فلسطين

الإثنين 04 أغسطس 2025 1:31 مساءً - بتوقيت القدس

حول الصراع.. وفلسطين

يؤكد التاريخ أن الصراع بين العدالة والطغيان هو واقع دائم لا مفر منه، وأن استمرار مسار العدالة والتحرر يظل قادراً على إحداث تغييرات جذرية رغم محاولات الطغاة والمستبدين لإخماده. فكلما بدا أن قوى الظلم تسيطر وتحقق انتصارات، تظهر من جديد قوى الحق والعدل لتعيد المبادرة وتثير حركة حضارية نوعية تضمن استمرارية الحياة الإنسانية وقيمتها.

تثير هذه الظاهرة أسئلة عميقة حول كيفية تشكيل تيار العدل والحرية لقوة الدفع هذه، وهل يمكن تفسيرها علمياً أو معرفياً، خاصة في ظل الفارق الكبير في الإمكانيات بين قوى الظلم وقوى المقاومة. فبالرغم من تفوق قوى الهيمنة في القوة المادية، إلا أن التاريخ يُظهر أن هذه القوى لا تدوم، وأن قوى الحق والصمود تتجاوزها في النهاية، وتنهار أنظمتها المستبدة رغم كل وسائل القوة التي تمتلكها.

الكتب السماوية تؤكد أن سنة الله في عباده أن الحق ينتصر رغم فارق القوة، وأن صمود أهل الحق وثباتهم هو العامل الحاسم في إحداث التغيير. فالمشروعية والعدالة، إلى جانب القوة والإعداد، تشكل عناصر أساسية في بناء معركة مستمرة ضد الظلم، وتؤدي في النهاية إلى مفاجآت كبرى تخلخل موازين القوى وتعيد رسم معادلة الصراع.

وفي سياق التحليل السياسي، تتغير النظريات التقليدية، خاصة المدرسة الواقعية، التي لم تعد قادرة على تفسير التحولات الكبرى مثل صمود إيران، وتقدم قوى المقاومة، وفشل إسرائيل في حسم معركة غزة رغم تفوقها العسكري. فالنظرية البنيوية والنظريات الحديثة أدخلت عناصر جديدة مثل الفكرة، والخطاب، والهويات، والثقافة، التي تلعب دوراً محورياً في تشكيل موازين القوى وتحليل الصراعات المعاصرة.

تؤكد هذه النظريات أن التحول في الرأي العام العالمي، ورفض المجتمع الدولي للأعمال الإسرائيلية الإجرامية، يعكس تغيراً في معايير القوة والمشروعية، حيث لم تعد القوة المادية وحدها كافية لتحديد نتائج الصراعات. فالمجتمع الدولي اليوم يميز بين الحق والباطل، ويعطي أهمية للهوية، والثقافة، والمعايير الأخلاقية، وهو ما ينعكس على مجريات الأحداث في فلسطين وشرق الأوسط بشكل عام.

إسرائيل، التي كانت تعتبر ذات شرعية مطلقة، تواجه اليوم تراجعاً في شرعيتها، حيث تتصاعد موجات المقاطعة والرفض الدولي، وتزداد حالة التشظي داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه، مع تراجع التأييد العالمي، وتدهور صورتها، وهو ما يعكس أن موازين القوى ليست ثابتة، وأنها قابلة للتغيير بناءً على عوامل غير مادية، مثل الوعي الجمعي، والعدالة، والمقاومة.

وفي النهاية، يرى من يتبنى المدرسة الواقعية أن إسرائيل قد تكون رابحة على المدى القصير، لكن من منظور البنيوية والبنائية، فإنها تتجه نحو الخسارة، خاصة إذا استمرت قوى المقاومة في التمسك بحقها، وتوظيف عناصر القوة المعنوية والثقافية، التي تشكل جوهر الصراع الحقيقي. فالفكرة، والحق، والعدالة، هي عناصر لا يمكن قهرها، وهي التي تضمن استمرار حركة المقاومة وتحقيق النصر في النهاية.

وفي سياق فلسطين، فإن صمود الشعب الفلسطيني، وتمسكه بحقوقه، وتضحياته، يعكس أن معركة الحق والعدل ليست مجرد صراع مادي، بل هي معركة فكرية وقيمية، تتعلق بالهوية، والكرامة، والعدالة. فالمقاومة الفلسطينية، رغم ضعف الإمكانيات، تستمد قوتها من إيمانها بعدالة قضيتها، ومن دعم الشعوب الحرة، وهو ما يهدد مشروع الاحتلال ويقوض شرعيته يوماً بعد يوم.

دلالات

شارك برأيك

حول الصراع.. وفلسطين

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.