فلسطين

الثّلاثاء 12 أغسطس 2025 9:35 صباحًا - بتوقيت القدس

اغتيال الصحفيين... محاولات إسرائيلية للتعمية على الإبادة

رام الله - خاص بـ القدس والقدس دوت كوم-

شروق الأسعد: إسرائيل لا تريد رواية أخرى والقضاء على الصحفيين جزء من حربها وزيّهم بات "علامة للاستهداف لا للحماية"
نبهان خريشة: توقيت استهداف الصحفيين يمثل رسالة سياسية وأمنية مركبة تكشف ملامح مرحلة جديدة وخطيرة من الحرب على غزة
مراد السبع: خطة احتلال غزة ستقود حتمًا لمزيد من الجرائم والتهجير وإسرائيل لا تريد نشر الحقائق والصور الميدانية
نجود القاسم: إعلان الاحتلال مسؤوليته عن الاغتيال محاولة لتبرير جريمته ولتجنب اتهامه بقتل مدنيين أثناء ممارسة عملهم الصحفي
نهاد أبو غوش: اغتيال الصحفيين جزء من تمهيد إسرائيلي لمجزرة جديدة في غزة وفق الخطة المعلنة لاحتلال القطاع
سليمان بشارات: محاولة لخلق فراغ معلوماتي ومصادري لترويج الشائعات وإعادة "هندسة وعي" بطريقة تسهّل تمرير مخططات الاحتلال


يتواصل استهداف الصحفيين في قطاع غزة والذي كان آخره اغتيال ستة صحفيين، بينهم أنس الشريف ومحمد قريقع مراسلا قناة الجزيرة، في إطار سياسة ممنهجة تهدف إلى إسكات الصوت الفلسطيني وطمس الحقائق، تزامناً مع الإعلان الإسرائيلي حول احتلال مدينة غزة، ضمن حرب إبادة وتدمير شامل تنفذها قوات الاحتلال منذ ما يقارب العامين.
ويؤكد كتاب وصحفيون، في أحاديث منفصلة مع "ے"، أن عمليات قتل الصحفيين لم تعد مجرد انتهاك للقوانين الدولية، بل تحولت إلى جرائم معلنة ورسائل واضحة بأن الزي الصحفي بات "علامة للاستهداف لا للحماية"، في ظل اعترافات إسرائيلية مباشرة وتبريرات سياسية وأمنية تؤكد الرغبة في احتكار الرواية ودفن الشهود مع الضحايا.
ويشيرون إلى أن هذه السياسة تسعى لفرض تعتيم إعلامي شامل يتيح تمرير مخططات التهجير والتجويع، عبر خلق فراغ معلوماتي ومصادري، وترويج رواية الاحتلال الأحادية، بما يعمّق حالة "الفوضى الممنهجة" ويقطع شريان المعلومات من قلب الأحداث.
وبات اغتيال الصحفيين وفقاً للكتاب والصحفيين، أداة حرب موازية للسلاح، تستهدف الذاكرة الحية التي توثق جرائم الإبادة، في ظل صمت دولي مريع وحصانة مطلقة للاحتلال.

إجرام معلن

تحذّر مديرة برنامج المنظمة العالمية للنشر في فلسطين، ومراسلة إذاعة مونت كارلو الدولية، الصحفية شروق الأسعد، من أن استهداف الصحفيين في قطاع غزة، وآخرهم طاقم قناة الجزيرة وزملائهم، لم يعد مجرد انتهاك للقوانين الدولية، بل تحوّل إلى "إجرام معلن" ورسالة مباشرة لإسكات أي رواية تخالف الرواية الإسرائيلية.
وترى الأسعد أن قتل الصحفيين في غزة يحمل دلالات واضحة، مؤكدة أن ما يجري منذ نحو عامين يعكس غياب أي سقف أخلاقي أو إنساني في تعامل الاحتلال مع الإعلاميين، في ظل الصمت الدولي"المريع والمرعب".
وتقول الأسعد: "نحن أمام مستوى غير مسبوق من الإجرام، بلا محاسبة أو عقاب، وكأن قتل الصحفيين أصبح أمرًا عاديًا مع مرور الأيام".
وتوضح الأسعد أنها، كصحفية فلسطينية، شعرت بفقدان حياتها المعنوية وهي ترى زملاءها يُقتلون واحدًا تلو الآخر، معتبرة أن العالم قد "سقط أخلاقيًا وإنسانيًا" أمام هذه الجرائم.

علامة للاستهداف

وتشدد الأسعد على أن إسرائيل "لا تريد رواية أخرى أو صورة أخرى"، وأن جزءًا من حربها يتمثل في القضاء على الصحفيين، الذين يُفترض أنهم محميون وفق القانون الدولي، لكن زيّهم الصحفي بات "علامة للاستهداف لا للحماية".
وتؤكد الأسعد أن ما يجري هو تبجح إسرائيلي عبر الإعلان عن استهداف الصحفيين، مشيرة إلى أن الزملاء الصحفيين كانوا في الميدان، يمارسون عملهم، ويبثون تقارير مباشرة قبل اغتيالهم بوقت قصير، الأمر الذي يجعل الجريمة "مكتملة الأركان بلا أي مبرر".
وتعتبر الأسعد أن كل من يبرر أو يسكت عن هذه الجرائم هو "شريك فيها"، موضحة أن"ما شاهدناه في غزة لم يشهده أي صحفي في العالم، ولا أحد غطّى أحداثًا بهذه القسوة".

أهمية محاسبة القتلة

وترى الأسعد أن عمليات القتل لا تحتاج إلى "شهادات إضافية" لإثبات الإجرام الإسرائيلي، لأن الهدف الأساسي هو "الإبادة والمحو الكامل"، مؤكدة على ضرورة محاسبة القتلة والمجرمين، رغم إقرارها بأن أي حساب لن يعيد الضحايا، لكنه قد يوقف نزيف الدم المستمر.
وتقول الأسعد: "هذه الجرائم ليست اعتداءً على الصحافة الفلسطينية فقط، بل على مهنة الصحافة عالميًا، وعلى إنسانية كل فرد في هذا العالم"، مقدمة التعازي لزملائها ولجميع الصحفيين الذين يواصلون العمل رغم المخاطر.
وتضيف الأسعد: "نحن أمام عصابة ليست إسرائيلية فقط، بل عصابة عالمية"، ومن المؤلم أن يقتل زملاؤنا بسلاح أمريكي، وبدعم أوروبي، وبصمت عربي، وبانقسام داخلي، "فخسارتنا لهم كبيرة ولا تُعوض، والوجع لا يوصف، فقتل صحفي أو صحفية جريمة بشعة بحق من لا يفعل سوى نقل الحقيقة".

ملامح مرحلة جديدة

يعتبر الكاتب الصحفي نبهان خريشة أن توقيت اغتيال المراسلين الصحفيين أنس الشريف ومحمد قريقع وزملائهم في قطاع غزة، ليلة الأحد الإثنين، لا يُعد جريمة جديدة تضاف إلى السجل الدموي للاحتلال فحسب، بل يمثل رسالة سياسية وأمنية مركبة تكشف ملامح مرحلة جديدة وخطيرة من الحرب على غزة.
ويوضح خريشة أن هذا الاغتيال يأتي ضمن استراتيجية متعمدة تستهدف "شهود الإثبات" الذين يفضحون جرائم الإبادة والدمار، فمنذ 7 أكتوبر 2023، تجاوز عدد الصحفيين والفنيين الإعلاميين الذين استشهدوا في القطاع المئتين، وهو رقم غير مسبوق في تاريخ الحروب الحديثة.
ويعتبر خريشة أن إعلان جيش الاحتلال مسؤوليته المباشرة عن العملية يحمل دلالات خطيرة، أبرزها أن إسرائيل لم تعد ترى حاجة إلى الإنكار أو البحث عن مبررات، بل تستخدم القتل كأداة ردع ورسالة تخويف للصحافة الحرة، في محاولة لفرض روايتها الأحادية.
ويشير خريشة إلى أن استهداف الشريف وقريقع وزملائهم، وهما من أبرز وجوه قناة الجزيرة في غزة، يرتبط بسياق أوسع تقرره المستويات الأمنية والسياسية الإسرائيلية، وفي مقدمتها الكابينت، الذي يسعى لفرض سيطرة ميدانية كاملة على القطاع.
ويلفت إلى أن هذه السيطرة –بحسب الرؤية الإسرائيلية– تتطلب السيطرة على الرواية الإعلامية وإسكات الأصوات القادرة على كشف الانتهاكات، ما يعني أن الصحفيين يُنظر إليهم كـ"شهود إثبات" أمام محكمة الرأي العام الدولي.

اغتيال لروح المهنة

ويلفت خريشة إلى أن الرسالة الموجهة من خلال هذه الجريمة تستهدف أيضًا المؤسسات الإعلامية الدولية، وخاصة قناة الجزيرة، مؤكداً أن "وجود الطواقم الصحفية في الميدان لن يحميها من رصاص الاحتلال".
ويقول خريشة: "هذا اغتيال لروح المهنة ومحاولة لفرض رقابة ميدانية بالقوة، بعد فشل محاولات الاحتلال في إسكات الصحفيين عبر التقييد الدبلوماسي أو الاتهامات القانونية".
ويرى خريشة "أننا أمام سياسة مزدوجة: الأولى تتمثل في التوسع العسكري لفرض السيطرة الجغرافية والإدارية على غزة، والثانية في القضاء على الذاكرة الحية التي يمكن أن توثق ما سيجري".
ويقول خريشة: "هذا الاغتيال ليس خطأ فردياً ولا حادثاً عارضاً، بل قرار استراتيجي ضمن عقلية ترى في الحقيقة خطراً يوازي الصاروخ أو البندقية".
ويؤكد خريشة أن غياب الحماية الدولية الحقيقية للصحفيين يجعل من غزة "مساحة مغلقة على الحقيقة، مفتوحة على القتل"، حيث يسعى الاحتلال لاحتكار الرواية ودفن الشهود مع الضحايا.

ضرورة رفع شكوى

وفي هذا السياق، يدعو خريشة الاتحاد الدولي للصحفيين، الذي يمثل أكثر من 600 ألف صحفي حول العالم، إلى التقدم بشكوى رسمية إلى المحكمة الجنائية الدولية بشأن اغتيال الشريف وقريقع وزملائهم وكافة شهداء الصحافة الفلسطينيين، وملاحقة المسؤولين عن هذه الجرائم.
ويطالب خريشة الاتحاد بمخاطبة النقابات الأعضاء لوقف أي تعاون مع نقابة الصحفيين الإسرائيليين، التي لم تدن هذه الاغتيالات، بل إن بعض الصحفيين الإسرائيليين احتفوا بها علناً على شاشات التلفزيون وصفحات الصحف.
ويؤكد خريشة أن "اغتيال الصحفيين هو استهداف مباشر للشعب الفلسطيني وحقه في أن تُروى قصته، ومحاولة عبثية لإخماد صوت الحقيقة، لكن التاريخ أثبت أن الحقيقة تبقى أقوى من الرصاصة".

الاغتيال وتبريره

يؤكد الصحفي مراد السبع أن ما يجري في قطاع غزة من قتل للصحفيين ليس مجرد حوادث متفرقة، بل هو استهداف ممنهج لكل الصحفيين والنشطاء الإعلاميين الذين ينقلون جرائم الاحتلال للعالم.
ويشدد السبع على أنه لا يفضل استخدام مصطلح "اغتيال" لوصف هذه الجرائم، لأن إسرائيل تستغل هذا المصطلح لتبرير قتل الصحفيين بزعم أنهم أعضاء في أحزاب أو فصائل فلسطينية وينقلون وجهة نظرها إلى الخارج، معتبرًا أن ذلك جزء من دعايتها المضللة لتبرير جرائمها أمام الرأي العام العالمي، لكن الأفضل هو أن يتم استخدام مصطلح قتل أو استهداف الصحفيين.
ويشير السبع إلى أن الاحتلال قتل أكثر من 250 صحفيًا في غزة منذ بدء الحرب، في إطار خطة واضحة المعالم.
ويلفت السبع إلى أن أحد الصحفيين الإسرائيليين كشف في مقال له أمس الإثنين، أن الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية شكلت بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول فريقًا سمي بـ"خلية الشرعية"، مهمته البحث عن صحفيين في غزة يمكن تصويرهم على أنهم عناصر في حركة حماس متنكرون كإعلاميين، لاستخدام هذه الادعاءات لتبرير قتلهم أمام العالم.

طمس الحقيقة

ويشدد السبع على أن استهداف الصحفيين جزء من استراتيجية الاحتلال لطمس الحقيقة ومنع توثيق جرائم الحرب، خاصة في ظل تصاعد الإدانات الأوروبية الأخيرة التي جاءت نتيجة لما نقله الإعلام من صور ومشاهد حقيقية عن حرب التجويع والتعطيش والقتل الممنهج ضد سكان غزة.
ويؤكد السبع أن إسرائيل لا تريد أن تُوثق هذه الجرائم في قطاع غزة، بل تسعى لارتكاب حرب إبادة في الظلام، بعيدًا عن أعين الكاميرات.
ويبيّن السبع أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في خطابه الأخير، اتهم حركة حماس بزرع المتفجرات في المنازل السكنية وقتل المدنيين، معتبرًا هذه المزاعم جزءًا من الدعاية الإعلامية الإسرائيلية التي تهدف إلى قلب الحقائق وتضليل الرأي العام، في حين أن الهدف الحقيقي هو تهيئة الأجواء لارتكاب المزيد من الجرائم بحق المدنيين.
ويحذّر السبع من أن خطة الاحتلال الحالية، التي تتجه نحو السيطرة الكاملة على قطاع غزة، ستقود حتمًا إلى مزيد من الجرائم والتهجير، وأن نشر الحقائق والصور الميدانية قد يثير القلق في الأوساط الأوروبية وهو ما لا تريده إسرائيل، مشيرا إلى أن هذا لا يعني أن هذه الدول ستتحرك لوقف جرائم الاحتلال.
ويؤكد السبع أن حديث الدول الأوروبية عن الاعتراف بدولة فلسطينية في هذه الظروف لا معنى له، إذ لا توجد حدود متفق عليها ولا مقومات واقعية لها، مشددًا على أن الأولوية الحالية هي تشكيل مجلس فلسطيني مصغر لإدارة شؤون الحياة اليومية والحفاظ على من تبقى من الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة.

الصحفيون أصحاب الرسالة

تؤكد الصحفية نجود القاسم أن "استهداف الاحتلال الإسرائيلي للطواقم الصحفية في قطاع غزة ليس حدثًا طارئًا، بل هو امتداد لسياسة ممنهجة ومتواصلة تهدف إلى إسكات الصوت الفلسطيني وكسر إرادة الإعلاميين الذين يعملون بكل بسالة وشجاعة لكشف جرائمه".
وتوضح القاسم أن الاحتلال، منذ بدء حرب الإبادة والتجويع في قطاع غزة، اغتال 273 صحفيًا، فضلًا عن عشرات الجرحى والمعتقلين، في محاولة يائسة لدفن الحقيقة في أرضها، وخلق حالة ردع للصحفيين الفلسطينيين.
وتشدد القاسم على أن من يختار الإعلام مهنة في فلسطين، يدرك تمامًا خطورتها وقصر العمر فيها، ومع ذلك يواصل عمله بإصرار لنقل معاناة الشعب الفلسطيني إلى العالم، رغم الاستهداف المباشر والمخاطر الكبيرة.
وتوضح القاسم أن زميلها الصحفي وسام أبو زيد، الذي يواصل تغطية جرائم الاحتلال في غزة، وصف واقع الصحفيين الفلسطينيين بأنهم "يرتدون بدلة الإعدام وينتظرون موعد التنفيذ". وتعتبر القاسم أن الصحفيين الفلسطينيين ليسوا مجرد موظفين، بل أصحاب رسالة نبيلة يعملون ليل نهار في الميدان، يخاطرون بحياتهم غير مبالين بتهديدات الاحتلال، ملتزمين بواجبهم المهني والوطني.
وتؤكد أن استهداف طواقم قناة الجزيرة، كما بقية الطواقم الصحفية التي تتحرك بين الركام وجثامين الشهداء، يأتي ضمن مسعى الاحتلال لمنع توثيق ما يجري في غزة، خاصة أن الجزيرة تحظى بجمهور عربي واسع وتغطي الأحداث بشكل مباشر، مما يعيق الاحتلال عن تحقيق أهداف حربه.
وتلفت القاسم إلى أن الصحفيين الفلسطينيين يوثقون عبر منصات التواصل الاجتماعي جرائم الإبادة والتجويع، ما يجعل العالم شاهدًا على الجرائم في بث حي ومباشر.
وتشير القاسم إلى أن الاحتلال يدرك جيدًا خطورة الإعلام وقدرته على التأثير وتشكيل الرأي العام، لذلك يوظف إعلامه لخدمة المؤسسة العسكرية والسياسية، ويتخلى عن الدور المهني المفترض في أي دولة تدّعي الديمقراطية.
وتعتبر القاسم أن إعلان الاحتلال مسؤوليته عن اغتيال الصحفيين الخمسة ليل الأحد، وهم داخل خيمتهم وليس في ميدان العمل، محاولة لتبرير جريمته وتسويق روايته بأنهم جزء من المقاومة الفلسطينية، لتجنب اتهامه بقتل مدنيين أثناء ممارسة عملهم الصحفي، الأمر الذي قد يعرضه للملاحقة أمام المحكمة الجنائية الدولية.
وتوضح القاسم أن استهداف أولئك الصحفيين بهذه الطريقة المخطط لها يهدف لحرمانهم من صفة "الضحية" في نظر العالم، مشددة على أن هذه المحاولات عبثية، لأن ما يجري في غزة أصبح واضحًا للرأي العام العالمي.
وتبين القاسم أن عمليات قتل الصحفيين والشهود على الحقيقة هي سياسة احتلالية ممنهجة، وهي جزء من استهداف أوسع للشعب الفلسطيني وكل من يؤيد قضيته العادلة.
وتلفت القاسم إلى أن هذه السياسة تتصاعد مع العمليات العسكرية، في مسعى لفرض الرواية الإسرائيلية على المشهد الإعلامي، وزرع الخوف في نفوس الصحفيين الفلسطينيين لمنعهم من مواصلة التغطية الميدانية.
وتؤكد أن استهداف الصحفيين في الميدان ليس صدفة، بل قرار إسرائيلي مدروس، ليكون رسالة ردع لكل من يسعى لتفنيد روايته وتوثيق جرائمه.
وتشير القاسم إلى أن الصحفي أنس الشريف الذي برز عبر قناة الجزيرة ومنصات التواصل الاجتماعي كصوت مؤثر ورمز إعلامي وقدوة لجيل كامل، يأتي اغتياله كرسالة واضحة بأن الاحتلال قادر على الوصول إلى أي صحفي يعارض روايته.
وتؤكد القاسم أن الصحفي الفلسطيني سيواصل عمله مهما كانت المخاطر، لأن رسالته تتجاوز الخوف، وهدفه أن تبقى الحقيقة حيّة رغم محاولات الاحتلال طمسها.

الاستهداف المضاعف

يؤكد الكاتب والمحلل السياسي والصحفي نهاد أبو غوش أن اغتيال الصحفيين أنس الشريف ومحمد قريقع وزملائهم في غزة يرفع عدد شهداء الصحافة في القطاع إلى أكثر من 265 شهيدًا منذ اندلاع حرب الإبادة والتهجير والتدمير قبل ثلاثة وعشرين شهرًا، ما يؤكد أن الصحفيين في غزة يتعرضون لاستهداف ممنهج.
ويشير أبو غوش إلى أن نسبة الشهداء في صفوف الصحفيين بلغت أكثر من 20% من إجمالي عدد الصحفيين المسجلين في كشوف نقابة الصحفيين الفلسطينيين، وهي نسبة صادمة مقارنة بنسبة الشهداء بين عموم سكان غزة التي تتراوح بين 3% و5% وفق تقديرات محايدة.
ويوضح أبو غوش أن هناك فئات أخرى تتعرض للاستهداف المركّز، مثل الطواقم الطبية والعاملين في الإنقاذ والدفاع المدني.
ويبيّن أبو غوش أن الصحفيين الفلسطينيين مستهدفون لأسباب مضاعفة، فهم أولًا جزء من الشعب الفلسطيني الذي يتعرض للقتل والدمار، وثانيًا لأن مهنتهم بطبيعتها تعرضهم لمواقع الخطر، والسبب الأهم هو رغبة الاحتلال في كتم الحقيقة وتزوير الرواية، وهو ما يفسر منع الصحفيين الأجانب من دخول القطاع واستهداف سيارات ومكاتب وبيوت الصحفيين وعائلاتهم.
ويرى أبو غوش أن هناك أسبابًا أخرى ترتبط بطبيعة المؤسسات الإعلامية التي يعمل معها الصحفيون المستهدفون، وعلى رأسها قناة الجزيرة، التي كانت هدفًا مباشرًا لآلة القتل منذ بداية الحرب، مشيرًا إلى استهداف عدد من أبرز صحفييها مثل وائل الدحدوح وأسرته، والشهداء سامر أبو دقة وحمزة وائل الدحدوح وإسماعيل الغول، إلى جانب التهديدات المباشرة واستهداف عائلات الصحفيين كما حدث مع أنس الشريف نفسه.

نزعة انتقامية

ويؤكد أبو غوش أن نزعة انتقامية واضحة تحكم سلوك حكومة الاحتلال وجيشها، وأن اعتراف إسرائيل بالجريمة وتبريرها بانتماء أحد الشهداء لفصيل سياسي ليس إلا إدانة صريحة لها، خاصة أن هذه الادعاءات قديمة معروفة، والشهداء كانوا يتحركون بشكل علني وخيمتهم معروفة للجميع، ما يجعل الجريمة مكتملة الأركان ومتعمدة.
ويلفت أبو غوش إلى أن "جنون القوة وشهوة الدم" لدى إسرائيل يتغذى على عاملين أساسيين: صمت العالم وعجزه عن وقف الجرائم، وشعور الاحتلال بالحصانة المطلقة من المساءلة والعقوبات.
ويشير أبو غوش إلى المفارقة المأساوية المتمثلة في فرض شروط تعجيزية على الفلسطينيين مقابل تجاهل كامل لجرائم الاحتلال.
ويؤكد أبو غوش أن اغتيال الصحفيين جزء من تمهيد إسرائيلي لمجزرة جديدة في غزة وفق خطتها المعلنة لاحتلال القطاع، مشددًا على أن إسرائيل لا تريد للعالم أن يشهد ما سترتكبه من جرائم ضد المدنيين، وأن تغييب شهود الحقيقة هو جزء من استراتيجية الحرب.


توقيت مدروس..
يرى الكاتب والمحلل السياسي والصحفي سليمان بشارات أن عملية اغتيال الصحفيين الأخيرة في غزة جاءت بتوقيت مدروس من قبل الاحتلال الإسرائيلي، بهدف تحويل مسار الاهتمام الإعلامي والدولي عن قضايا إنسانية ضاغطة، وعلى رأسها صور المجاعة التي تخرج من القطاع، وما تسببه من إدانات واسعة لإسرائيل.
ويوضح بشارات أن هذا التوقيت يتقاطع مع قرارات "الكابينت" بشأن تنفيذ عملية عسكرية في مدينة غزة، ما دفع الاحتلال إلى محاولة "خلط الأوراق" وإعادة ترتيب أولويات المؤسسات الإعلامية والمنظمات الدولية، عبر استهداف رموز إعلامية تحظى بمتابعة واسعة مثل طاقم قناة الجزيرة.
ويؤكد بشارات أن الاحتلال أراد من خلال هذه العملية تحقيق هدفين أساسيين: أولهما خلق حالة من الردع والخوف لدى طاقم القناة، وثانيهما تقديم نموذج لما يمكن أن يواجهه الإعلام الفلسطيني عموماً في غزة.
ويشير بشارات إلى أن اغتيال الصحفيين، ومن بينهم محمد قريقع وأنس الشريف الذي يعمل مع قناة الجزيرة منذ نحو عشرين شهراً، لم يكن مسألة قدرة بالنسبة للاحتلال، بل مسألة توقيت ودلالات.
فاختيار اللحظة الحالية للاستهداف يعكس –برأي بشارات– رغبة إسرائيل في بث الرعب في أوساط سكان غزة، وخاصة في مدينة غزة وشمالها، تمهيداً لعملية ترحيل وتهجير قسري محتملة باتجاه جنوب القطاع.

الفوضى الممنهجة

ويوضح بشارات أن هذه الخطوة تمثل أيضاً جزءاً من سياسة "الفوضى الممنهجة"، إذ يسعى الاحتلال إلى خلق فراغ معلوماتي ومصادري في شمال ووسط غزة، بما يتيح المجال لترويج الشائعات وإعادة "هندسة وعي" الجمهور الفلسطيني، بطريقة تسهّل تمرير المخططات الإسرائيلية.
ويلفت بشارات إلى أن استهداف الصحفيين يسعى في جوهره إلى "قتل حالة الوعي" لدى السكان، وإضعاف قدرة وسائل الإعلام على توجيه وإرشاد الجمهور في ظل الحرب.
ويبيّن بشارات أن عملية الاغتيال تحمل كذلك رسالة مباشرة أو شبه مباشرة إلى شبكة الجزيرة نفسها، مفادها أنها ضمن "دائرة الاستهداف المركزية" وأنها قد تدفع ثمناً كبيراً لتغطية الحرب على غزة.
ويرى بشارات أن هذه الرسالة تهدف إلى دفع القناة للتفكير في سحب طواقمها من الميدان، الأمر الذي يخدم –في نهاية المطاف– أهداف الاحتلال في تعميق سياسة الإبادة، وتجويع السكان، وتسريع وتيرة التهجير.
وبحسب بشارات، فإن استهداف الصحفيين في غزة ليس حدثاً معزولاً، بل جزء من خطة متكاملة لإرباك المشهد الإعلامي، وإضعاف أدوات نقل الحقيقة، وتهيئة الظروف لتنفيذ مخططات تهجير وتجويع تستهدف البنية المجتمعية والإنسانية في القطاع.

دلالات

شارك برأيك

اغتيال الصحفيين... محاولات إسرائيلية للتعمية على الإبادة

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.