسك: كيف تمرّ صواريخ عبر سماء مليئة بالقواعد الأمريكية والرادارات المتطورة دون اعتراض؟ الجواب سهل: لأن الاعتراض لم يكن جزءًا من السيناريو، ولأن السماح بالمرور كان شرطًا لإنجاح الحبكة، أليس من الغريب أن صاروخًا يقطع آلاف الكيلومترات دون أن يلمسه أحد، بينما إذا حاولت ذبابة الدخول إلى المطبخ تجدها محاصرة بعشرة مبيدات؟ الأمر أشبه بمسرح العرائس، الخيوط واضحة، الدمى تتحرك، والجمهور يضحك لكنه يظل يتظاهر بأنه يصدّق ما يرى.
وفي الدوحة نفسها ربما كان هناك من يسأل: هل هذه خيانة؟ أم مجرد إعادة توزيع للأدوار؟ هل نحن ضحايا لعبة أكبر أم شركاء في عقد غير معلن؟، فالسياسة في الخليج ليست سوى شبكة معقدة من التوازنات حيث الجميع يتهم الجميع بالخيانة بينما الجميع يعرف أن الجميع خان منذ البداية، لكن لا أحد يجرؤ على الاعتراف، مثل عشاق قدامى يواصلون اللقاء رغم أنهم يعرفون أن العلاقة انتهت منذ سنوات.
والسخرية تتضاعف حين نسمع التصريحات المتناقضة بين الإدارة الأمريكية والإسرائيلية، الأولى تقول: لم نكن نعلم، الثانية تقول: فوجئنا، كلاهما يُتقن دور "الزوج المخدوع" الذي يصرخ أمام الجيران ليكسب تعاطفًا، بينما الحقيقة أنه كان يوزع مفاتيح البيت منذ زمن، لعبة التصريحات ليست إلا مونولوجًا مملًا يُعاد في كل أزمة، حتى صار الجمهور يحفظه مثل أغنية قديمة، "سوف نحقق، سنحاسب، سنمنع تكرار الحادث"، لكن لا تحقيق، لا محاسبة، ولا منع، فقط إعادة إنتاج لنفس اللعبة.
ولأن السياسة في المنطقة صارت تُدار كعرض كوميدي أسود، لم يعد أمام الشعوب سوى التهكم، فكيف نأخذ على محمل الجد مشهدًا تُخترق فيه سماء الخليج بأريحية، بينما يُمنع فيه صحفي من دخول قاعة مؤتمر لأنه لم يضع ربطة عنق؟ وكيف نقبل بأن تُصرف مليارات الدولارات على شراء مظلات دفاعية لتكتشف في اللحظة الحرجة أنها مظلات مثقوبة؟ لقد صارت الحماية الأمريكية مثل التأمين الصحي: تُدفع أقساطه بانتظام لكن عندما تمرض يقال لك: آسفون، هذا البند لا يشمله العقد.
والنتيجة أن قطر اليوم تجد نفسها في وضع لا تُحسد عليه: بين اتهامات الخيانة وبين شعور الضحية، بين وهم الحماية وبين حقيقة العزلة، بين قاعدة العديد التي صارت مثل "موقف سيارات" للصواريخ العابرة وبين جار إسرائيلي يعرف كيف يستغل كل مشهد لصالحه، وبين واشنطن التي لا يهمها سوى استمرار العروض كي تظل التذاكر تُباع، وبين شعوب عربية تنظر إلى المسرحية وتضحك بمرارة: ضحك يشبه البكاء.
الفضيحة ليست في الطائرة التي قطعت المسافة ولا في الصواريخ التي عبرت الأجواء، بل في العقول التي ما زالت تتوهم أن هناك حلفاء أو أصدقاء في هذه اللعبة، الحقيقة أن الكل يبيع الكل، وأن الحماية ليست سوى سلعة مثل أي سلعة، تُباع وتُشترى، تُعرض وتُسحب، تُباعك اليوم وتشتريك غدًا، وفي النهاية تكتشف أنك كنت تلعب دور "المشاهد الممول" في مسرحية لا نهاية لها، مسرحية عنوانها: كلما اقتربت الكيلومترات من الحقيقة ابتعدت الصواريخ عن أهدافها، وكلما ارتفعت الأصوات عن الخيانة ارتفعت أسعار التذاكر.

دلالات

شارك برأيك

مسرحية الكيلومترات

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.