هنا غزة، هنا مسرح الجريمة، ولكن بلا عقاب. الجريمة كاملة الأركان ومتعددة الأشكال، والجناة وحدهم لا يتغيرون بل يغيرون أقنعتهم، تارة هم فاشيون، وتارة أخرى هم نازيون، والوصف واحد؛ إنهم مجرمون.
الجناة طلقاء وجرائمهم بازدياد واتساع، وقرارات اعتقالهم وتقديمهم للمحاكمة مع وقف التنفيذ، والمشرعون وقادة العدالة عاجزون. والعالم الفقير ينتحب، وآخر يستنكر ويندد، لكن مسرح الجريمة يتسع أكثر فأكثر.
تملؤه مشاهد الجثث المحترقة في الخيام، وأشلاء الضحايا الملقاة على قارعة الطريق. صور الهياكل العظمية للأطفال والعيون الغائرة والبطون المنتفخة، وأنين وبكاء الرضع، ونظرات الأمهات التي تنذر بالموت المرتقب لأطفالهن.
صور الجموع الغفيرة الزاحفة نحو الظفر بكيس من الدقيق، ومشهد ذلك الطفل الساعي لالتقاط حفنة من الطحين ملقاة على الأرض، وصور تدافع حاملي الأواني الفارغة أمام 'التكية الخيرية' لإسكات الأفواه الجائعة.
صور الأطباء والصحفيين الشهداء، وصوت قرع الطناجر والملاعق في داوننج ستريت أمام مقر الحكومة البريطانية، وصور محاكاة ما يجري من جرائم بحق الإنسانية في غزة، والتي غصت بها الشوارع الغربية.
وصلت كل هذه الصور والمشاهد والأصوات والأنات للضمير العالمي، وأيقظته من سباته العميق. تأثر حكام وزعماء العالم، عربا وغربا، وتصدروا شاشات التلفزة والمنصات الإعلامية دفاعا عن صورهم المهزوزة.
استنكر القادة وأدانوا بكلماتٍ خجولة ما يحدث، لكن الأهم أن الرئيس ترامب 'سمع' أن هناك مشاهد مأساوية في غزة، و'قيل' له أن هناك معاناة، ولربما تأثرت زوجته ميلانيا.
هذا التجاهل والاستخفاف لا يحدث حتى في الأساطير. إنه الموت الأخلاقي والإنساني والديني للبشرية، وموت كل الشرائع؛ إلا شريعة الغاب، وسحق القوي للضعيف.
إن الوقت ينفد، وغزة على وشك الموت، إنه النداء الأخير للضمير الإنساني.
أرادوه موتا سريعا لغزة وأهلها، لكن ترسانتهم المتعددة الجنسيات فشلت؛ فتحولوا إلى الموت البطيء، فشلت معهم 'السيوف الحديدية' و'خطة الجنرالات'.
استمعوا إلى كلمات المجرم الفاشي بن غفير الذي قال 'لا وجود لفلسطين ولا للشعب الفلسطيني'. هذا التصريح يعكس مدى الاستهتار بحياة الفلسطينيين.
لقد راع قادة الكيان تلك الصحوة العالمية المتأخرة، والعزلة التي مني بها الكيان، إلى حد أن صحافتهم اعتبرت الاعترافات الأخيرة من قبل بعض الدول الأوروبية بالدولة الفلسطينية بمثابة 'تسونامي سياسي'.
التغيير جاء نتيجة عوامل عديدة؛ أبرزها المطالبات الشعبية المتصاعدة، والمظاهرات الحاشدة التي شهدتها شوارع العواصم، إضافة إلى اشتداد حصار التجويع.
كان لصدى التقرير الكارثي حول الأمن الغذائي في غزة أثر بالغ في تحريك الضمير العالمي، حيث أشار بالأرقام إلى حجم المأساة الإنسانية التي تستهدف بالموت قرابة 100 ألف طفل.
على الجبهة الداخلية الإسرائيلية، هناك عامل حاسم دفع الحكومة الإسرائيلية إلى إعلان هدنة مؤقتة يومية وإفساح المجال أمام المساعدات.
هذا التحرك الداخلي يُعبر عن خشية هؤلاء من دخول 'دولتهم' مرحلة السقوط والانهيار، ما لم تُوقف الكارثة الإنسانية في غزة.
إن الوقت ينفد، وغزة على وشك الموت، إنه النداء الأخير للضمير الإنساني.





شارك برأيك
غزة والنداء الأخير