د. رائد أبو بدوية: إسرائيل قد تستغل الإعلان الأحادي لتقويض السلطة وتحويلها إلى جهاز إداري بلا صلاحيات سياسية
محمد هواش: هذه الخطوة تجديد لتأكيد المرجعية الفلسطينية للأرض في ظل محاولات إسرائيل لفرض وقائع عبر الاستيطان والضم
نزار نزال: بعض الدول سوف ترحب بالإعلان كونه يثبت حل الدولتين ودول ستتخذ موقفاً معارضاً باعتباره يؤثر على مسار المفاوضات
د. سعد نمر: هذه الخطوة قد تدفع دولاً للاعتراف بالدولة ما يمكن أن يسهم من الناحية السياسية في تعزيز مكانة الفلسطينيين دولياً
طلال عوكل: خطوة إعلان الدولة تحتاج إلى توافقات.. وحجم ونوع الاعترافات بها لا يكفيان للإقدام على خطوة بهذا المستوى
داود كُتَّاب: الخطوة العملية لتجسيد هذا التحول تبدأ بإجراء انتخابات تشريعية ورئاسية بما يرسخ ديمقراطية الدولة الوليدة
تتصاعد النقاشات السياسية حول ما تم الحديث عنه من نية الرئيس محمود عباس نحو إعلان الدولة الفلسطينية بديلاً عن السلطة الفلسطينية، في خطوة أحادية تهدف إلى ترسيخ الحقوق الفلسطينية خارج إطار المفاوضات المجمدة مع إسرائيل.
ويوضح كتاب ومحللون سياسيون ومختصون وأساتذة جامعات في أحاديث منفصلة مع "ے"، أن هذا الإعلان، المتوقع طرحه خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، في أيلول/ سبتمبر المقبل، يسعى إلى تحويل السلطة من كيان إداري مؤقت ولد من رحم اتفاقيات أوسلو، إلى دولة ذات صفة سياسية وقانونية مستقلة، غير أن نجاح هذه المبادرة يظل مشروطًا بوجود خطة عملية وتوافق وطني يحميها من أن تبقى مجرد إجراء رمزي.
ويشير الكتاب والمحللون والمختصون وأساتذة الجامعات إلى أن ردود الفعل المتوقعة على هذه الخطوة ستتباين بين التأييد والرفض؛ فبينما قد تحظى بدعم دول في أميركا اللاتينية وإفريقيا وآسيا ترى فيها تعزيزًا لحل الدولتين، ستعارضها قوى دولية كبرى مثل الولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا، أما إسرائيل، فتنظر إليها كخطر مباشر على مشروعها الاستيطاني، وقد ترد بضم أراضٍ استراتيجية، وتكثيف البناء الاستيطاني، وفرض قيود اقتصادية وسياسية مشددة.
ويشدد الكتاب والمحللون والمختصون وأساتذة الجامعات على ضرورة استثمار الاعتراف الدولي الواسع بفلسطين، الذي يشمل أكثر من 150 دولة، من خلال إصلاحات سياسية وانتخابات عامة تكرس شرعية الدولة.
وبينما يصف أنصار الخطوة من الكتاب والمحللين والمختصين وأساتذة الجامعات، أنها لحظة تاريخية لتثبيت الحق الفلسطيني، يحذر معارضوها من أن تتحول إلى ورقة تستخدمها إسرائيل لتثبيت الاحتلال تحت غطاء جديد.
سلاح ذو حدين
يحذر أستاذ القانون الدولي والعلاقات الدولية في الجامعة العربية الأمريكية د.رائد أبو بدوية من أن خطوة الإعلان الأحادي الجانب عن دولة فلسطين التي يدرسها الرئيس محمود عباس، قد تشكل "سلاحًا ذا حدين"، يمكن أن تتحول إما إلى شهادة ميلاد لدولة فلسطينية مستقلة أو شهادة وفاة للمشروع الوطني، إذا لم تتوفر لها شروط النجاح.
ويوضح أبو بدوية أن هذه الخطوة، المزمع اتخاذها بالتزامن مع انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر المقبل، تهدف إلى نقل السلطة الفلسطينية من كيان إداري يعمل بموجب اتفاقيات أوسلو إلى كيان سياسي مستقل، دون الحاجة لموافقة إسرائيل أو الدخول في مفاوضات جديدة، وهي خطوة مهمة.
لكن أبو بدوية يشدد على أن الإعلان، رغم أهميته الرمزية والسياسية، قد يبقى حبرًا على ورق إذا لم يرافقه توافق وطني شامل وخطة عملية قابلة للتنفيذ على الأرض.
ويشير أبو بدوية إلى أن إسرائيل تنظر إلى هذا الإعلان كتهديد مباشر لاستراتيجيتها طويلة الأمد الهادفة لتثبيت السيطرة على الضفة الغربية ومنع قيام دولة فلسطينية مستقلة. ووفقًا لأبو بدوية، من المتوقع أن ترد حكومة الاحتلال بسلسلة إجراءات تصعيدية، تشمل تكثيف الاستيطان وضم مناطق استراتيجية من الضفة، وتشديد العقوبات الاقتصادية والسياسية على السلطة الفلسطينية.
ويحذر من أن إسرائيل قد تستغل الإعلان الأحادي لتقويض السلطة الفلسطينية وتحويلها إلى جهاز إداري بلا صلاحيات سياسية، أو الدفع نحو إعادة هندسة المشهد الفلسطيني عبر تقسيم الأراضي إلى مناطق صغيرة خاضعة لإدارات محلية، جميعها تحت السيطرة الأمنية والسياسية الإسرائيلية الفعلية.
وحول الموقف الأمريكي، يؤكد أبو بدوية أن واشنطن تتمسك بخطاب يدعو إلى حل تفاوضي، لكنها عمليًا لا تبذل جهدًا جادًا لإعادة إطلاق المفاوضات.
ويوضح أبو بدوية أن الإدارة الأمريكية تميل إلى الموازنة بين دعم إسرائيل والحفاظ على استقرار نسبي في المنطقة، مع ممارسة ضغوط سياسية واقتصادية على السلطة الفلسطينية، خاصة في ظل تحركاتها الدولية.
ويرى أبو بدوية أن الولايات المتحدة ترفض الإعلان الأحادي الجانب، وتفرض عقوبات أو تقييدات على السلطة، بهدف إبقائها ضمن دائرة النفوذ الأمريكي-الإسرائيلي، ومنع أي خطوة قد تغيّر موازين القوى القائمة.
وعلى الصعيد الداخلي، يشدد أبو بدوية على أن أي إعلان يتم دون توافق وطني شامل ودون خطة استراتيجية واضحة سيؤدي إلى تعميق الانقسامات الفلسطينية، خاصة بين الضفة الغربية وقطاع غزة.
غياب التنسيق وتباين الأولويات
ويشير أبو بدوية إلى أن غياب التنسيق وتباين الأولويات بين الفصائل قد يضعف الموقف الفلسطيني في مواجهة الاحتلال وفي الساحات الدولية.
ويؤكد أبو بدوية أن الإعلان الأحادي من دون وحدة وطنية وخطوات عملية على الأرض سيحوّله إلى ورقة سياسية فاقدة للمصداقية، ما ينعكس سلبًا على المفاوضات والمقاومة القانونية والدبلوماسية.
وبحسب أبو بدوية، فإن الإعلان الأحادي عن دولة فلسطين قد يكون نقطة انطلاق حقيقية نحو الاستقلال إذا استُثمر كأداة لتعزيز الوحدة الوطنية وحشد دعم دولي فعّال، يقود إلى خطوات ملموسة تمكّن الفلسطينيين من ممارسة حقوقهم كاملة.
لكن أبو بدوية يحذر في الوقت ذاته من أن غياب هذه الشروط سيحوّل الإعلان إلى فخ سياسي تستغله إسرائيل والولايات المتحدة لتكريس الاحتلال بوسائل أكثر تعقيدًا، وتحويل القضية الفلسطينية من صراع على السيادة إلى إدارة أمنية بلا مضمون سياسي، وهو ما يهدد بإجهاض حلم الدولة المستقلة.
مسألة ذات أبعاد دولية
يؤكد الكاتب والمحلل السياسي محمد هواش أن فكرة تحويل السلطة الفلسطينية إلى دولة وإن تمت كخطوة أحادية الجانب، لكنها مسألة ذات أبعاد دولية، ترتبط بالحقوق الثابتة للشعب الفلسطيني، وبالشرعية القانونية والسياسية التي أرستها قرارات الأمم المتحدة والاتفاقات السابقة.
ويوضح هواش أن دولة فلسطين قد أُعلن عنها بالفعل في فترات سابقة، وأن المفاوضات التي جرت كانت تهدف إلى إنهاء الاحتلال واستكمال المرحلة الانتقالية، قبل أن تقوم إسرائيل بوقف التفاوض وإغلاق باب التسويات.
ويؤكد هواش أن الحكومة الإسرائيلية الحالية، بتركيبتها اليمينية، لا تعترف بحقوق الشعب الفلسطيني إطلاقًا، وهو ما يجعل أي إعلان فلسطيني محتمل للدولة بمثابة تأكيد على هذه الحقوق لا أكثر.
ويبيّن هواش أن ما يُتداول عن نية الرئيس محمود عباس إعلان الدولة وتحديد حدودها، هو رسالة سياسية مفادها أن الشعب الفلسطيني يمتلك كل مقومات الدولة من شعب وأرض ونظام سياسي، وأن ما ينقص هو تثبيت الحدود على أساس خطوط عام 1967.
ويؤكد هواش أن هذه الخطوة ليست مجرد رمزية، بل هي تجديد لتأكيد المرجعية الفلسطينية للأرض، في ظل محاولات إسرائيل المستمرة لفرض وقائع على الأرض عبر الاستيطان والضم.
المرجعيتان القانونية والسياسية
ويشير هواش إلى أن هناك خلطًا شائعًا في أوساط الرأي العام ووسائل الإعلام، وحتى لدى بعض العرب، بين سلطة إسرائيل الأمنية في مناطق "ج" وحقها في امتلاك هذه الأراضي، مؤكدًا أن المرجعية القانونية والسياسية لهذه الأراضي هي للشعب الفلسطيني وحده.
ويشدد هواش على أن جميع التصريحات والقرارات الفلسطينية تعتبر الاستيطان في كافة المناطق المحتلة غير شرعي، وأن حدود الدولة هي حدود 1967، وفق قرارات الشرعية الدولية.
وفيما يتعلق بالتعامل الإسرائيلي مع إعلان الدولة المرتقب، يوضح هواش أن إسرائيل على الأرجح لن تتعامل مع الإعلان كأمر جديد، نظرًا لكونه مثبتًا في الوثائق الرسمية لمنظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الفلسطينية وقرارات المجلسين الوطني والمركزي.
ويعتبر هواش أن إسرائيل تمارس اعتداءات يومية على الأرض الفلسطينية وحقوق الشعب الفلسطيني، وتسعى إلى نزع الصفة القومية عن القضية الفلسطينية وتحويلها إلى قضية أفراد، في تجاهل تام لحقوق الشعب وتطلعاته الوطنية.
ويلفت هواش إلى أن إسرائيل تواصل سن القوانين في الكنيست لشرعنة الاستيلاء على الأراضي الفلسطينية لأغراض استيطانية أو عسكرية، وبناء المستوطنات، بما في ذلك الاستيطان الرعوي.
المشروع الاستيطاني محكوم بالفشل
ويشدد هواش على أن المشروع الاستيطاني برمته محكوم بالفشل، لأن الوجود الفلسطيني على الأرض أقوى وأعمق من أي وجود استيطاني، حتى في ظل الاعتداءات المستمرة.
ويحذر هواش من محاولات إسرائيل المستمرة لتعزيز وجودها في الضفة الغربية وفرض الضم، معتبرًا أن أي ضم تعلنه لا يملك معنى قانونيًا، لأن الكنيست لا يملك ولاية على الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس.
ويؤكد هواش أن كل القرارات الإسرائيلية بهذا الشأن رمزية ومعنوية، موجهة أساسًا لرضا القاعدة الانتخابية والاجتماعية في إسرائيل، ولا تحظى باعتراف دولي باستثناء الإدارة الأمريكية الحالية.
ويوضح هواش أن أي إعلان فلسطيني عن الدولة هو حق طبيعي وتاريخي للشعب الفلسطيني في أرضه، وأن جميع الخطوات الإسرائيلية لفرض الأمر الواقع تظل خارج إطار القانون الدولي، ودون أي شرعية حقيقية على الساحة العالمية.
أربعة سيناريوهات محتملة
يوضح الباحث المختص بالشأن الإسرائيلي وقضايا الصراع نزار نزال أربعة سيناريوهات محتملة في حال أقدم الرئيس الفلسطيني محمود عباس على إعلان تحول السلطة الفلسطينية إلى دولة، مشيراً إلى أن ردود الأفعال ستتراوح بين الترحيب الرمزي والتصعيد الميداني والسياسي، وصولاً إلى التدويل.
ويعتقد نزال أن السيناريو الأول يتمثل في رد فعل رمزي ودبلوماسي، حيث قد ترحب بعض الدول بالإعلان وتعتبره خطوة في اتجاه تثبيت حل الدولتين، لا سيما دول الجنوب العالمي في أميركا اللاتينية وإفريقيا وآسيا، والتي كانت تاريخياً مؤيدة للحقوق الفلسطينية، في المقابل، ستتبنى دول أخرى مثل الولايات المتحدة وألمانيا وبريطانيا وكندا وأستراليا موقفاً معارضاً، معتبرة أن الخطوات الأحادية الجانب تؤثر سلباً على مسار المفاوضات والوضع القانوني.
ويشير نزال إلى أن إسرائيل، رغم أزمتها الدبلوماسية الراهنة، ستسعى عبر شبكة علاقاتها الدولية لإحباط أي اعتراف واسع النطاق بالدولة الفلسطينية.
أما السيناريو الثاني، بحسب نزال، فيتعلق بالتصعيد الإسرائيلي الاقتصادي والسياسي، من خلال إجراءات مثل تجميد أموال المقاصة، وفرض قيود على دخول البضائع إلى الأراضي الفلسطينية، ما قد يؤدي إلى أزمات اقتصادية وارتفاع الأسعار، كما قد تقلص إسرائيل أعداد تصاريح العمل للفلسطينيين، وتخفض مستوى التنسيق المدني والأمني، ما سيؤثر على قدرة السلطة الفلسطينية على إدارة شؤونها اليومية.
السيناريو الثالث، وفق نزال، يتمثل في التصعيد الميداني والسياسي المباشر، عبر حملات اعتقال لقيادات في السلطة الفلسطينية بدعوى خرق اتفاقيات أوسلو، وتشديد الحصار على مناطق محددة، خاصة مدينة القدس.
أما السيناريو الرابع بحسب نزال، فهو التدويل، حيث قد تتجه السلطة الفلسطينية إلى تكثيف تحركها في المؤسسات الدولية، بما في ذلك رفع قضايا أمام المحكمة الجنائية الدولية ومحكمة العدل الدولية، سعياً لتعزيز شرعية الدولة الفلسطينية وانتزاع قرارات جديدة من مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة.
ويشير نزال إلى أن هذه السيناريوهات قد تتقاطع مع مخاطر الضم الإسرائيلي، سواء بشكل كامل للضفة الغربية أو جزئي يشمل مناطق "ج" والكتل الاستيطانية الكبرى، إلى جانب توسيع شبكات الطرق الاستيطانية لتقطيع أوصال الضفة، وفرض إدارة مدنية إسرائيلية على تلك المناطق.
لكن نزال يستبعد أن تقدم إسرائيل على الضم الكامل في المدى القريب، خشية من ردود فعل سلبية من المجتمع الدولي قد تزيد من عزلتها وتوتير علاقاتها الخارجية.
خطوة رمزية بالدرجة الأولى
يؤكد أستاذ العلوم السياسية في جامعة بيرزيت، د. سعد نمر، إن أي إعلان من الرئيس محمود عباس عن قيام الدولة الفلسطينية بديلاً عن السلطة الفلسطينية سيكون خطوة رمزية بالدرجة الأولى، مشيرًا إلى أن إعلان الاستقلال الفلسطيني سبق أن جرى عام 1988 في الجزائر، ولم يؤدِّ إلى تغيير جوهري على الأرض. ويوضح نمر أن هذا التحرك قد يأتي في سياق الاجتماع المرتقب للجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر القادم، والذي ستناقش فيه القضية الفلسطينية.
ويبيّن نمر أن مثل هذه الخطوة قد تدفع بعض الدول إلى الاعتراف رسميًا بدولة فلسطين، الأمر الذي يمكن أن يسهم من الناحية السياسية في تعزيز مكانة الفلسطينيين دوليًا.
لكن نمر يشدد على أن الأثر العملي لهذه الخطوة على حياة الفلسطينيين سيكون محدودًا، خاصة في ظل الأوضاع الحالية والحرب المستمرة على قطاع غزة.
الأولوية يجب أن تكون لوقف الحرب
ويؤكد نمر أن الأولوية في المرحلة الراهنة يجب أن تكون لوقف الحرب ورفع الحصار والتجويع عن قطاع غزة، لافتًا إلى أن اعتراف بعض الدول الأوروبية، بما فيها دول مثل بريطانيا وكندا، لم يغيّر شيئًا في واقع "حرب الإبادة" الجارية في غزة، معتبراً أن هذه الاعترافات تشكّل أحيانًا وسيلة لتخفيف الضغط الشعبي على حكومات تلك الدول، أكثر من كونها خطوات فاعلة على الأرض، مشيراً إلى أن خطوة إعلان الدولة كبديل عن السلطة لن توقف الحرب على غزة عمليا.
وحول التداعيات المحتملة لهذا الإعلان على الموقف الإسرائيلي، يوضح نمر أن إسرائيل ستتعامل معه كخطوة عدائية، ولن تعترف به، معتبرةً إياه مساسًا بشرعيتها ومصالحها.
ويرى نمر أن الرد الإسرائيلي قد يشمل تصعيدًا في النشاط الاستيطاني، بل والسير نحو تنفيذ مخطط ضم المستوطنات وفرض السيادة الإسرائيلية عليها، في إطار ما سبق أن أعلنه وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش من خطة لضم نحو 30% من الضفة الغربية في المرحلة الأولى.
ويشير نمر إلى أن تحويل السلطة الفلسطينية إلى دولة، من دون سيادة فعلية أو سيطرة على الأرض، سيبقى ضمن حدود الرمزية السياسية، ولن يؤدي إلى إلغاء السلطة أو إحداث تحول نوعي في البنية الإدارية القائمة.
ويلفت نمر إلى أن أي خطوة من هذا النوع، ما لم تترافق مع تحرك فعلي لإنهاء الاحتلال ووقف العدوان على غزة، ستبقى مجرد إعلان سياسي يفتقر إلى القدرة على تغيير الواقع الميداني أو تحسين حياة الفلسطينيين تحت الاحتلال.
شكوك جدية في إمكانية الإقدام على هذه الخطوة
يحذّر الكاتب والمحلل السياسي طلال عوكل من خطورة اتخاذ قرار إعلان تحول السلطة الفلسطينية إلى الدولة الفلسطينية من طرف واحد، معتبراً أنه من غير المناسب الاستناد إلى مصادر إسرائيلية في شأن قرارات مصيرية بهذا المستوى، دون صدور إعلان فلسطيني صريح يحدد الموقف بشكل واضح.
ويوضح عوكل أن هناك شكوكاً جدية في إمكانية إقدام الرئيس محمود عباس على خطوة كهذه، استناداً فقط إلى الاعترافات الدولية بالدولة الفلسطينية، مشيراً إلى أن الظروف الحالية لم تنضج بعد لصيغة توافقات عربية ودولية ضامنة وداعمة لهذه الخطوة.
ويؤكد عوكل أن معظم الدول الغربية ما زالت ترى أن الطريق نحو تحقيق رؤية الدولتين يجب أن يمر عبر المفاوضات، وليس عبر إجراءات أحادية.
ويشير عوكل إلى أن قراراً بهذا الحجم سيشكل تحدياً مباشراً لإدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وحكومة بنيامين نتنياهو، ما قد يدفع إسرائيل، بدعم أمريكي، إلى الرد بإعلان سيادتها على أجزاء واسعة من الضفة الغربية، كما أن هذا السيناريو يتزامن مع قرار الحكومة الإسرائيلية بشأن ما تسميه "عملية السيطرة على قطاع غزة"، وهو ما يعني في جوهره احتلال القطاع بشكل مباشر.
وبحسب عوكل، فإن حجم ونوع الاعترافات بالدولة الفلسطينية لا يكفيان للإقدام على خطوة بهذا المستوى، لافتاً إلى أنه قبل أيلول الماضي، وصل عدد الدول المعترفة بدولة فلسطين إلى 142 دولة، أي أكثر من ثلثي أعضاء الجمعية العامة للأمم المتحدة، ومع ذلك لم تُنتج هذه الأغلبية قراراً يمنح فلسطين العضوية الكاملة في الأمم المتحدة.
ويؤكد عوكل أن السلطة الفلسطينية أن مثل هذا القرار يتطلب أولاً معالجة أولويات أساسية تتعلق بالوضع الفلسطيني الداخلي وتوحيد الموقف الوطني قبل أي تحرك سياسي كبير.
محطة تاريخية ينبغي استثمارها سياسيًا وقانونيًا
يؤكد الكاتب والمحلل السياسي داود كُتَّاب أن وصول عدد الدول التي تعترف بدولة فلسطين إلى 155 دولة، بالتزامن مع انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة، يمثل محطة تاريخية ينبغي استثمارها سياسيًا وقانونيًا لترسيخ الدولة الفلسطينية على حدود عام 1967.
ويوضح كُتَّاب أن هذه النسبة تمثل نحو 80% من أعضاء الأمم المتحدة، بما في ذلك 80% من الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن، وهو ما يعكس إجماعًا دوليًا واسعًا على شرعية الحق الفلسطيني في الدولة.
ويشير كُتَّاب إلى أن هذا الزخم العالمي يجب أن يُترجم إلى تغيير جوهري في التعامل مع فلسطين على الأرض، عبر الانتقال من إطار "السلطة الوطنية الفلسطينية" التي تدير الأراضي المحتلة، إلى إطار "دولة فلسطين" تمارس سيادتها.
ويشدد كُتَّاب على أن الخطوة العملية لتجسيد هذا التحول تبدأ بإجراء انتخابات تشريعية ورئاسية، بما يرسخ ديمقراطية الدولة الوليدة، ويمنحها الشرعية الكاملة للتفاوض مع إسرائيل كدولة لدولة، في إطار رؤية حل الدولتين المعتمدة عالميًا.
وحول رد الفعل الإسرائيلي المحتمل، يعتبر كُتَّاب أن أي إجراءات إسرائيلية مضادة، بما في ذلك ضم أجزاء من أراضي الدولة الفلسطينية، لن تغيّر من الواقع القانوني والسياسي الذي يفرضه الاعتراف الدولي الواسع.
ويقول كُتَّاب: "من المستحيل أن يكون الوضع الفلسطيني أسوأ مما هو عليه الآن، كما أن 80% من دول العالم لن تقبل بإجراءات الضم ولن تتعامل معها، بل من المرجح أن تفرض مقاطعة على أي مستوطنين غير قانونيين أو على بضائعهم على الأقل".
ويؤكد كُتَّاب أن هذه اللحظة التاريخية تمثل فرصة حقيقية للفلسطينيين لتثبيت مكانتهم كدولة ذات سيادة، شرط استثمار الاعتراف الدولي بشكل مدروس، وربطه بخطوات عملية تضمن ترجمة هذا الاعتراف إلى واقع ملموس على الأرض.





شارك برأيك
تحويل السلطة إلى دولة: تثبيت الحق.. وتحديات الواقع