لم يبقَ للغزيين غير البحر وأمواجه الهائجة ملاذًا من الإبادة المتوالدة في السعير المقيم منذ نحو عامين، يتوزع فيها الموت على الجميع قتلًا وتجويعًا وأمراضًا وقهرًا من كآبة المنظر وسوء المنقلب.
في ثياب الواعظين برز ثعلب الليكود أمس أمام الصحافة الأجنبية ينضح لسانه كذبًا بواحًا، مُبديًا حرصه على المدنيين الذين يُعمل يوميًّا في رقابهم السكاكين، ويعدهم بأنه سيُغدق عليهم الكثير من المساعدات بعد أن يدمر ما تبقّى من منازلهم ويقطع آخر شرايين الحياة في أحيائهم بعد أن يحرر غزة منهم، ويدفعهم "طوعًا" تحت القصف الجوي والمدفعي إلى الجنوب، منكرًا التجويع كسياسةٍ ممنهجةٍ لطالما حث عليها وحرّض على تطبيقها؛ بقطع الماء والكهرباء والغذاء والدواء عن أبناء العماليق الذين أوعز بقتلهم وتجويعهم وإهلاك الحرث والنسل انتقامًا منهم.
الكذب سياسة نتنياهو وخبزه اليومي لإطالة أمد الحرب حتى لا يسقط عن العرش، فلو قُدر لغوبلز، وزير إعلام الفوهرر خلال الحرب العالمية الثانية، أن يُبعث من مرقده لَأُغمي عليه من فرط ما يسمع من أكاذيب تفوق نظريته في صناعة الكذب، التي لم يتوقع أن أحداً من بعده سينافسه على براءة اختراعه لها.
لا يجد المجوّعون في الكيلومتر الأخير من المدينة المنكوبة ملاذًا يفرون إليه من الجحيم القائم والمرتقب غير البحر، وهم الذين عادوا من الجنوب رجالًا وعلى كل ضامر، في الهدنة اليتيمة التي أتاحت لهم العودة إلى أطلال منازلهم، فأقاموا خيامهم تحت السقوف الآيلة وبين المباني المهدمة والشوارع المجرفة، قبل أن يلاحقهم القتلة ويتوعدوهم بما هو أكثر سوءًا وأشد وطأة مما عاشوه طيلة الأيام والأشهر الماضية، وكأن الحرب ستعود كما لو أنها في يومها الافتتاحي.
قتلُ شهود الإثبات مراسلي "الجزيرة" أنس الشريف ومحمد قريقع، باستهداف خيمة الصحفيين أمام مستشفى الشفاء، الليلة الماضية، يندرج ضمن سياسة التعمية الممنهجة، ويحمل نُذرًا ومهدّداتٍ خطيرة إزاء ما ينتظر مدينة غزة من جرائم يُراد لها أن تُجرى بعيداً عن عدسات الصحافة.





شارك برأيك
أين المفر؟!