فلسطين

الإثنين 11 أغسطس 2025 8:31 صباحًا - بتوقيت القدس

احتلال غزة.. التطهير العرقي في نسخة محدثة

خـاص بـ"القدس" و"القدس" دوت كوم

د. مازن الرمضاني: سياسة التهجير والدمار الشامل يراد بها التمهيد لإلغاء الهوية العربية لغزة والعمل على تهويدها كما يحصل بالقدس

شادي الشرفا: اعتماد خطة "الاحتلال التدريجي" لقطاع غزة خطوة ضمن مشروع أعمق لإعادة تشكيل الجغرافيا والديموغرافيا

د. ثائر أبو راس: مخاطر عدة لاحتلال القطاع أبرزها حشر جميع سكانه جنوب المواصي ما يعني عملياً تطهيراً عرقياً كاملاً للشمال

إسماعيل مسلماني: السيناريوهات المطروحة تشمل البدء بالسيطرة على الشريط الحدودي الشرقي والشمالي ثم تقطيع القطاع إلى مناطق معزولة 

وديع أبو نصار: هناك محاولات حثيثة لتهجير سكان قطاع غزة أو دفعهم إلى المغادرة وربما ينطبق ذلك أيضاً على الضفة الغربية

 

 

يعكس اعتماد المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر "الكابينت" خطة "الاحتلال التدريجي" لقطاع غزة تحولاً في طبيعة العدوان المستمر منذ نحو عامين، ويفتح الباب على مصراعيه أمام مرحلة أكثر دموية بحق المدنيين العزل، في حين أن هذا التوجه، وإن بدا تصعيداً عسكرياً بحتاً، فإنه يحمل في جوهره أبعاداً سياسية تتعلق بتنفيذ خطة عنصرية معدة مسبقاً لإفراغ قطاع غزة من سكانه عبر إبادتهم وتهجيرهم قسراً، وذلك ضمن مشروع أعمق لإعادة تشكيل الجغرافيا والديموغرافيا في القطاع.

وأشار كتاب ومحللون في أحاديث منفصلة لـ"ے" إلى أن "هذا المسار يثير مخاوف حقيقية من إعادة إنتاج سيناريوهات تهجير قسري شبيهة بما حدث في إبادة سريبرينيتسا، حين جرى تجريد السكان من وسائل دفاعهم قبل تركهم لمصيرهم، لافتين إلى أنه منذ إعلان الاحتلال التدريجي، تبرز ملامح خطة تتجاوز حدود غزة كساحة قتال إلى كونها مختبرًا لتطبيق سياسات قديمة-جديدة تهدف للسيطرة على الأرض مع تقليص الوجود الفلسطيني عبر حصره في جيوب مكتظة أو دفعه خارج الحدود". 

وحذروا من أن "هذا التفكير العنصري يتفاعل مع سياسة إسرائيلية ممتدة، هي سياسة شراء الزمان سبيلاً لتحقيق عملية تهويد فلسطين، ومن ثم فرض الأمر الواقع على العرب، ومما يساعد على ذلك تجربة الدعم الأمريكي لتهويد القدس عبر نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس. 

 

إلغاء الفلسطينيين لتحقيق أهداف إسرائيل التوسعية

 

قال أ. د. مازن الرمضاني أستاذ العلوم السياسية/ السياسة الدولية ودراسات المستقبلات رئيس وحدة استشراف المستقبلات/ المعهد العالمي للتجديد العربي: "إن إسرائيل تعد إحدى القوى الإقليمية التي تنطوي مشاريعها على إلغاء الفلسطينيين والعرب، كهوية ومستقبل، سبيلاً لتحقيق أهدافها التوسعية". 

وأشار إلى أن "التجربة الممتدة منذ 1948 تفيد بأن أنماط السلوك الإسرائيلي، ولعل أحدثها ما يجري في غزة من تدمير مبرمج وقتل واسع للمدنيين الأبرياء، فضلاً عن نزوعها إلى احتلالها، إن هذه الأنماط تستوي وأنماط سلوك الدولة الإمبريالية، الذي لم يعد مرتبطاً بأدوات السيطرة العسكرية المباشرة فقط، وإنما صار يقترن كذلك بآليات الإخضاع غير المباشرة، اقتصادياً وثقافياً ومن ثم سياسياً".

وأضاف الرمضاني: "إن جميع هذه الآليات بنوعيها تلغي تلك القيم التي تؤمّن للإنسان إنسانيته، وللدول تحررها واستقلالها وارتقاءها الحضاري".

وأكد الرمضاني أن "سياسة التهجير والدمار الشامل الذي نجم عن العدوان الإسرائيلي على غزة، والقول ببقاء السيطرة الإسرائيلية ممتدة في الزمان عليها إنما يراد بها التمهيد إلى إلغاء الهوية العربية لغزة، ثم تهويدها لاحقاً بالكامل كما يحصل مع القدس. والسؤال: لماذا يُراد تهويد أراضي فلسطينية عربية؟".

ويرى أن "الفكر اليهودي التلمودي يقدم إجابة عن التساؤل أعلاه. فهذا الفكر يربط المكان والزمان بدور اليهودي الصهيوني، إذ يؤكد أن "اليهودي الصهيوني الذي ينكر الآخر ولا يعترف إلا بذاته، يريد المكان له وحده، أي أنه يريد الأرض، وهو يريد الزمان أيضاً، أي أنه يريد الاستيلاء على التاريخ والانفراد به... أما الآخر، الذي يُقصد به العربي، فيجب أن يُطرد وإلا فسيكون مصيره القتل والإخضاع".

وأوضح الرمضاني أن "هذا التفكير العنصري يتفاعل مع سياسة إسرائيلية ممتدة، هي سياسة شراء الزمان سبيلاً لتحقيق عملية تهويد فلسطين، ومن ثم فرض الأمر الواقع على العرب، ومما يساعد على ذلك تجربة الدعم الأمريكي لتهويد القدس عبر نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس". 

ويرى الرمضاني أن "لا سبيل ربما لمغالبة هذا الكيان العنصري إلا عن طريق الوعي التاريخي والاستراتيجي بأهدافه، فضلاً عن العمل الجاد والمتجدد من أجل بناء الوجود الحضاري العربي"، لافتاً إلى أن "هذا الوجود هو وحده الذي يستطيع أن يجعل التخطيط الصهيوني/الإسرائيلي قابلاً للاندحار في نهاية المطاف".

 

صراع في التاريخ وعلى التاريخ من أجل المستقبل

 

وأكد أنه "ينبغي أن نتذكر أن صراعنا الممتد مع إسرائيل والقوى الداعمة لها هو صراع في التاريخ وعلى التاريخ من أجل المستقبل الأفضل، لأن غير ذلك ينطوي على دعم النزوع الإقليمي المتوافق مع الدولي على تسريع خروج العرب من التاريخ، وجعل مستقبلنا اسيرا لإرادة غيرنا ومصالحه. 

وأضاف د.الرمضاني: إنه إذا حدث ذلك ، فإن الخسارة الباهظة ستكون من نصيبنا. ومن أجل دون ذلك، ينطوي حشد القوة العربية، وهي فاعلة ومؤثرة في حالة توظيفها الهادف مثلما تم ذلك أحياناً في السابق، من أجل بقاء عموم فلسطين عربية وعدم الرضوخ للأمر الواقع الراهن.

 

مخاوف من تكرار إبادة سريبرينيتسا على نطاق أوسع

 

وأكد المحلل المختص بالشان الإسرائيلي شادي الشرفا أن "قرار الكابينيت الإسرائيلي باعتماد خطة "الاحتلال التدريجي" لقطاع غزة لا يمكن قراءته كمجرد مسار عسكري تقني"، مؤكداً أنه خطوة ضمن مشروع أعمق لإعادة تشكيل الجغرافيا والديموغرافيا في القطاع، يحمل جذوره من التصورات الإسرائيلية بعد 1967، ويتغذى على خطاب اليمين المتطرف المعاصر. 

وقال: "إن هذا المسار يثير مخاوف حقيقية من إعادة إنتاج سيناريوهات تهجير قسري شبيهة بما حدث في إبادة سريبرينيتسا، حين جرى تجريد السكان من وسائل دفاعهم قبل تركهم لمصيرهم".

وأشار الشرفا إلى أنه منذ إعلان الاحتلال التدريجي، تبرز ملامح خطة تتجاوز حدود غزة كساحة قتال إلى كونها مختبرًا لتطبيق سياسات قديمة-جديدة.  لافتاً إلى خطة إيغال ألون، التي وُضعت عقب حرب 1967، كانت تهدف للسيطرة على الأرض مع تقليص الوجود الفلسطيني عبر حصره في جيوب مكتظة أو دفعه خارج الحدود. 

ويرى الشرفا أن "ما يجري اليوم في غزة هو نسخة مُحدثة من تلك الرؤية: تقسيم القطاع إلى مربعات، تفريغها تدريجيًا، وإحكام الحصار على ما تبقى من السكان، تمهيدًا لدفعهم نحو "خيار النزوح" سواء إلى البحر أو باتجاه سيناء".

وأشار إلى أن "اليمين الإسرائيلي، وعلى رأسه وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، لا يخفي طموحه بضم غزة إلى ما يسميه "أرض إسرائيل" وفتحها أمام المستوطنين، بالتوازي مع تشجيع "الهجرة الطوعية" للفلسطينيين وهو التعبير المخفف الذي يستخدمه الخطاب السياسي الإسرائيلي للإشارة إلى التهجير القسري".

 

إعادة هندسة البنية السكانية بالكامل

 

ووصف الشرفا تصريحات سموتريتش الأخيرة حول "إعادة إعمار غزة للمستوطنين" بأنها تكشف بوضوح أن الهدف يتجاوز القضاء على حماس إلى إعادة هندسة البنية السكانية بالكامل.

واوضح ان التشبيه مع إبادة سريبرينيتسا عام 1995 اصبح مقلقًا وملموسًا. وقال "في تلك المجزرة، فُرض حصار خانق على المدينة، وتم إقناع السكان المسلمون البوسنيون بتسليم أسلحتهم لقوات الأمم المتحدة، تحت وعود بالحماية الدولية. لكن تلك الحماية انهارت سريعًا، ووجد عشرات الآلاف أنفسهم بلا أي قدرة على الدفاع، ليقعوا فريسة للقتل الجماعي والتهجير القسري على يد قوات صرب البوسنة".

وتابع الشرفا: "في غزة، ورغم اختلاف الأدوات، هناك نمط مشابه: استنزاف عسكري وبنيوي شامل، تدمير البنية التحتية المدنية، وإضعاف كل مقومات الصمود، ومطالبة فجة بتسليم السلاح، ما يجعل "الخروج" أو "الإجلاء" يبدو كخيار البقاء الوحيد".

ويرى الشرفا أن المخاطر المترتبة على هذا السيناريو متعددة الأبعاد:

1. إنسانيًا: يؤدي إلى كارثة ديموغرافية تُعيد إنتاج مشهد النكبة، لكن على مرأى ومسمع العالم.

2. قانونيًا: يضع المجتمع الدولي أمام سابقة خطيرة في شرعنة التغيير القسري للتركيبة السكانية، تحت غطاء "عمليات أمنية".

3. سياسيًا: يفتح الباب أمام تصعيد إقليمي إذا ما فُرض النزوح نحو مصر، ويقوّض أي إمكانية لتسوية عادلة.

4. استراتيجيًا: يمنح إسرائيل فرصة لإعادة توزيع السكان الفلسطينيين بما يخدم مشروع الضم والتوسع الاستيطاني، مع استثمار حالة الانهيار الإنساني لفرض وقائع دائمة، كل ذلك في سياق التصفية النهائية للقضية الفلسطينية.

وختم الشرفا تعقيبه بالقول: "اليوم، غزة ليست مجرد ساحة حرب، بل اختبار مفتوح لمدى استعداد العالم لتكرار سريبرينيتسا على نطاق أوسع، وتحت كاميرات البث المباشر. الفرق الوحيد أن الضحايا هنا يعرفون التاريخ جيدًا، لكن المجتمع الدولي يبدو عازمًا على السماح له بأن يعيد نفسه، خطوة بخطوة، حتى آخر بيت وآخر إنسان".

 

جزء من خطة إسرائيلية مُعدة مسبقًا 

 

بدوره، أكد الخبير في الشؤون الدولية د. ثائر أبو راس أن "احتلال قطاع غزة ينطوي على عدة مخاطر، لكنه في الوقت نفسه جزء من خطة إسرائيلية أصبح واضحاً الآن أنها مُعدة مسبقًا لمحاولة إحداث تغيير ديموغرافي وجغرافي في القطاع، أي التطهير العرقي، أو على الأقل تمكين الاحتلال من السيطرة على أجزاء واسعة منه".

وأوضح أن "هذا القرار يحمل عدة مخاطر لأسباب متعددة؛ أولها أن مدينة غزة ما زال يسكنها عدد كبير من المواطنين، ما يعني أن أي عملية عسكرية قد تؤدي إلى سقوط أعداد كبيرة من الضحايا الأبرياء، وكأن نسبة الشهداء في الأشهر الـ22 الماضية لم تكن كافية. وهناك خطة واضحة لزيادة هذا العدد بشكل أكبر".

وأضاف د. أبو راس: إن مدينة غزة، رغم دمارها الكبير، ما زالت تحتفظ ببعض المباني والبنى التحتية مقارنةً بمدن أخرى في القطاع، ما يعني أن دخول الاحتلال إليها سيؤدي إلى تدمير ما تبقى منها، وهو ما يشكل جزءاً من خطة التطهير العرقي، بحيث لا يبقى مكان يعود إليه الناس. ففي الوقت الحالي، يستطيع سكان غزة استضافة نازحين من الشمال أو الجنوب أو من المخيمات، لكن في حال تدمير ما تبقى من المنازل، سيصبح الجميع بلا مأوى داخل القطاع.

وأشار إلى أن الأخطر، برأيه، هو حشر جميع سكان قطاع غزة جنوب المواصي، ما يعني عمليا تطهيرا عرقيًا كاملًا لشمال القطاع، وحشر مليوني إنسان في منطقة لا تتجاوز نصف مساحته. 

ويرى أن الهدف من ذلك واضح، وهو إما فرض التطهير العرقي أو الضغط على مصر لفتح حدودها.

وبيّن ابو راس أن مصر، منذ بداية الحرب، تسعى بكل قوة لمنع تنفيذ هذا المخطط، لعلمها بتداعياته السلبية على أمنها القومي وربما حتى على استقرار نظامها الحالي، لكنها قد تواجه في هذه المرحلة محاولة إسرائيلية أخيرة لفرض واقع جديد في غزة. 

وقال: إذا لم ينجح التطهير العرقي، قد تلجأ إسرائيل إلى ضم أجزاء، ولو رمزية، من القطاع كبديل يرضي نتنياهو وحلفاءه في اليمين المتطرف.

كما لفت الخبير ابو راس إلى أن هناك لأول مرة ردود فعل من بعض حلفاء إسرائيل، مشيراً إلى إعلان المستشار الألماني مؤخراً أن بلاده ستتوقف عن بيع الأسلحة لإسرائيل، وهي أسلحة تُستخدم في قطاع غزة. 

وأوضح أن 30% من الواردات العسكرية الإسرائيلية تأتي من ألمانيا، التي تُعد أكبر مورد عسكري لها بعد الولايات المتحدة، التي تقدم مساعدات سنوية تبلغ نحو 4 مليارات دولار.

وأكد أبو راس أن هناك تحركاً للضغط على إسرائيل لعدم تنفيذ العملية أو تقليص نطاقها، مؤكداً أن الخطة معدة مسبقاً، وتحظى بعدم معارضة من إدارة واشنطن، ليبقى السؤال الأهم: إلى أي مدى سيتمكن الشعب الفلسطيني في غزة من الصمود، بعد أن قدم خلال 22 شهرا دروسا عظيمة في الثبات على الأرض.

 

تحوّل في أسلوب العمليات الإسرائيلية 

 

من جانبه، يرى المحلل المختص بالشأن الإسرائيلي إسماعيل مسلماني أن قرار الكابينت اعتماد استراتيجية "الاحتلال التدريجي" لقطاع غزة يعكس تحولًا في أسلوب العمليات الإسرائيلية من الحسم العسكري السريع إلى نهج الزحف البطيء والمتدرج، حيث يتم التقدم في مناطق محدودة ثم تثبيت السيطرة قبل الانتقال إلى مراحل أوسع. 

وأكد أن هذا الأسلوب يتيح لإسرائيل إدارة العمليات وفق إيقاع سياسي وعسكري يناسبها، ويقلل من خسائرها الفورية، لكنه في الوقت نفسه يمنحها مجالاً لتطبيق خطط إعادة تشكيل الواقع الميداني.

وأشار مسلماني إلى أن السيناريوهات المطروحة تشمل البدء بالسيطرة على الشريط الحدودي الشرقي والشمالي، وتحويله إلى "منطقة أمنية" فارغة من السكان، ثم تقطيع القطاع إلى ثلاث أو أربع مناطق معزولة جغرافيًا عبر حواجز ونقاط تفتيش عسكرية، مما يحد من الحركة بين الشمال والجنوب.

وقال: "مع كل تقدم، قد تُفرض عمليات إخلاء قسري للمدنيين تحت ذرائع أمنية أو عملياتية، ما يخلق بيئة مناسبة لتغيير الخريطة السكانية تدريجيًا دون إعلان رسمي عن خطة تهجير شاملة".

 

مخاطر فتح باب التهجير القسري وتبعاته

 

وأوضح مسلماني أن "هذا النمط من الاحتلال يحمل مخاطر عالية لفتح الباب أمام التهجير القسري واسع النطاق"، لافتاً إلى أن الضغط المعيشي والإنساني المصاحب للعمليات  من حصار محكم، ونقص حاد في الغذاء والماء والدواء، وتدمير البنية التحتية سيدفع آلاف العائلات للبحث عن ملاذ أكثر أمانًا، سواء في جنوب القطاع أو خارجه.

وتابع: "إذا ترافق ذلك مع استمرار إغلاق مناطق "محررة" أمام عودة سكانها، فإن النزوح المؤقت سيتحول عمليًا إلى تهجير دائم، في مخالفة صريحة للقانون الدولي الإنساني". 

ويرى مسلماني أن هذا السيناريو قد يعيد طرح خطة قديمة تدفع الفلسطينيين نحو سيناء، ما يهدد بإحداث أزمة إقليمية بين إسرائيل ومصر، ويضع المجتمع الدولي أمام معضلة سياسية وإنسانية معقدة، موضحاً أنه على المدى البعيد، فإن نجاح التهجير الجزئي في غزة قد يشكل سابقة تُستنسخ في الضفة الغربية، ويغير ميزان القوى الديمغرافي لصالح الاحتلال، مع ما يحمله ذلك من تداعيات على القضية الفلسطينية برمتها.

 

ردود الفعل المتوقعة محليًا ودوليًا

 

وتوقع مسلماني أن يثير قرار الاحتلال التدريجي وردوده الإنسانية حالة انقسام في المشهد المحلي الفلسطيني، إذ ستتصاعد التحذيرات من الفصائل والمؤسسات الحقوقية من مخاطر التهجير، وستزداد الدعوات إلى الصمود في المناطق المستهدفة رغم الظروف القاسية، بينما قد يضطر جزء من السكان للنزوح القسري بفعل القصف والحصار. 

وأضاف: على الصعيد الإقليمي، ستتخذ مصر موقفًا حذرًا، إذ تعتبر أي محاولة لدفع الفلسطينيين نحو سيناء خطًا أحمر يمس أمنها القومي، وقد يؤدي إلى توتر سياسي وربما أمني مع إسرائيل. 

أما دوليًا، فأكد مسلماني أن "الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية ستواصل التحذير من كارثة إنسانية وخرق جسيم للقانون الدولي، إلا أن مواقف العواصم الكبرى ستتفاوت بين الإدانة الشكلية والسعي لفرض تهدئة مؤقتة، دون اتخاذ خطوات عملية لوقف سياسة الأمر الواقع"، موضحاً أن "هذا التباين في المواقف سيمنح إسرائيل هامشًا واسعًا للمناورة، ما لم يتبلور ضغط سياسي واقتصادي حقيقي يجبرها على تغيير مسار العمليات".

 

ثلاث قراءات لقرار "الكابينيت"

 

ويرى المحلل المختص بالشأن الإسرائيلي وديع أبو نصار أن "قرار الكابنيت الإسرائيلي يمكن قراءته بعدة طرق؛ الأولى: أنه يمثل نوعاً من المفاوضات مع حركة "حماس"، بهدف زيادة الضغط عليها ودفعها لتقديم مزيد من التنازلات في المفاوضات غير المباشرة".

وأشار إلى أن "القراءة الثانية هي أن اليمين الإسرائيلي، وهو على أعتاب الانتخابات السنة القادمة، يريد استمرار الحرب في غزة، ويعتقد أن ذلك يتحقق من خلال المضي في مغامرات عسكرية جديدة".

أما القرأة الثالثة، وفق أبو نصار، فهي أن "اليمين الإسرائيلي يسعى للقضاء على كل ما هو فلسطيني، ليس فقط في قطاع غزة، بل أيضاً في الضفة الغربية، بل وحتى في الداخل الفلسطيني، حيث هناك من يرى أن هذا التيار يريد إنهاء فكرة الدولة الفلسطينية وأي وجود فلسطيني، ويهاجم كل من يطرح هذه الفكرة".

ويعتقد أبو نصار أن "الواقع هو مزيج من هذه القراءات الثلاث"، موضحاً أن "هناك محاولات حثيثة لطرد الفلسطينيين أو دفعهم للمغادرة، وأنه لو فتحت مصر حدودها، فإن إسرائيل ستدفع بهذا الاتجاه، وربما ينطبق ذلك أيضًا على الضفة الغربية".

وأشار أبو نصار إلى "أن هناك مساعي منظمة من اليمين الإسرائيلي لتيئيس الفلسطينيين، سواء في غزة أو الضفة الغربية، بل وحتى داخل داخل مناطق الـ٤٨"، مستدلًا على ذلك بانتشار الجريمة في أوساط الفلسطينيين هناك، وتقاعس وزير الأمن الداخلي إيتمار بن غفير عن معالجتها بشكل جاد، ما يشير إلى وجود نوايا خفية تهدف إلى تيئيس الفلسطينيين داخل مناطق الـ٤٨.

دلالات

شارك برأيك

احتلال غزة.. التطهير العرقي في نسخة محدثة

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.