د. نبيه القاسم: يظل السؤال في ذكرى رحيله: ماذا كان سميح سيقول ويفعل لو كان لا يزال على قيد الحياة في زمن الإبادة
د. نبيل طنوس: برز في شعره موتيف الانتماء لما له من أهميّة خاصّة في تكوّن اتّجاهات الإنسان المدافع عن كينونته ووجوده
د. سناء عز الدين عطاري: منح القصيدة جذور الزيتون ووهج البرق وجعل فلسطين حاضرة في الوجدان العربي من الجليل إلى المحيط
د.رياض كامل: ما زال سميح القاسم يمشي في أزقة قرانا ولأنه الصوت العالي في وجه الاحتلال يبقى يهدر في مسيراتنا ومظاهراتنا
محمد شريم: لم يكن شاعر النخبة في يوم من الأيام بل كان بحكم انتمائه الوطني ومساره الفكري ومسيرته النضالية شاعر الجماهير
محمد ياسين رحمة: كان شاعراً رائياً متدفقاً بالأمل والتفاؤل في أشدّ الظروف ألماً ونكاد نسمع صوته عندما خاطب غزّة بـ"أخت المعجزات"
تحل في التاسع عشر من آب، الذكرى السنوية الحادية عشرة لرحيل الشاعر العربي الفلسطيني سميح القاسم، ونحن في أمسّ الحاجة إلى ذلك النفَس الوطني والعطاء الثقافي الإبداعي المقاوم للاستبداد والاضطهاد الذي نتنسّمه في أشعاره وكتاباته، وهو الشاعر الذي أطلق عليه شعراء وأدباء فلسطينيون وعرب ألقاباً كثيرة، منها: "هوميروس من الصحراء"، "قيثارة فلسطين"، "متنبي فلسطين"، "شاعر العرب الأكبر"، "شاعر العروبة بلا منازع وبلا نقاش وبلا جدل"، "الشاعر القديس"، "مغني الربابة وشاعر الشمس"، وغيرها الكثير من الأوصاف التي تليق به شاعراً رائياً مستشرفاً ومتدفقاً بالأملوالتفاؤل رغم سوداوية المشهد وألم الـمُصاب.
وفي هذه المناسبة التقت "ے" مجموعة من الشعراء والنقاد والكُتاب، ليتحدثوا عن سميح عشية ذكرى رحيله، إذ أكدوا أنه كرّس صوتَه ليكون صوت شعبه الفلسطيني وشعبه العربي، وهو الذي أقسم أن لا قوّة تستطيع أن تُخرسَ صوته، مشيرين إلى أنهم يكادون يسمعون صوته وهو يخاطب غزّة في إحدى قصائده واصفاً إياها بأنها أخت المعجزات، متسائلين: أليست غزّة في حرب الإبادة المُعلنة عليها هي أختُ المعجزات؟!
سميح القاسم.. صوت شعبه
قال الدكتور الناقد نبيه القاسم: "في ذكرى سميح القاسم السنة الماضية قلت في أمسية أقيمت في حيفا لذكراه: "كم أحسد سميح القاسم ومحمود درويش أنهما رحلا عن هذه الدنيا، ولم يعيشا الذي نعيشه من خزي وفقدان كرامة وعجز وشلل تُكبّل العالم العربي بحكّامه وشعوبه، ومن إهمال وتَجاهل من قبَل حُكّام معظم دول العالم".
وأضاف: "اليوم أسأل نفسي: ماذا كان بإمكان سميح القاسم ومحمود درويش أن يفعلا؟ وماذا يُمكن أن يقولا في زمن إبادة الشعب الفلسطيني والشعوب العربية كما كانت هي الآن مُكبّلة لا تستطيع قول كلمة أو أن تخرج لتُعلن موقفاً، بينما شعوب العالم في معظمها تدين وتتظاهر وتُواجه حكوماتها وتُعلن موقفَها المؤيد للشعب الفلسطيني في محنته غير المتَخيّلة في زمن غير معقول".
ويرى د. القاسم أن "سميح القاسم قد يكون منذ ولادته في مدينة الزرقاء في الأردن يوم 11/ 5/ 1939 قد كُرِّس ليكونَ صوتَ شعبه الفلسطيني وشعبه العربي على امتداد الوطن العربي، فقد أقسم أن لا قوّة تستطيع أن تُخرسَ صوته".
وأشار إلى أنه "مع تفتّح وعيه واتّساع مَداركه وثقافته ومعرفته آمن بشعبه العربي وانتمائه العربي وحق شعبه الفلسطيني في استعادة حقوقه وإقامة دولته العتيدة فوق تراب وطنه. وهذا ما كرّس له شعره ونثره".
محاور كرّس لها حياته
وقال: قد تكون مُعاناة سميح القاسم الحقيقيّة التي رسمت طريق في الحياة وعبّر عنها في شعره ونثره تتحدّد في:
* اعتزازه بعروبته وإيمانه القوي بأنها ستستعيد مكانتها التي تستحقّها بين شعوب العالم.
* اعتزازه بفلسطينيّته ويقينه بانتصار الشعب الفلسطيني، وتحقيق حلمه بتحرّره وإقامة دولته الحرّة المُستقّلة.
* حلمه باستعادة الوحدة العربية وقيام الدولة العربية الواحدة وانتهاء الانقسام الذي فرضته الدول الكبرى بعد الحرب العالمية الثانية في معاهدة سايس– بيكو.
وقال د. القاسم: إن هذه المحاور كانت مركز اهتمام سميح القاسم، وكرّس لها حياته حتى يومه الأخير.
وأضاف: كيف كان سميح صوت الجماهير في كل المعارك الوطنيّة، وكانت قصائده تلهب الجماهير، وتردّدها أناشيد وطنيّة مثل: منتصب القامة أمشي، خطاب من سوق البطالة، تقدّموا.. تقدّموا التي أصبحت نشيد الانتفاضة الأولى، لا تعدّوا العشرة وغيرها الكثير.
تطوير تجربته وإضافته للقصيدة العمودية
وأكد د. القاسم أن "سميح القاسم، رغم انشغاله بالهموم الكبيرة، اهتمّ بتطوير تجربته الشعريّة وصقلها ومساهمتها في الحركة الشعرية العربية في كل العالم العربي، وأضاف للقصيدة العربية أنواعاً جديدة كان سبّاقاً فيها مثل (السربية)"، مضيفاً أنه "جدّد في القصيدة العموديّة بأنه لم يكتف بانقسام البيت الشعري إلى صدر وعجز، وإنما جعل بعض الأبيات تحوي صدرين وعجزاً أو صدراً وعجزين كما في قصيدته الدمشقية".
وفي النثر قال د. القاسم: إن سميح كتب الكولاج والليزر، كما أنه كتب المسرحيات العديدة والروايات، إضافة إلى مقالاته السياسية والاجتماعية والمتناولة مختلف المواضيع.
وأضاف: يظل السؤال ماذا كان سميح القاسم سيقول ويفعل لو كان لا يزال على قيد الحياة في هذه الأيام؟
ولفت إلى أن قصائد سميح الثورية كانت ستتحوّل لتكون أهازيج الجماهير كلّها، قصائد تثير وتحرّك وتشدّ الهمم وتدين اللامبالي والخائن والعميل وتصرخ من جديد: تقدّموا تقدّموا.
لكن الناقد نبيه أكد أن "سميح القاسم كان سيبقى متشبثاً بموقفه التفاؤلي بأنّ النصر لشعبه وأمّته، وأنّ الأمّة العربية بشعوبها ستنهض وتنسف كلَّ الحواجز والحدود وتُقيم دولتها العربية الواحدة".
شاعر الغضب "النبوئيّ"
وقال الكاتب والناقد والمترجم د. نبيل طنوس: إن سميح القاسم شاعر يجمع بين ضدّين كإرداف خُلفيّ (Oxymoron)، وهو تعبير يجمع بين لفظتين متناقضتين ظاهريّاً، ما يمنحهما معنًى جديدًا.
وأضاف: على سبيل المثال جاء الغضب في قصيدة الانتفاضة حين خاطب جنود الاحتلال: "تقدّموا تقدّموا" لا مفر لكم، "كلّ سماء فوقكم جهنّم وكلّ أرض تحتكم جهنم". أبطال شعبنا لكم بالمرصاد. هذه القصيدة مشحونة بالانفعال والتوتّر وتدفّق الأحاسيس الثوريّة والغضب.
وتابع د. طنوس: النبوئيّ ظهر في قصيدة عين الصواب، وهي مثال عظيم للاتّجاهات الإنسانيّة، إذ تحتوي على النظرة الإيجابيّة للبشريّة أجمع، المحبّة هي المحبّة، والعطاء هو العطاء. إنّها تعابير فوق-انتمائيّة. يقول المهاتما غاندي: "يصبح الإنسان عظيمًا تمامًا بالقدر الذي يعمل فيه من أجل رعاية أخيه الإنسان". ويقول القاسم:"في الكون متّسع لكل الناس". هكذا جمع الشاعر في تعبير واحد بين ضدّين ليصبح غضبه غضب المحبّ.
شعر القاسم.. و"موتيف" الانتماء
وأكد الكاتب طنوس أنه "برز في شعر القاسم موتيف الانتماء، لأنّ للانتماء أهميّة خاصّة في تكوّن اتّجاهات الإنسان الذي يحاول أن يدافع عن كينونته، وعن وجوده في صراع الهويّة والأرض.
ويرى طنوس أن "الانتماء" عند سميح القاسم في اتّجاهات مختلفة تبرز فيها علاقته مع الجوانب الآتية:
1.الشاعر والطبيعة: برز هذا في عدة قصائد، منها: "منتصبَ القامةِ أمشي"، و"زنابق لمزهريّة فيروز"، و"قصفة الفيجن"، و"زهرة البرقوق البرية" وغيرها.
2.الشاعر والوطن: برز هذا في عدة قصائد، منها: "إلى حارس فنار عكّا"، و"حبيبتي يا قدس"، و"عجائب قانا الجليل"، و "خِطَابٌ في سُوقِ البَطَالَةِ".
3.الشاعر والعالم الواسع: برز هذا في عدة قصائد، منها: "إلى فيدل كاسترو"، "إلى جان بول سارتر"، "إلى بول روبسون"، إلى أوري ديفس"، "إلى نجيب محفوظ".
تألّقَ باتجاهاته الإنسانيّة
وأشار الكاتب طنوس إلى أن القاسم كعادته تألّق باتّجاهاته الإنسانيّة الّتي تبدو جليّة في شعره، خاصّة في قصيدة "عين الصواب".
وقال: المحبّة هي المحبّة، والعطاء هو العطاء. إنّها تعابير فوق-انتمائيّة. يقول الدالاي لاما: "السلام لا يعني غياب الصراعات، فالاختلاف سيستمرّ دائمًا في الوجود. السلام يعني أن نحلّ هذه الاختلافات بوسائل سلميّة عن طريق الحوار، التعليم، المعرفة، والطرق الإنسانيّة." ونيلسون مانديلا يقول: " أنا لست حرّاً حقّاً إذا أخذت حريّة شخص آخر. المظلوم والظالم على حدّ سواء قد جُرّدوا من إنسانيّتهم".
وختم طنوس حديثه لـ"ے" بالقول: إن القاسم تألق بقوله: "في الكون متّسع لأهل الكونِ. من صفرٍ إلى بيضٍ. ومن حُمْرٍ إلى سُمْر وسودْ".
شاعر الأرض والكرامة
وتقول الأديبة والباحثة د. سناء عز الدين عطاري: "في ذكرى رحيل الشاعر الفلسطيني الكبير سميح القاسم، نستعيد صوت الوطن وهو يصدح من حروفه، ونستحضر قامة الشعر التي وقفت شامخة في وجه الريح".
وأكدت أن القاسم كان شاعر الأرض والكرامة، منح القصيدة جذور الزيتون ووهج البرق، وجعل فلسطين حاضرة في الوجدان العربي من الجليل إلى المحيط.
وأشارت د. عطاري إلى أنه "رغم رحيل الجسد، لكن صوت القاسم ما زال يعلو في سماء الحرية، يذكّرنا بأن الشعر حين يكون موقفًا، يصبح عمرًا آخر لا ينتهي".
وذكرت أن "القاسم كان شاعر المقاومة الذي جعل من الكلمة حصنًا، ومن القصيدة رايةً، ومن صوته جرس إنذار ضد الصمت والخضوع".
كتب عن الجليل كما لو أنه يكتب عن نبض قلبه
ولفتت إلى أنه كتب عن الجليل كما لو أنه يكتب عن نبض قلبه، وعن القدس كما لو أنه يصلّي، وعن الحرية كما لو أنه يكتب وصيته الأخيرة.
وحول حضور القاسم، قالت د. عطاري: كانت القصيدة ثورة، وفي غيابه بقيت إرثًا يوقظ فينا المعنى العميق للانتماء والصمود.
وأكدت عطاري أن "كلمات القاسم ما زالت تتنفس بيننا، تنبت كل عام كزهر اللوز في آذار، وتُذكرنا أن الشعر حين يخرج من رحم الوطن لا يموت، بل يظل حيّاً في ذاكرة الأجيال، يعلّمهم أن الحب مقاومة، وأن فلسطين قصيدة لا تنتهي".
بقي في ضمائر الناس ووجدانهم
وقال الناقد الأدبي د.رياض كامل " ولأنه ابن وفيّ لشعبه، وصوت مخلص يجسّد أحلامه وطموحاته بقي الشاعر العروبيّ في ضمائر الناس وفي وجدانهم، ولأنه صوت الغضب ضد الظلم، وصوت كل العمال والفلاحين ضد الضيم والاستغلال ما زال سميح القاسم يمشي في أزقة قرانا، ولأنه الصوت العالي في وجه الاحتلال فإنه ما زال يهدر في مسيراتنا وفي مظاهراتنا ضد المحتل، ولأنه صوت العدل والعدالة ما زال الأحرار يسمعون صوته في الشرق والغرب وفي الشمال والجنوب".
وأشار د. كامل إلى أن "سميح كان لـمّاحاَ قويّ الملاحظة، سريع الخاطر، يقرأ الناس ويدخل في أعماق سريرتهم، وكان ذكياً فطناً يأسر الفكرة ويعيد صياغتها بما يتلاءم مع اللحظة الزمنية، ومع الظروف والبيئة والمكان والزمان، وكان قادراً على تحويل حادثة صغيرة أو خبرٍ في نشرة أخبار إلى موضوع لافت.
وأكد أن الناس قرأوه لأنه ترجم مشاعرهم وعبّر عن أحاسيسهم وعن ضمائرهم، في الوقت الذي كان فيه بيع الضمير لدى البعض يعتبر شطارة.
شعره يَثرَى بالرمز والمثاقفة والمحاورة
وأكد د. كامل ، بكل ثقة، أن "شعر سميح القاسم مرآةٌ لقضيتين مهمتين في الشكل وفي المضمون. وهو يتوازى في مسيرته مع تطور الشعر العربي في أشكاله وأنساقه، وفي كونه مرآة للقضايا الفكرية الكبرى منذ أكثر من نصف قرن من الزمن على الصعيد المحلي وكذا العربي والعالمي.
وقال: "لقد جرى التعامل لفترة طويلة مع شعر القاسم على أنه شعر محرض، انطلاقاً من كونه "شعر مقاومة" حفظته الجماهير ورددته في مناسباتها الوطنية، فساندها في الدفاع عن حقوقها ومبادئها، وفي التعبير عما يجول في خاطرها من قهر وتعذيب وحسرة. وكان للمغنين الوطنيين ووسائل الإعلام المسموعة والمقروءة دور هام في نشر شعبية شعر القاسم".
من ناحية أُخرى، أكد د. كامل أن القاسم ذا الباع الطويلة مطلع على ثقافتنا العربية وميراثها الغني منذ الجاهلية وحتى اليوم، وعلى الموروث الديني على اختلافه، وعلى الميثولوجيا والأساطير العالمية وعلى التاريخ والحضارات المتعددة، لافتاً إلى أنه "من الطبيعي أن يغتني شعره بهذه الثقافات وبهذه الأساطير، فيثرى بالرمز والمثاقفة والمحاورة، ما يفرض على المتلقي أن يبحث في الدلالات والإيحاءات التي تحملها مفردات الشاعر وتعبيراته وصوره.
توظيف السخرية وسيلةً للدفاع عن النفس
وأضاف: "ولأن السخرية هي سلاح المظلومين فقد وظفها خير توظيف منذ بداية مشواره الشعري لمهاجمة الخصم وتقريعه وإذلاله، ودعوة للضحك المرّ والمبكي، ودعوة للتوبيخ والهزء والتقريع والعتاب والاستخفاف من المنطق الأعوج، سواء أكان هذا الخصم فرداً أم جماعة.
"وبذلك تتحول السخرية عنده، برأي د. كامل، إلى وسيلة للدفاع عن النفس والتخفيف من الألم ورفع الروح المعنوية".
وقال الكامل: "لقد لاحظنا أنها موجهة لأكثر من جهة، منها ما كان للذات ونقصد الذات الفلسطينية، ومنها ما كان موجهاً للعربي وحكامه، ومنها ما هو موجه للآخر غير العربي".
"سعيتَ. شقِيتَ. تعبتَ كثيراً لتتقن قتلي
وبذرتَ مالاً كثيراً
لذبحي. وذبح صغاري. وأهلي
وذبح ترابي وأشجارِ حقلي
وصوتي ولوني وشكلي
وصورةِ وجهي وظلي
وموتي يصلي
لأجلي
فقل لي
متى سوف تقبل مني اعتذاري
لأني ولدتُ
حلفت. وما زلت أحلف
أنا متأسف" (أنا متأسف، ص9-11).
وختم د. كامل حديث لـ"ے" بالقول: "ولأنه الذكي كما قلنا فقد استشرف المستقبل وبث في الجماهير روح الأمل، وهو الذي تحدى الغاشم في أكثر من قصيدة مؤكداً له أن إيغاله في شرب دمنا وقتل أطفالنا ونسائنا لن يثني شعبنا عن تحقيق طموحاته، وكانت قصيدته التي اشتهرت بعنوان "تقدموا تقدموا"، وما تزال شاهداً على رؤيته ورؤياه".
شاعر الجماهير لا النخبة
بدوره، قال الشاعر محمد شريم، المنسق العام لمنبر أدباء بلاد الشام، رئيس جمعية منبر أدباء بلاد الشام في فلسطين: "تحل علينا في هذه الأيام الذكرى السنوية لرحيل الشاعر العربي الفلسطيني سميح القاسم ونحن في أمسّ الحاجة إلى ذلك النفس الوطني والعطاء الثقافي الإبداعي المقاوم للاستبداد والاضطهاد الذي نتنسمه في أشعاره، ونتلمسه في كتاباته، والذي يتبدى جلياً على امتداد مسيرته الطويلة وسيرته الخصيبة، ولن يكون ذلك بالأمر الصعب أو العسير".
وأشار إلى أن "سميح القاسم لم يكن شاعر النخبة في يوم من الأيام، بل كان بحكم انتمائه الوطني، ومساره الفكري، ومسيرته النضالية هو شاعر الجماهير، نعم الجماهير، بكافة شرائحها الاجتماعية، ما دامت تتخذ من الوطن إطاراً ومن الكفاح ضد الاضطهاد شعاراً ومساراً".
وأكد الشاعر شريم أن "سميح القاسم فهم الجماهير، بآلامها وآمالها، ففهمته، وفهمت ما يقول.
وقال شريم: "لم تكن أشعاره بالطلاسم، كما أنها لم تكن بحاجة إلى محللين ومترجمين، بل كانت أشعاره واضحة جلية كالشمس في وضح النهار، يفهمها العامل والفلاح والطالب والمثقف وحملة الأعلام في المظاهرات وأساطين الإعلام!".
وأوضح أن قصيدة من قصائد سميح القاسم كفيلة بأن تخرج الصامت من صمته، وغيرها كفيلة بأن تسيّر مسيرة فيها من الغاضبين ما لا يعد ولا يصد!
غنّى للوطن شعراً
وأضاف الشاعر شريم: إن سميح القاسم غنّى للوطن شعراً، وتغنّى به، فكانت أشعاره قطرات الندى التي تكلل ورد الوطن وترطب غصن النضال ضد المحتلين في موسم الجفاف القاسي، وعلى امتداد هذا الحيز الصحراوي الممتد على مساحة الوطن الكبير!
وأوضح أنه "عندما يرى الكثير من الناس ما يحدث الآن في فلسطين، من عسف الاحتلال وجبروته، ومن صمود شعبنا الأسطوري في وجه الظلم ومحاولات اقتلاعه من أرضه، في غزة وغيرها، يعتقدون أن سميح القاسم قد استبق الأحداث في مواضع كثيرة من شعره، وقد يكون هذا للوهلة الأولى صحيحاً، ومع ذلك أنا أقول: "لم يكن سميح القاسم نبياً ولا متنبئاً، بل كان شاعراً واعياً وقارئاً جيداً للأحداث، يتحدث عن الماضي بلسان المستقبل، ويقرأ النتائج في صفحة المقدمات، فالماضي كما يراه الشاعر ونراه معه، ما هو إلا سلسلة من الهجمات الاحتلالية الاستعمارية التي يتعرض لها شعبنا منذ النكبة وما قبلها، وكل واحدة من هذه الهجمات تكاد تكون نسخة من سابقاتها وإن اختلفت التفاصيل".
بصمة إبداعية خاصة
وأضاف الشاعر شريم: "رُب سائل: ما بالنا نتناسى أن سميح القاسم شاعر قد خلت من قبله الشعراء، ولم تخل الساحة من بعده.. فالشعراء كثر، والشعب الفلسطيني ولّاد بطبعه! وهذا من حيث المبدأ صحيح، ولكننا عندما نتحدث عن سميح القاسم فإننا نتحدث عن شخص واحد لن يتكرر، ولن يعود، وليس الأمر مقتصراً عليه، بل على كل شخصية من شخصيات أي زمن من الأزمان، وفي أي مجال كان".
وأكد شريم أنه "عندما نتحدث عن شاعر، أي شاعر، وهنا المقصود سميح القاسم، فإننا نتحدث عن بصمته الإبداعية الخاصة، وكذلك عن كل ما يمثله من آراء وأفكار ومشاعر قد يتميز بها بهذا القدر أو ذاك، عن غيره من الناس، ليس هذا فقط، بل إن الشاعر، أي شاعر، إنما هو يمثل مرحلة من مراحل مسيرة شعبه بما تتصف به هذه المرحلة وتتميز بصورة لا يمكن أن يشاركه فيها أحد، أو يشابهه بها شبيه، وكذلك الحال بالنسبة لسميح القاسم".
الشِّعر جنديٌّ مُحصّنٌ ضد الموت
من جهته، قال الكاتب والاعلامي الجزائري محمد ياسين رحمة إن "سميح القاسم ليس شاعرًا عاديّاً بل هو شاعرٌ رائيٌّ، ومفكّر إستشرافيٌّ، لم يرَ في الشِّعر وسيلةً أو أداةً تُوَظَّف في صراعٍ ضدّ العدوّ، فيُسمّى شعرًا ثوريّاً أو شعر مقاومة".
وأكد أن "سميح القاسم كان يؤمن بأنّ الشِّعر جنديٌّ مُحصّنٌ ضد الموت فهو لا يموت، يخوض معركةً لا خيار له فيها إلاّ أن ينتصر.
وقال: إن الشّعر جنديٌّ عليه أن يُحوّل الشعبَ الفلسطينيَّ ذاتَه إلى وثيقةٍ تاريخيّةٍ في تاريخ الإنسانيّة جمعاء، ولا يكتفي بأن يكون شعرًا توثيقيّاً للأحداث والمآسي على الأرض الفلسطينية.
وأضاف الكاتب رحمة أن "سميح القاسم كان شاعرًا رائيًّا متدفّقًا بالأمل والتفاؤل، في أشدّ الظروف مأساويّةً وألمًا. ونكاد نسمع صوته وهو يخاطب غزّة في إحدى قصائده بعنوان "غزّة"، قائلاً:
يتفقّدُ الأغرابُ جرحك:
"قد تموت
في الفجر -غزّة- قد تموت"
وتعود في الفجر الحزين
صيحاتُ حبّكِ والحياة
أقوى.. وأقوى!
يا صباح الخير، أختَ الصامدين
أقوى وأعلى!
يا صباح الخير، أختَ المعجزات!
وقال رحمة: أليست غزّة في حرب الإبادة المُعلنة عليها هي أختُ المعجزات؟ وهل من نبوءة أكبر من هذه النبوءة التي رأى فيها الشاعر غزّة قبل خمسين عامًا بأنها أخت المعجزات؟ مستخضراً في هذا السياق، مطلع ملحمة الجزائر -أو "إلياذة الجزائر"- لشاعر الثورة الجزائرية "مفدي زكريا" الذي قال:
جَزائر، يا مَطلعَ المعجزات.. ويَا حجَّة الله في الكائنات
وكذلك هي غزّة، وكل فلسطين، فالنبوءة ستتحقّق بلا ريب.. ودليل ذلك انتصار الثورة الجزائرية بعد 132 من الاستعمار المتوحّش المدعوم من دول غربية، وما أكثر أوجه التشابه بين الأختَين: الجزائر وفلسطين.
ويرى الكاتب رحمة أن "سميح القاسم مفكّر استشرافي، يتجلّى ذلك من خلال أعماله النثرية: مسرحياته ومقالاته، كما يتجلّى من خلال شعره الذي أرادَه قيامةً للمعنى، وصراطًا يعبر من خلاله إلى منتهى القول ليُحقّق التعادلية التي كان يرجوها دائمًا، وهذه التعادلية قد اختزلها في عبارته: "أحاول تحقيق قدر من التكافؤ بين ما أقول وما أعني".
وأشار إلى أنه "من المُجدي أن نستوقف العُمر الشعريّ لسميح القاسم، ونقرأ قصيدته "أبا الطيب هات نبوءتك الجديدة!"، وما كان أبو الطيّب إلا سميح نفسه، فهو "متنبّي" القضية الفلسطينية، بل هو "متنبّي" العرب في الحالة التي انتهوا إليها، قال سميح:
أَقِمْ صلاتَك، بيتُ النّار مُقْتَبلُ -- وفيه تَأمن، والإيمان مُقْتَتلُ
في أمّةٍ أقفرتْ منها عقيدتُها -- وسادَ أسيادَها الأوْباشُ والهَمَلُ
وأمّةٌ "ضحكتْ من جهلها أممٌ" -- وأَمَّ بالعلم فيها كل مَن جهلوا
وفي مقطع آخر يقول: أخا العروبة، ما زالت بلا عرب.. وللأجانب فيها الرأي والعمل، وللعقارب تاحت فرصة فرصٌ.. فللمصائب من حلّوا ومن رحلوا!
واختتم الكاتب رحمة حديث لـ"ے" بالقول: "نترك للنقّادِ مهمّة العودة إلى هذه القصيدة وإلى قصائد فحول الشعراء الفلسطينيين، فكم كتبوا وكم قالوا، ولكن "لقد أسمعت لو ناديت حيا/ ولكن لا حياة لمن تنادي".





شارك برأيك
سميح القاسم في ذكراه الدائمة.. استعادة صوت الوطن وراية القصيدة