د. رائد أبو بدوية: النهج الأمريكي الحالي لا يخرج عن كونه "إدارة إعلامية للأزمة" هدفها الرئيسي حماية إسرائيل من الانكشاف الأخلاقي والدبلوماسي أمام العالم
خليل شاهين: ترمب لا يزال يتمسك بمخطط "ريفييرا غزة" الذي يقوم على التهجير ويسعى إلى امتصاص الغضب العالمي من خلال مشهد تفاوضي شكلي
د. تمارا حداد: تحركات تهدف لإعادة هيكلة القطاع وتثبيت الحكم العسكري الإسرائيلي وتخيير السكان بين البقاء أو المغادرة تمهيداً لـ"ريفييرا الشرق الأوسط"
عوني المشني: لم يبقَ أمام ترمب سوى مسار واحد هو وقف الحرب على غزة بعد استنفاد كافة الأدوات والأساليب من إبادة جماعية وتجويع ومؤامرات تفاوضية
د. محمد الطماوي: ترمب لا يتبنى مسار التهدئة بشكل واضح ويعتمد "استراتيجية التبريد المحسوب" لإدارة الأزمة بطريقة لا تُغضب إسرائيل ولا تُحرج واشنطن دولياً
داود كُتَّاب: الضغوط الإعلامية والصور المروعة القادمة من غزة والسياق الانتخابي قد تدفع ترمب لدعم مقاربة تُخفف من حدة المواجهة بهدف تحسين صورة أمريكا
في خضم الأزمة المستمرة في قطاع غزة، يروج الرئيس الأمريكي دونالد ترمب ما أسماه"نهجاً جديداً" للتعامل مع الوضع في القطاع، إلا أن هذا التوجه، بحسب خبراء ومراقبين، لا يعكس تحولاً حقيقياً في السياسة الأمريكية، بل يشكل واجهة إعلامية تهدف إلى تجميل الموقف الأمريكي وتوفير غطاء إنساني لاستمرار الحرب.
وبحسب كتاب ومحللين ومختصين وأساتذة جامعات في أحاديث منفصلة مع "ے"، فإن تلك التصريحات تأتي وسط التحذيرات الدولية من مجاعة وشيكة، حيث تتبنى واشنطن خطاباً إنسانياً لا يرتكز على وقف إطلاق النار أو رفع الحصار، بل يركّز على مقايضة الطعام بالمحتجزين الإسرائيليين المحتجزين في غزة.
هذا النهج، كما يشير الكتاب والمحللون والمختصون وأساتذة الجامعات، يعكس سياسة مزدوجة تتأرجح بين إدارة الضغوط الدولية المتصاعدة على إسرائيل، وبين توفير غطاء لمخططات أوسع ترتبط بإعادة تشكيل الواقع الديموغرافي والسياسي في غزة، إذ تُوظف المساعدات الغذائية كأداة ضغط تُربط بتوفير "الأمان الغذائي" في مناطق معينة دون غيرها، ما قد يشجع على النزوح الداخلي ويُمهّد لـ"التهجير القسري" ضمن رؤية استراتيجية بعيدة المدى.
في العمق، يرى الكتاب والمحللون والمختصون وأساتذة الجامعات أن المقاربة الأمريكية، رغم تغليفها بشعارات إنسانية، لا تنفصل عن مشروع سياسي أشمل يهدف إلى إعادة هندسة قطاع غزة، سواء من خلال الضغط الاقتصادي والإنساني، أو عبر خطوات ميدانية إسرائيلية مدعومة ضمنياً من واشنطن.
وبينما يروج الخطاب الأمريكي لـ"حلول إنسانية"، يؤكد الكتاب والمحللون والمختصون وأساتذة الجامعات أن هذا الطرح يغيب عنه أي التزام واضح بوقف العدوان أو ضمان الحقوق الفلسطينية، ما يثير تساؤلات جوهرية حول حقيقة "النهج الجديد" وما إذا كان مقدمة لصيغة تصفية سياسية لقضية قطاع غزة.
مناورة سياسية تهدف لتجميل الموقف الأمريكي
يعتبر أستاذ القانون الدولي والعلاقات الدولية في الجامعة العربية الأمريكية د.رائد أبو بدوية أن إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترمب عن "نهج جديد للتعامل مع غزة" لا يعكس تحولاً حقيقياً في السياسة الأمريكية، بل يمثل "مناورة سياسية تهدف لتجميل الموقف الأمريكي، وتقديم غطاء إنساني لاستمرار الحرب دون كلفة دبلوماسية مباشرة".
ويأتي هذا التصريح وفق أبو بدوية، في ظل استمرار الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، وتوقف المفاوضات السياسية بشكل شبه كامل، ما دفع الإدارة الأمريكية إلى إعلان مبادرة تقضي بإنشاء "مراكز طعام دولية" داخل القطاع، تحت ذريعة الاستجابة للوضع الإنساني المتدهور، لا سيما في ظل تحذيرات أممية وأوروبية من خطر المجاعة الوشيكة.
ويرى أبو بدوية أن المبادرة الأمريكية لا تحمل في طياتها أي نية حقيقية لتغيير واقع الحرب أو ممارسة ضغط جدي على إسرائيل.
ويؤكد أبو بدوية أن "الحديث عن نهج إنساني من دون وقف إطلاق النار أو رفع الحصار هو في الحقيقة سياسة تبريد للأزمة، تهدف لامتصاص الضغوط الدولية المتصاعدة، خاصة من العواصم الأوروبية، التي بدأت تعبر بشكل متزايد عن استيائها من صمت واشنطن تجاه الكارثة الإنسانية في غزة".
ويشدد على أن تصريحات وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو بشأن "الحاجة إلى خيارات جديدة لإنهاء الحرب" و"الاعتراف بالجمود التفاوضي"، لا تخرج عن سياق التغطية الإعلامية للسياسة الأمريكية، خصوصاً أن هذه التصريحات ربطت أي تحرك فعلي بشرط إطلاق سراح المحتجزين الإسرائيليين، دون التطرق إلى الحقوق الفلسطينية الأساسية أو وقف العدوان.
ويُحذر أبو بدوية من أن هذه الخطوات قد تؤسس لواقع أكثر خطورة، إذ تستخدم إسرائيل هذا الغطاء الإنساني لتمرير مشروع "التهجير القسري الناعم".
ويوضح أبو بدوية أن "إدخال كميات محدودة من المساعدات الغذائية لبعض مناطق شمال قطاع غزة، بالتزامن مع فتح ممرات إغاثية نحو الجنوب، قد يبدو للوهلة الأولى تحركاً إيجابياً، لكنه في عمقه قد يهدف إلى تشجيع السكان على النزوح، وربط بقائهم بتوفر الغذاء أو الأمان، وبالتالي تفريغ المناطق الشمالية من سكانها كتمهيد لإعادة رسم خارطة ديموغرافية جديدة للقطاع".
ويشدد أبو بدوية على أن هذه التحركات لا يمكن فصلها عن سياق الحرب والسيطرة، مؤكداً أن "لا معنى لأي مبادرة إنسانية ما لم تترافق مع ضمانات سياسية واضحة تحمي السكان، وتكفل وقف العمليات العسكرية، وتؤسس لمسار تسوية عادل".
ويعتبر أبو بدوية أن النهج الأمريكي الحالي لا يخرج عن كونه "إدارة إعلامية للأزمة"، هدفها الرئيسي هو حماية إسرائيل من الانكشاف الأخلاقي والدبلوماسي أمام العالم، في ظل فشلها في تحقيق الحسم العسكري، واستمرار أزمة تبادل الأسرى، وارتفاع وتيرة المطالبات الدولية بمحاسبة قادتها قانونياً.
شراكة ضمنية في استمرار الكارثة
ويؤكد أبو بدوية أن "التحركات الأمريكية، مهما لبست من لبوس إنساني، تبقى في حقيقتها شراكة ضمنية في استمرار الكارثة، إن لم ترتكز إلى معالجة سياسية حقيقية تضمن حقوق الفلسطينيين وتضع حداً للعدوان المستمر".
ويشدد أبو بدوية على أنه "لا حل إنساني لمشكلة سياسية"، مشيراً إلى أن فصل الإغاثة عن الحصار، والنزوح عن القصف، والمساعدات عن الاحتلال، هو تضليل خطير قد يؤدي إلى نتائج أكثر كارثية على المدى البعيد.
ترمب يُمارس سياسة مزدوجة تجاه قطاع غزة
يرى الكاتب والمحلل السياسي خليل شاهين أن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب يُمارس سياسة مزدوجة تجاه قطاع غزة، تقوم على تكتيك تفاوضي آني يتمحور حول "الطعام مقابل الأسرى"، إلى جانب رؤية استراتيجية بعيدة المدى تهدف إلى تهجير سكان القطاع وفرض السيادة الأمنية الإسرائيلية الكاملة عليه، بما ينسجم مع خطة إسرائيلية طويلة الأمد تعيد سيناريو الاستيطان والضم التدريجي.
ويؤكد شاهين أن ترمب ألمح إلى امتلاكه رؤية خاصة لغزة ومستقبلها، لكنه اعتبر الوقت غير مناسب للإفصاح عنها، ما يعكس "التواطؤ الضمني" مع إسرائيل، خاصة في ظل تطابق مواقف الوفدين الأمريكي والإسرائيلي خلال المفاوضات الأخيرة، التي انسحب منها الجانبان بشكل متزامن.
ويشير شاهين إلى أن السلوك الأمريكي تجاه غزة يوضح أن واشنطن ليست وسيطاً محايداً، بل طرف مباشر في المعركة السياسية والإنسانية الجارية، ويتجلى ذلك من خلال ربط وقف إطلاق النار بإطلاق سراح المحتجزين الإسرائيليين، مقابل إدخال مساعدات إنسانية محدودة تُوزع وفقاً لشروط إسرائيلية، وهو ما وصفه شاهين بـ"هندسة التجويع" من خلال مؤسسة غزة اللاإنسانية.
ويلفت إلى أن ترمب يُظهر حرصاً على استعادة المحتجزين الأحياء، نتيجة الضغط الداخلي من عائلاتهم في إسرائيل، بينما لا يبدو مهتماً بالقدر ذاته باستعادة جثث المحتجزين الأموات.
ويشير شاهين إلى أن حركة حماس لا تزال تطالب بضمانات مزدوجة: وقف إطلاق نار لمدة 60 يوماً، وضمان استمرار المفاوضات بعدها لإنهاء الحرب، وهو ما ترفضه واشنطن، ما يعكس رغبتها في إبقاء المجال مفتوحاً أمام إسرائيل لاستئناف الحرب في أي لحظة.
ويوضح شاهين أن ترمب لا يزال يتمسك بمخطط استراتيجي وهو "ريفييرا غزة"، الذي يقوم على تهجير أهالي قطاع غزة إلى الخارج، إما عبر الضغط الإنساني أو من خلال مشروع "المدينة الإنسانية" الذي تعمل عليه إسرائيل في رفح، بدعم مؤسسة "غزة الإنسانية" التي تُستخدم كأداة لتمرير سياسات التهجير ضمن خطة التجويع والإفقار الممنهج.
إسرائيل تُجهز معبر كرم أبو سالم لتسهيل إخراج الغزيين
ويشير شاهين إلى أن إسرائيل تُجهز معبر كرم أبو سالم ليس لإدخال مساعدات، بل لتسهيل إخراج الفلسطينيين إلى خارج غزة، كما أن المسؤولين الإسرائيليين، وعلى رأسهم نتنياهو، يكررون أن ما يجري في القطاع يتماشى تماماً مع رؤية ترمب، في ظل غياب أي نفي أمريكي رسمي، سواء من البيت الأبيض أو وزارة الخارجية.
ويؤكد شاهين أن ترمب يفضل التوصل إلى اتفاق يفضي إلى استسلام حماس ونزع سلاحها، ومن ثم نفي قادتها وكوادرها إلى خارج القطاع، في خطوة تمهّد لمرحلة تهجير تدريجي للسكان الفلسطينيين، وسط استمرار السيطرة الأمنية الإسرائيلية على كامل غزة.
ويشير شاهين إلى مؤشرات أخرى تؤكد تبني ترمب لهذه الرؤية، منها ما نشرته صحيفة "هآرتس" حول خطة إسرائيلية تقضي بمهلة محدودة لحماس للموافقة على شروط الاستسلام، وإلا فإن إسرائيل ستبدأ بضم الحزام الأمني وأجزاء من شمال غزة، في إطار عملية تدريجية لاحتلال القطاع بالكامل، وهو ما وصفه شاهين بأنه إعادة إنتاج لسيناريو الضم "قطعة قطعة".
ويلفت شاهين إلى أن مسؤولين في الحكومة الإسرائيلية، مثل وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، ووزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، ووزيرة الاستيطان أوريت ستروك، يروجون لإعادة إقامة المستوطنات في شمال غزة، التي جرى تفكيكها ضمن خطة فك الارتباط عام 2005، والتي يعتبرها ترمب "خطوة غير حكيمة"، وقد صرّح بذلك عدة مرات.
ويؤكد شاهين أن هذه السياسات تتقاطع مع ما طرحه ترمب سابقاً في "صفقة القرن"، التي دعت إلى إقامة "دولة فلسطينية" بلا سيادة حقيقية، تحت مظلة السيطرة الأمنية الإسرائيلية، مع ضم أجزاء كبيرة من الضفة الغربية.
واليوم، يرى شاهين أن هذا التوجه أصبح أكثر تطرفاً، مع تراجع واضح حتى عن "صفقة القرن"، في ظل صمت أمريكي كامل تجاه التصريحات الإسرائيلية الداعية إلى ضم غزة، ورفض صريح لحل الدولتين.
ويلفت شاهين إلى أن الخارجية الأمريكية اعتبرت مؤتمر دعم حل الدولتين "خدعة دعائية"، فيما عبّر السفير الأمريكي لدى إسرائيل هاكابي عن أن واشنطن لم تعد تؤمن بحل الدولتين، في انحراف كامل عن سياسات الإدارات الأمريكية السابقة.
ويعتبر شاهين أن ترمب يسعى إلى امتصاص الغضب العالمي من خلال مشهد تفاوضي شكلي يتمحور حول وقف إطلاق النار مقابل إدخال مساعدات جزئية، بشرط موافقة حماس على شروط الاستسلام، من دون ضمانات مكتوبة.
ويشير شاهين إلى أن هذا السيناريو قد يكون مجرد مرحلة انتقالية نحو هدف استراتيجي أكبر، يتمثل في فرض السيطرة الأمنية الإسرائيلية على غزة، ودفع السكان نحو الهجرة الجماعية أو التدريجية إلى خارج القطاع.
أهداف سياسية واستراتيجية مخفية
تؤكد الكاتبة والباحثة السياسية د. تمارا حداد أن التصريحات الأخيرة للرئيس الأمريكي دونالد ترمب بشأن التعامل مع "نهج جديد" مع قطاع غزة، يتمحور ظاهرياً حول البعد الإنساني، لكنه يخفي في جوهره أهدافاً سياسية واستراتيجية تتعلق بمستقبل القطاع، وتحديداً في ما يتعلق بحركة حماس.
وتوضح حداد أن آلية إدخال المساعدات الإنسانية إلى غزة بشكل سريع عبر ساعات محدودة من الهدن الإنسانية جاءت بضوء أخضر أمريكي، وأن تصريحات ترمب ركزت على وصف المجاعة في غزة بأنها "حقيقية"، في تباين ملحوظ مع تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الذي قلل من حجم الكارثة الإنسانية.
وتشير حداد إلى أن ترمب تحدث عن أولوية إنسانية تتمثل في توفير الغذاء للمدنيين وإقامة مراكز إطعام، وتوسيع نطاق توزيع المساعدات دون قيود، لكن كل ذلك هو عملية ادارة التجويع والتمهيد لخطة عسكرية أوسع.
لكن وفق حداد، فإن هذه الخطوة تحمل أبعاداً سياسية خفية، من بينها تخفيف الضغط الخارجي على إسرائيل، وتحقيق فصل بين ملف المساعدات الإنسانية بالمفاوضات السياسية، خاصة تلك التي تتعلق بانسحاب الجيش الإسرائيلي من غزة أو وقف الحرب.
وترى حداد أن الهدف من هذه المقاربة هو تحييد المساعدات عن كونها ورقة ضغط على إسرائيل، ما يسمح لها بمواصلة العمليات العسكرية دون عوائق دولية.
وترى حداد أن هناك تخطيطاً أمريكياً إسرائيلياً مستقبلياً واضحاً، يتمثل في منح حركة حماس مهلة قصيرة –لا تتجاوز ثلاثة أيام– للقبول بشروط تتعلق بتسليم الرهائن دون انسحاب إسرائيلي، وهو ما تتوقع أن ترفضه الحركة.
وتوضح حداد أنه في حال الرفض من قبل حماس، فإن البديل الذي يطرحه ترمب هو استمرار الخيار العسكري حتى إنهاء وجود حماس بالكامل، وهو ما سيؤدي إلى تصعيد أكبر وسقوط ضحايا بأعداد كبيرة.
وتشير حداد إلى أن تصريحات وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش تتقاطع مع هذا التوجه، حيث تحدث عن خطة سرية للتعامل مع غزة والقضاء على حماس، إلى جانب ملاحقة عناصرها في الخارج وفرض عقوبات ومصادرة أموالهم.
وتؤكد حداد أن هذه التحركات تهدف في جوهرها إلى إعادة هيكلة قطاع غزة بشكل كامل، وتثبيت الحكم العسكري الإسرائيلي من جديد، مع تخيير السكان بين البقاء أو المغادرة، تمهيداً لتحقيق الرؤية الأمريكية الإسرائيلية المشتركة بتحويل غزة إلى "ريفييرا الشرق الأوسط".
وتوضح حداد أن الهدف من إدخال المساعدات هو "إدارة التجويع لا إنهاؤه"، بالتوازي مع تكثيف العمليات العسكرية، في إطار مشروع استراتيجي أمريكي أوسع لإعادة رسم واقع غزة السياسي والجغرافي، وربطها بمشروع أمريكي دولي يتعلق بالممر الهندي.
"الجديد" الوحيد المتاح الآن قد يكون الذهاب نحو صفقة شاملة
يوضح الكاتب والمحلل السياسي عوني المشني أن الإدارة الأمريكية، في ظل "الضيق الاستراتيجي"، قد تجد نفسها مضطرة إلى الدفع باتجاه صفقة شاملة لوقف الحرب في قطاع غزة، بعد أن وصلت إسرائيل والولايات المتحدة إلى طريق مسدود، إثر استنفاد كافة الأدوات السابقة من إبادة جماعية وتجويع ومؤامرات تفاوضية.
ويؤكد المشني أن النهج الأمريكي، الذي لطالما دعم إسرائيل لتحقيق أهدافها عبر الحرب، استند إلى وسائل متعددة، من بينها الإبادة الجماعية بأبشع صورها، وسياسة التجويع، ومؤامرات التفاوض، وأدوات الترهيب مثل التهديد بجهنم والترغيب بأوهام مثل "ريفييرا غزة".
ويرى المشني أن هذه الأدوات لم تترك وسيلة إلا واستخدمتها، وهو ما يعني أن "الجديد" الوحيد المتاح الآن قد يكون الذهاب نحو صفقة شاملة، وهو ما تلمّح إليه إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بطرق مختلفة.
ويؤكد المشني أن الولايات المتحدة، التي شرعنت التهجير واعتبرته إجراءً طبيعياً، باتت اليوم في مواجهة اتهامات متصاعدة بمشاركتها في جرائم الحرب والإبادة الجماعية في غزة، ليس فقط من قبل الشعوب بل أيضاً من حكومات ومؤسسات دولية، وهو ما يصعّب الموقف السياسي الأمريكي ويقيده.
ويرى المشني أن إسرائيل تعيش أزمة عميقة، إذ لم يحقق التصعيد العسكري أهدافه السياسية، بينما قد يؤدي التبريد إلى إجهاض الأهداف الاستراتيجية، والوضع ذاته ينطبق على الولايات المتحدة، التي تعاني من أزمة "القوة المفرطة" التي فشلت في تحقيق "النصر المطلق".
ويقول المشني: "لهذا فإن الخيارات أمام ترمب باتت ضيقة، ولم يبقَ أمامه سوى مسار واحد، هو وقف الحرب"، مرجحاً أن يكون ما نشهده حالياً من تهديدات إسرائيلية جديدة، مثل سحق المقاومة و"فتح أبواب جهنم"، مجرد مناورات تمهيدية لإخراج قرار وقف الحرب في صورة "مشرفة" لإسرائيل.
ويؤكد المشني أن غزة ستشفى من جراحها، ولو احتاج ذلك لوقت طويل وجهود كبيرة، لكن الإبادة الجماعية التي تعرض لها أهلها ستبقى معطى سياسياً وأخلاقياً لن تنجو منه إسرائيل مهما حاولت، معتبراً أن الاعتراف الفرنسي الأخير بالدولة الفلسطينية قد يكون أول تداعيات هذا التحول، لكنه بالتأكيد ليس آخرها.
سياسة مزدوجة في التعامل مع الملف الفلسطيني
يؤكد الباحث المصري في الاقتصاد السياسي والعلاقات الدولية وأستاذ العلوم السياسية، د. محمد الطماوي، أن تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب الأخيرة بشأن التعامل مع نهج جديد في قطاع غزة تكشف عن سياسية مزدوجة يتبناها ترمب في تعاطيه مع الملف الفلسطيني، تقوم على المزاوجة بين الضغط السياسي والابتزاز الإنساني، دون الانخراط في تهدئة حقيقية أو دفع نحو تصعيد شامل.
ويوضح الطماوي أن استخدام ترمب عبارة "النهج الجديد" لا يعكس تحولاً فعلياً في الموقف الأمريكي، وإنما يوظفها كمؤشر دعائي يوحي بالتجديد، بينما يظل موقفه الحقيقي محكوماً بمعادلات سياسية داخلية وخارجية. وبحسب الطماوي، فإن ترمب لا يزال داعماً استراتيجياً لإسرائيل، لكن تصريحاته الأخيرة التي ألقى فيها باللوم على نتنياهو بخصوص التجويع في غزة تعبّر عن محاولة لتحميل إسرائيل مسؤولية أخلاقية عن الوضع الإنساني المتدهور في القطاع، دون أن تصل هذه التصريحات إلى مستوى الضغط الحقيقي.
ويشير الطماوي إلى أن ترمب لا يفضل التصعيد العسكري في غزة، إدراكاً منه بأن أي حرب مفتوحة في هذا التوقيت قد تُضر بالمصالح الأمريكية وتُضعف موقفه الانتخابي مستقبلاً، خاصة مع تراجع التأييد الشعبي للسياسات المنحازة لإسرائيل داخل الولايات المتحدة.
ترمب يستخدم ورقة غزة لتحقيق مكاسب داخلية
في المقابل، يشير الطماوي إلى أن ترمب لا يتبنى مسار التهدئة بشكل واضح، بل يعتمد على "استراتيجية التبريد المحسوب"، وهي إدارة الأزمة بطريقة لا تُغضب إسرائيل ولا تُحرج واشنطن أمام المجتمع الدولي.
ويلفت الطماوي إلى أن ترمب يستخدم ورقة غزة لتحقيق مكاسب سياسية على الصعيد الداخلي، من خلال التلويح بإمكانية الضغط على إسرائيل إذا تفاقمت الأزمة الإنسانية، وفي الوقت نفسه يغازل قاعدة المحافظين بوعود حول "صفقات قوية" مقبلة، ما يعكس براغماتية عالية في توظيف القضية الفلسطينية ضمن أجندته الانتخابية المقبلة.
انعكاس لانطباعات شخصية
يرى الكاتب والمحلل السياسي داود كُتَّاب أن تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بشأن الحرب في غزة وأنه سيتعامل بنهج جديد قد لا تعكس بالضرورة سياسة أمريكية حقيقية أو توجّهاً فعلياً، بل قد تكون انعكاساً لانطباعاته الشخصية وتأثره بما يشاهده على شاشات التلفزة العالمية.
ويقول كُتَّاب: "إن فهم تصريحات ترمب ليس أمراً بسيطاً، إذ غالباً ما يقول أشياء لا ترتبط مباشرة بالواقع السياسي أو بالخطط الرسمية، لكنه أشار إلى نقطة جوهرية تتعلق بتأثر ترمب بالتغطية الإعلامية الكثيفة للمجاعة في غزة، والتي أصبحت تحتل مساحة كبيرة في البث التلفزيوني العالمي".
ويوضح كُتَّاب أن ترمب، المعروف بإفراطه في مشاهدة التلفاز، قد يكون مدفوعاً برغبته في تغيير الصورة السلبية التي باتت تضع اللوم على إسرائيل أمام الرأي العام العالمي.
ويعتقد كُتَّاب أن ترمب لا يبدو ميّالاً للتصعيد في هذه المرحلة، مشيراً إلى أن العودة إلى مسار التفاوض، وتخفيف الحصار –حتى ولو بشكل جزئي– تتماشى أكثر مع توجهاته الحالية، خصوصاً أن حملته الانتخابية تركزت على إيجاد حلول للحروب وليس إشعالها.
وبحسب كُتَّاب، فإن الضغوط الإعلامية والصور المروعة القادمة من غزة، إلى جانب السياق الانتخابي الأمريكي، قد تدفع ترمب إلى دعم مقاربة تُخفف من حدة المواجهة، بهدف تحسين صورة الولايات المتحدة عالمياً ورفع العبء الأخلاقي المتصاعد عن حلفائها في المنطقة.
Powered by Froala Editor





شارك برأيك
نهج ترمب الجديد لغزة.. استراتيجية تبريد أم تصعيد؟