عصام مخول: نتنياهو يستخدم التصعيد أداة ضغط تفاوضي ووسيلة لتحقيق مكاسب سياسية داخلية وإسكات الرأي العام الإسرائيلي
د. مخيمر أبو سعدة: نتنياهو يسعى للبقاء في السلطة والفوز في الانتخابات المقبلة ومقتل المحتجزين قد يهدد مستقبله السياسي
عصمت منصور: نتنياهو ماضٍ في الطريق الذي عبّده لاحتلال ما تبقى من القطاع وبخاصة مدينة غزة
مصطفى إبراهيم: ما يُخطَّط له هو تهجير جماعي وتصفية الكيان الفلسطيني والمنطقة ستكون أمام كارثة كبرى.
د. عدنان أفندي: احتلال القطاع سيفتح الباب أمام سيناريوهات مأساوية، لكن لا تزال هناك خيارات يمكن الدفع بها لحقن الدماء
د. عبد ربه العنزي: في حال تم احتلال غزة بشكل كامل لن يتم تحقيق أهداف الحرب التي يدعي نتنياهو أنه يسعى من أجل تحقيقها
في لحظة سياسية حرجة يعيشها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، يتجه نحو خيار احتلال كامل لقطاع غزة، ليس فقط كخطة عسكرية، بل كمخرج من أزماته الداخلية المتراكمة، وسط انقسامات حادة في صفوف الحكومة، وتراجع ثقة الرأي العام الإسرائيلي.
ويسعى نتنياهو إلى إعادة ضبط المشهد السياسي عبر تصعيد عسكري شامل، يقدّمه لجمهوره كإنجاز استراتيجي يرمم صورته سياسياً ويعيد تماسك الائتلاف الحاكم، رغم تحذيرات قيادات عسكرية وأمنية من خطورة الاحتلال الكامل للقطاع.
احتلال قطاع غزة بشكل كامل يرى فيه محللون سياسيون أنه يمنح نتنياهو فرصة للظهور بمظهر القائد الحاسم أمام معارضيه، وتفعيل أدوات الضغط على الجيش والوزارات، وتبدو مغامرة نتنياهو العسكرية رهانه الأخير لترميم حكومته.
انقسام كبير في المجتمع الإسرائيلي
أكد المختص بالشان الإسرائيلي عصام مخول، من مركز تقدم للسياسات، أن نتنياهو لن يستطيع تجاوز موقف رئيس الأركان زامير، خاصة فيما يتعلق بالإبقاء على قوات تطوق وتحاصر غزة بشكل ثابت، على الأقل في هذه المرحلة، مع تنفيذ عمليات محدودة وليس احتلالا شاملًا من الناحية الميدانية، رغم السيطرة الأمنية الكاملة على القطاع.
وأشار إلى أنه لا يزال هناك احتمال ضئيل نسبيًا أن يقامر نتنياهو بكل شيء بسبب وضعه السياسي المهتز، لكن هناك بعض المؤشرات تشير إلى عكس ذلك، مثل عودة أرييه درعي، رئيس حزب شاس، بشكل مستعجل من سويسرا للمشاركة في اجتماع الكابينيت، رغم أنه ليس وزيراً وحزبه انسحب مؤقتاً من الحكومة. ومع ذلك، يشارك لأن نتنياهو معني جدا بصوته الذي يمنحه صدقية داخلية.
وتابع مخول: إن موقف وزير الخارجية جدعون ساعر الذي يؤيد موقف رئيس الأركان بشأن الصفقة ويعارض الحرب المفتوحة، والحريديم عموما ضد الحرب أيضًا.
وأوضح أن هناك تصريحاً لافتاً من نفتالي بينيت قبل يوم واحد في صحيفة "إسرائيل اليوم"، أشار فيه بعد عودته من زيارة إلى واشنطن استمرت قرابة أسبوعين، إلى أن الإدارة الأميركية باتت تقبله بشكل واسع، لا سيما من قبل ممولي ترامب، مثل ماريا ميدلسون، التي تفضله بين مرشحي رئاسة الحكومة. وقد لمح إلى إمكانية انقلاب ترامب على نتنياهو قريباً، ما قد يغير الأمور أميركيًا، لأن التحول لا يمكن أن يتم من الجانب الإسرائيلي فقط.
ووصف مخول زيارة ويتكوف، التي علق عليها الكثيرون آمالًا بشأن الصفقة وإنهاء الحرب، بأنها كانت مخيبة للآمال، أعطت نتنياهو فرصة للعودة إلى خطاب التصعيد، خاصة بعد التحول الأميركي نحو فكرة الصفقة الشاملة دفعة واحدة، والتي أصبحت الموقف الإسرائيلي الرسمي بعد أن تبناها نتنياهو. لكن مثل هذه الصفقة تحتاج إلى أشهر وليست مسألة أيام.
ويرى مخول أن هناك ضغوطًا إسرائيلية على الولايات المتحدة، في ظل موقف الوسيطين المصري والقطري، اللذين أكدا أن الصفقة كانت ناضجة أو شبه ناضجة، ما يطرح تساؤلات عن سبب انسحاب إسرائيل، ويضغط باتجاه أن التصعيد كان يمكن تفاديه.
ويعتقد مخول أن الواقع الداخلي في إسرائيل لا يوحي بإمكانية الذهاب إلى حرب تهدف إلى "تيئيس" الفلسطينيين، فهناك انقسام كبير في المجتمع الإسرائيلي وخوف من حجم الخسائر البشرية، خاصة مع شعور الجيش الإسرائيلي بأنه مستنزف نفسيًا وميدانيًا، ويعاني من نقص في الجهوزية والتدريب. لذا، من الصعب توقع اندفاعة عسكرية جديدة أكثر وحشية في الأيام القريبة، لأنها تتطلب تعبئة غير مألوفة تصل إلى مئة ألف جندي، إضافة إلى التحديات الاقتصادية والمعنوية والبشرية.
ورجح أن نتنياهو سيستخدم التصعيد كأداة ضغط تفاوضي، ووسيلة لتحقيق مكاسب سياسية داخلية، وإسكات الرأي العام الإسرائيلي إذا لم يكن القرار واضحًا.
وقال لذلك، بدأ نتنياهو يتحدث عن إعادة إعمار غزة، لكن ضمن شروط صارمة، أبرزها نزع سلاح حماس وخضوعها للمطالب الإسرائيلية. وهذا قد يؤدي إلى دفع سكان غزة إلى الهجرة طوعًا، إن لم يكن قسرًا، لأن الواقع في القطاع لم يعد قابلًا للحياة حتى لو توقفت الحرب من طرف واحد.
الاحتلال الكامل للقطاع قد يكون مكلفاً جداً لإسرائيل
وأكد أستاذ العلوم السياسية في جامعة الأزهر بغرة د. مخيمر أبو سعدة أن هناك سيناريوهين أمام الكابينيت الإسرائيلي: الأول هو احتلال قطاع غزة بالكامل، وهي وجهة النظر التي يدعمها اليمين المتطرف في إسرائيل، ممثلًا بسموتريتش وبن غفير.
وأضاف أما السيناريو الثاني، فيدعمه رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، إيال زامير، ويتمثل في تطويق مدينة غزة والمنطقة الوسطى من القطاع وحصارها.
وتابع أبو سعدة: "إن الاحتلال الكامل للقطاع، نظرًا لمجموعة من الأسباب، قد يكون مكلفا جدًا لإسرائيل. ولا أعتقد أن نتنياهو يرغب في الذهاب إلى هذا السيناريو، رغم أنه قادر على تنفيذه بإعطاء الأوامر لرئيس الأركان".
وأوضح أن هذا الخيار يحمل تبعات قانونية وسياسية ومالية جسيمة، أبرزها أن الاحتلال الكامل يتطلب خمس أو ست فرق عسكرية إسرائيلية للسيطرة على القطاع، وهو ما يشكل عبئاً مالياً ضخماً.
وأضاف: ثانيًا، هناك تخوف حقيقي من أن يؤدي هذا الخيار إلى مقتل ما تبقى من الرهائن والمختطفين الإسرائيليين، الذين يُقدّر عددهم بحوالي عشرين شخصا.
وتابع أبو سعدة: ثالثًا: الاحتلال الكامل سيرتب التزامات قانونية على إسرائيل بموجب اتفاقية جنيف الرابعة، ما يجعلها مسؤولة عن أكثر من مليوني نسمة في قطاع غزة، من حيث التعليم والصحة والخدمات والبنية التحتية وسائر متطلبات الحياة اليومية.
وقال د. أبو سعدة: "لهذه الأسباب، لا أعتقد أن هذا السيناريو يمكن أن يمر بسهولة. وأرجح أن يتجه نتنياهو إلى السيناريو الثاني، الذي يحظى بتأييد رئيس الأركان، ويتمثل في حصار مدينة غزة وتطويق القطاع بالكامل بهدف الضغط على حركة حماس لتقديم تنازلات في ملف الرهائن".
وتابع أيضاً: "السيناريو الثاني يبدو أنه يحظى بإجماع نسبي في الرأي العام الإسرائيلي، بما في ذلك المعارضة والجيش".
وقال: "سننتظر ونرى، ولكن كما قلت، سيناريو الاحتلال الكامل له تبعات سياسية وقانونية ومالية. ولا أعتقد أن نتنياهو أو إسرائيل يرغبان في خوض هذه المغامرة حاليًا".
وخلص أبو سعدة إلى القول: " إذا ذهبت إسرائيل إلى السيناريو الأول، أي الاحتلال الكامل، فإن ذلك قد يؤدي إلى مقتل من تبقى من المحتجزين، وهو ما لا يريده نتنياهو حتمًا. فهدفه الأساسي الآن هو البقاء في السلطة، والفوز في الانتخابات المقبلة. ومقتل المحتجزين لن يساعده في إعادة انتخاب حزب الليكود، بل قد يهدد مستقبله السياسي".
ضوء أخضر أمريكي
ويعتقد الصحفي المختص بالشان الاسرائيلي عصمت منصور أن السيناريوهات المطروحة لن تخرج عن التوقعات المعروفة، إذ إن نتنياهو ماضٍ في الطريق الذي عبّده لاحتلال ما تبقى من قطاع غزة، وبخاصة مدينة غزة.
وقال لقد حصل نتنياهو على ضوء أخضر أمريكي، وغطاء إنساني من خلال زيادة المساعدات، ما يوفر له دعما سياسيا وإنسانيا في وجه المعارضين، سواء في الداخل الإسرائيلي أو على الساحة الدولية. فعندما يكون الدعم الأمريكي حاضرا، فإن الانتقادات الأوروبية تفقد فعاليتها.
هذا الغطاء يمنحه نوعًا من الحصانة، خصوصًا أنه يحظى بأغلبية واضحة في الكنيست، في حين أن الجيش ليس جهة صاحبة قرار، بل هو يطرح السيناريوهات ويقدم تقديرات للمخاطر والتداعيات، لكن المسؤولية النهائية تقع على المستوى السياسي.
ويرى منصور أن نتنياهو قد حسم أمره في هذا الموضوع، وهو على تنسيق كامل مع الإدارة الأمريكية.
واكد ان ما يُقدم إعلاميا على أنه "خطة بديلة" للجيش، فليس دقيقا، إذ إنها ليست بديلة بل مختلفة في الشكل فقط، لكنها تقود إلى المسار ذاته: التقدم التدريجي بكثافة نيران أعلى، وفرض حصار مشدد دون اقتحام مباشر وفوري. لكنها في النهاية تهدف إلى النتيجة نفسها، وهي احتلال القطاع بالكامل، ما لم يحصل تطور إيجابي في المفاوضات.
لا خيار للتراجع إلا مقابل ثمن
وأشار منصور إلى أن السيناريو الأكثر ترجيحاً هو إقرار هذه الخطة، رغم احتمال أن يطلب الجيش مهلة إضافية لإعداد خطة تفصيلية أكثر، وهو احتمال وارد لكنه غير مرجح كثيرًا. ولا يبدو أن هناك خياراً للتراجع، إلا إذا حصل نتنياهو على ثمن سياسي لهذا التراجع، كأن يحقق صورة انتصار أو مكسباً ميدانياً في غزة، أو إنجازاً سياسياً في الإقليم أو على مستوى العلاقة مع الولايات المتحدة.
وبخصوص المعارضة داخل المجتمع الإسرائيلي، خاصة من عائلات المحتجزين، قال منصور: إن موقفها ليس نابعاً من رفض مبدأ الحرب، بل من الخوف على حياة الأسرى، وعلى الثمن البشري الذي قد يُدفع، فضلاً عن القلق من التورط في إدارة غزة أمنيا ومدنيا بالكامل.
وأكد الصحفي منصور أنه مع الاحتلال الكامل، ستكون إسرائيل هي الحاكم الوحيد، ما يفتح الباب أمام تساؤلات خطيرة بشأن مصير سكان القطاع، ومخاطر التهجير، خصوصا أن نحو 900 ألف فلسطيني يعيشون في مدينة غزة ومحيطها، ولا يبدو أن هذه الأبعاد الإنسانية حاضرة في حسابات الأطراف التي تروج لهذه الخطط، سواء في إسرائيل أو في بعض دوائر المجتمع الدولي.
الأمور لا تزال حقيقية حتى الآن
بدوره قال الكاتب والمحلل السياسي مصطفى إبراهيم: إن الأمور لا تزال حقيقية حتى الآن، على الرغم من محاولات بعض المحللين الترويج لفكرة أن ما يحدث هو مجرد ضغط على حركة حماس من أجل دفعها للاستسلام أو تقديم تنازلات أكبر.
وأضاف: إن ما حدث بعد رفض حماس للمقترح، الذي أعلنت عنه الإدارة الأمريكية عبر المبعوث وودك، وفاجأ أيضاً الوسطاء المصريين والقطريين، يؤكد وجود خطة إسرائيلية يسعى نتنياهو من خلالها إلى استكمال مشروعه.
وأشار إبراهيم إلى أن نتنياهو أوهم الرأي العام خلال فترة عطلة الكنيسيت بأن هناك تهدئة محتملة لستين يوماً، لكنه تمسك بموقفه الرافض لأي ضمانات للعودة دون وقف شامل لإطلاق النار. ثم فجأة، طرح ما سماه الصفقة الشاملة، والتي تتضمن الإفراج عن جميع الأسرى، سواء الأحياء أو الشهداء المحتجزة جثامينهم.
التصريحات أصبحت أكثر جرأة
وأوضح أن التصريحات أصبحت أكثر جرأة، حتى من جانب الإدارة الأمريكية. فقد دعا وزير الخارجية الأمريكي السابق ماركو روبيو عبر قناة فوكس نيوز إلى نزع سلاح حماس وتفكيكها كشرط لتحقيق السلام في المنطقة، وهو ما يتقاطع مع الرؤية الإسرائيلية.
وتابع: إن الخلاف الظاهر بين الحكومة الإسرائيلية، وخاصة بين نتنياهو ورئيس الاركان زامير يتمحور حول مفهوم الاحتلال الكامل لقطاع غزة: هل يشمل مدينة غزة فقط؟ أم شمالها؟ أم المنطقة الوسطى التي تضم النصيرات والبريج والمغازي ودير البلح؟ علماً بأن إسرائيل تزعم أن الأسرى الإسرائيليين محتجزون في هذه المناطق، التي لم تُستهدف بشكل عسكري شامل حتى الآن.
خطة قديمة جديدة لدى زامير
وأشار إلى أن هناك خطة قديمة جديدة لدى زامير، تتعلق بتطويق هذه المناطق بدعم من فرقة عسكرية كبيرة، وقد سبق الحديث عنها في إطار خطة "عربات جدعون"، وتمت مناقشتها مع هيئة الأركان منذ بدايات الحرب.
وأكد إبراهيم أنه "رغم الحديث عن إنهاك الجيش والحاجة إلى موارد وخطر مقتل الرهائن، فإن هذه التحذيرات لم توقف إسرائيل من مواصلة حرب الإبادة، كما حدث في رفح في مايو الماضي، عندما أعلنت الإدارة الأمريكية أن رفح خط أحمر، إلا أن نتنياهو تجاوز الجميع، حتى المؤسسة العسكرية والدولية، وأصر على دخول المدينة".
وأكد الكاتب ابراهيم أن اجتماع المجلس الوزاري المصغر سيحسم المسار القادم، حيث يتمتع نتنياهو بأغلبية سواء في الكابينيت أو المجلس الوزاري الموسع. وربما تؤيد بعض الشخصيات خطة زامير، مثل وزير الخارجية جدعون ساعر، والعضو المراقب أريئيل درعي، ورئيس الأمن القومي تساحي هنغبي، لكن الأغلبية قد تميل لصالح نتنياهو، خاصة مع دعم درعي المعروف بولائه له.
وأضاف: إن السيناريو المقترح قد يتمثل في قبول خطة زامير جزئياً، كمرحلة أولى، على أن يتم لاحقاً التوسع نحو احتلال مدينة غزة والمنطقة الوسطى، وربما كامل القطاع.
وأشار إلى الانتقادات الإسرائيلية، سواء من المعارضة أو الصحافة، التي ترى أن هذا الخيار مكلف جداً، سواء من حيث أعداد القتلى من الجنود أو المعتقلين، أو من حيث الكلفة المترتبة على إدارة حياة مليوني فلسطيني في غزة اقتصادياً وصحياً وتعليمياً.
معظم مناطق القطاع مدمّرة وتخضع لسيطرة جيش الاحتلال
ولفت إبراهيم إلى أن معظم مناطق القطاع مدمّرة وتخضع لسيطرة الجيش الإسرائيلي، مثل شمال غزة وشرقها ورفح وخان يونس بنسبة كبيرة، ولم يتبق سوى مدينة غزة والمنطقة الوسطى، حيث يقطن أكثر من مليون ومئة ألف فلسطيني، إضافة إلى النازحين من الشمال.
وأكد أن جميع السيناريوهات المطروحة خطيرة، وعلى حماس أن تتعامل معها بجدية، لأن المسألة لم تعد تتعلق فقط بالإفراج عن الرهائن، بل تتعلق بضرب الهوية الوطنية والكيانية الفلسطينية.
وأكد أن أهداف خطة التهجير التي تحدث عنها دونالد ترامب يجري تنفيذها اليوم بأدوات إسرائيلية. فما يُسمى "الريفييرا" يطرح على الطاولة، وهناك حديث عن هجرة طوعية، لكن عندما يُجرى فتح مراكز مساعدات إنسانية فقط في جنوب القطاع، فذلك يعني عملياً دفع سكان شمال ووسط غزة للنزوح قسراً إلى الجنوب.
وشدد الكاتب إبراهيم في ختام حديثه على أن المطلوب من حماس اليوم هو التقاط هذه اللحظة والتعامل معها بأقصى درجات المسؤولية، لأن ما يُخطط له هو تهجير جماعي وتصفية الكيان الفلسطيني، وإذا ما تم تنفيذ هذا السيناريو، فإن المنطقة ستكون أمام كارثة كبرى.
تحول خطير ومفصلي
وقال المحلل المختص بالشان الاسرائيلي د. عدنان أفندي: إن اجتماع الكابينيت الإسرائيلي للتصويت على احتلال كامل قطاع غزة يمثل تحوّلًا خطيرًا ومفصليًا في مسار العدوان المستمر.
واشار الى ان هذا القرار سيفتح الباب أمام عدة سيناريوهات مأساوية، لكن لا تزال هناك خيارات ومسارات يمكن الدفع بها لحقن الدماء وتفادي كارثة أكبر.
وأكد أفندي أن من السيناريوهات المتوقعة في حال قرر الاحتلال تنفيذ اجتياح كامل لغزة الاجتياح البري الشامل من الشمال والجنوب، والسيطرة العسكرية على كامل القطاع بما يشمل مناطق رفح ووسط غزة، وتصفية ما تبقى من المقاومة، وإعادة فرض إدارة عسكرية إسرائيلية مباشرة أو عبر وكلاء محليين أو جهات دولية. وتوقع في هذا السيناريو أن تكون هناك إبادة واسعة للمدنيين، خصوصًا في مناطق الاكتظاظ، وتهجير جديد لعشرات الآلاف إلى سيناء أو الداخل، وانهيار تام للمنظومة الإنسانية والبنية التحتية المتبقية.
والسيناريو الثاني وفق افندي أن يتم تقسيم القطاع إلى مربعات أمنية وفرض سيطرة تدريجية، وكل مربع يخضع لتطهير ثم تعقيم ثم إدارة أمنية مؤقتة، وفرض معازل بشرية وجغرافية بين السكان.
استمرار الموت البطيء
وقال: من مخرجات هذا السيناريو استمرار الموت البطيء من الجوع، العطش، وانعدام الرعاية، واحتجاز جماعي لمدنيين في "مناطق آمنة" وهمية، واستمرار القصف مع سيطرة جزئية على الأرض.
أما السيناريو الثالث المحتمل أن يتم تصفية المقاومة ثم تسليم القطاع لإدارة انتقالية برعاية دولية، وهذا قد يكون الوجه السياسي لاحتلال طويل الأمد، وممكن دخول قوات عربية أو قوات أممية كغطاء مؤقت، وستكون نتائج هذا السيناريو استمرار سيطرة الاحتلال من وراء الكواليس، وتصفية فصائل المقاومة، وتحويل القطاع إلى نموذج ضفة منزوعة السلاح.
أما الخيارات الممكنة لحقن الدماء وإنقاذ من تبقى من المجوعين، فهي حسب أفندي: وقف فوري لإطلاق النار برعاية دولية، والقيام بضغط مصري-قطري-أوروبي مشترك لفرض وقف عدوان، والضغط نحو هدنة لفتح المعابر فورًا لدخول الغذاء والدواء، لافتاً إلى هذا الخيار يصبح أكثر واقعية كلما اقترب الاحتلال من خط اللاعودة وواجه مقاومة عنيدة.
وأشار إلى أن هناك خياراً آخر يتمثل في نشر قوات حماية إنسانية أممية في جنوب غزة ليس كقوات قتالية، بل كـ"ممرات إنسانية مؤمنة" دورها تأمين المساعدات وضمان حماية المستشفيات ومخيمات النزوح، وقد يحتاج هذا الخيار قرارًا من مجلس الأمن أو تفاهمًا ثلاثيًا بين مصر والأمم المتحدة والاحتلال.
والخيار الثالث بحسب أفندي هو إعلان القطاع منطقة منكوبة دوليًا حيث يسمح بتدخل دولي إنساني عاجل حتى دون موافقة الاحتلال. ويدفع نحو إقامة جسر جوي وبحري لنقل الغذاء والدواء، وهذا الخيار يتطلب حملة دبلوماسية قوية وموحدة من الدول العربية والإسلامية.
والخيار الأخير هو في استمرار الضغط الشعبي والدولي المكثف واستمرار التظاهرات في أوروبا وأمريكا بحيث يحرج الحكومات ويمنع الدعم المطلق للاحتلال، ويمكن أن يدفع نحو تجميد التصعيد أو منع الاجتياح.
وقال: من الوارد أن تقدم السلطة الفلسطينية خطة لإدارة مدنية للقطاع تحول دون الاحتلال الكامل، إذا توفرت النية.
ويرى أفندي أن الاحتلال الكامل للقطاع يعني مجزرة تاريخية ومجاعة كارثية، وسيفتح على المنطقة باب فوضى لا يمكن احتواؤها.
وأضاف: لكن لا تزال هناك نوافذ لردع الاجتياح وحقن الدماء، شرط أن تتحرك الدبلوماسية العربية والإسلامية بجدية. وتعاظم دور الشارع العالمي بضغط منظم، كما أن الفلسطينيين مطالبون أنفسهم بوحدة موقف تنقذ ما تبقى من غزة.
متطلبات الاحتلال وعواقبه
من جهته، قال د. عبد ربه العنزي، رئيس قسم العلوم السياسية بجامعة الأزهر في غزة، حسب ما رشح من تصريحات في وسائل إعلام عبرية عن قادة في جيش الاحتلال، فإن تنفيذ ذلك سيتطلب تشكيل إدارة عسكرية تدير شؤون سكان غزة في جميع نواحي الحياة، وسيتم ترحيل على الأقل مليون فلسطيني من وسط قطاع غزة إلى مناطق الجنوب في غزة، وذلك حتى يستطيع الجيش السيطرة على مناطق وسط غزة ومدينة غزة، وحسب خبراء عسكريين وقادة في جيش الاحتلال فإن قرار احتلال غزة بالكامل يحتاج أيضاً أن يشمل تفصيل في تحديد الميزانيات التي سيحتاجها الجيش ومصادرها وخطة كاملة تتعلق بتحديد مدة خدمة الاحتياط وأيضا الجيش النظامي.
ويعتقد د. العنزي أنه في حال احتل جيش الاحتلال قطاع غزة بشكل كامل سيحتاج الجيش للبقاء الدائم في غزة، وهذا يتطلب إقامة دوائر خدمات تشبه الإدارة المدنية، وهذا سيكلف الجيش الكثير من الأوقات والكثير من القوى البشرية والخبراء في مجال الخدمات، وأيضاً سيكلف الجيش خسائر بشرية، سواء بالقتل او الإصابة نتيجة لتواجده الدائم في معظم مناطق قطاع غزة .
وأضاف: إن خيار احتلال قطاع غزة بالكامل حسب الجيش ورئيس أركانه لن يحقق أهداف الحرب التي وضعها الكابينيت، وهي القضاء على المقاومة وإعادة الاسرى الإسرائيليين من أيدي المقاومة، وهذا كان واضحاً في موقف قادة الجيش ورؤساء الأركان منذ بداية الحرب على غزة.
وأكد العنزي أن سيناريو احتلال كامل غزة قرار سياسي في دولة الاحتلال، ولذلك فإن الجيش سينفذ ما يقرره المستوى السياسي على الرغم من معارضة الجيش لاحتلال كامل غزة.
وقال: في حال تم احتلال غزة بشكل كامل لن يتم تحقيق أهداف الحرب التي يدعي نتنياهو أنه يسعى من أجل تحقيقها، لأنه حسب التقارير العبرية فقط 25% من مناطق قطاع غزة لم يدخلها الجيش، وهذا عملياً يعني أن غزة أصلاً محتلة بشكل شبه كامل، ورغم ذلك لم يستطيع جيش الاحتلال تحقيق الأهداف التي يتحدث عليها نتنياهو، لذلك لن يغير احتلال غزة بشكل كامل في المعادلة الموجودة، وأعتقد لن يؤثر على المقاومة وقدراتها الحالية ومواصلة احتفاظها بالاسرى ومواصلة مقاومتها وهذا السيناريو الأكثر احتمالاً.
ويرى د. العنزي أن إعلان نتنياهو عن احتلال قطاع غزة قد يكون نوعاً من الضغط على المقاومة للقبول بالشروط الإسرائيلية والأمريكية في الاتفاق الأخير والرضوخ لها، لأنه حسب صحيفة هآرتس فإنه على الرغم من أن ديوان نتنياهو أعلن أنه تم اتخاذ القرار المبدئي بالمضي نحو احتلال قطاع غزة فإن محللين قالوا إن نتنياهو لم يحسم الأمر بعد فيما يتعلق بقرار احتلال غزة بالكامل.





شارك برأيك
احتلال غزة.. المعركة الأخيرة لإنقاذ نتنياهو