فلسطين

الخميس 31 يوليو 2025 8:35 صباحًا - بتوقيت القدس

اعتراف بريطانيا.. تكفير عن ذنب قديم أم مناورة تحت وطأة مشاهد الإبادة؟

خـاص بـ"القدس" و"القدس" دوت كوم

د. جمال حرفوش: هذه اللحظة قد تمثل فرصة تاريخية لبريطانيا لمراجعة إرثها الاستعماري وتحمل مسؤوليتها التاريخية تجاه الشعب الفلسطيني

أكرم عطا الله: ضغوطات داخلية وراء التوجه البريطاني بينها نية جيريمي كوربن تأسيس حزب سياسي يحمل قضية فلسطين كعنوان رئيسي

د. قصي حامد: الخطوة بالرغم من كونها مراوغة لكنها اعتراف بالمسؤولية التاريخية لبريطانيا عن نكبة الشعب الفلسطيني وإقامة إسرائيل

سامر عنبتاوي: نية ستارمر الاعتراف بدولة فلسطين خطوة متقدمة لكنها لا تزال مرتبطة بشروط سياسية تحول دون تحققها الفعلي

د. أمجد بشكار: إسرائيل قد تتجه نحو تفكيك السلطة الفلسطينية كخيار استراتيجي لعرقلة أي اعتراف دولي بها 

عدنان الصباح: الحل الوحيد الممكن والعادل هو تنفيذ القرارين 181 و194 وعلى القيادة عدم القبول بأي بدائل أخرى لأي حل سياسي مستقبلي

 

 يثير إعلان رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر عزمه الاعتراف بدولة فلسطين الجدل حول إمكانية اعتباره تحوّلاً سياسياً ذا أبعاد رمزية واستراتيجية، أو أنها مناورة سياسية تعكس تصاعد الضغوط الداخلية والخارجية لإعادة النظر في السياسات البريطانية تجاه الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي. 

ويقول كتاب ومحللون سياسيون وأساتذة جامعات في أحاديث منفصلة مع "القدس"، إن هذه الخطوة، رغم كونها حتى الآن "نية" غير مقرونة بتنفيذ، بل مقرونة بشروط تجاه إسرائيل، فإنها تضع لندن أمام اختبار تاريخي بشأن مدى استعدادها لتحمّل مسؤوليتها عن تداعيات الحقبة الاستعمارية، بدءاً من وعد بلفور وحتى دعم إسرائيل في المحافل الدولية.

ويشيرون إلى أن هذا الإعلان يأتي في سياق دولي متغير، يتّسم بتنامي الزخم الشعبي والرسمي الداعم لحقوق الفلسطينيين، وسط تصاعد الانتقادات الغربية للسياسات الإسرائيلية في غزة والضفة الغربية.

ويلفتون إلى أن بريطانيا، التي لطالما التزمت بخط واشنطن الداعم لتل أبيب، تبدو الآن وكأنها تحاول الخروج جزئياً من هذا النسق، وربما ترسل رسالة مفادها بأنها مستعدة لتعديل كفّة مواقفها بما يواكب تحولات الرأي العام العالمي وموجات التضامن المتصاعدة.

 

 

تحول سياسي رمزي واستراتيجي في آنٍ واحد

 

يقول د. جمال حرفوش، أستاذ مناهج البحث العلمي والدراسات السياسية في جامعة المركز الأكاديمي للأبحاث في البرازيل، إن إعلان رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر عن عزمه الاعتراف بدولة فلسطين يمثل تحولاً سياسياً رمزياً واستراتيجياً في آنٍ واحد، وينطوي على أبعاد داخلية وخارجية معقّدة.

ويوضح حرفوش أن الإعلان البريطاني جاء في توقيت دقيق عقب لقاء ستارمر بالرئيس الأمريكي دونالد ترمب، وهو ما لا يمكن فصله عن السياق السياسي الأوسع، فبريطانيا تسعى على ما يبدو لاستعادة زمام المبادرة في ملف الشرق الأوسط، ومحاولة التحرر من "التبعية الكاملة" التي طبعت سياساتها الخارجية إزاء واشنطن، وخاصة فيما يتعلق بالصراع الفلسطيني–الإسرائيلي.

ويعتقد حرفوش أن الرسالة التي يحملها توقيت الإعلان مزدوجة، فهي من جهة قد تكون تعبيراً عن رفض استمرار الارتهان للرؤية اليمينية المتطرفة التي يمثلها ترمب، ومن جهة أخرى قد تشكّل "مناورة رمزية" تسعى لندن من خلالها إلى إظهار نوع من التوازن بين الضغوط الأمريكية ومقتضيات القانون الدولي.

ويؤكد حرفوش أن الاعتراف المحتمل لا يجب أن يُنظر إليه كإجراء شكلي أو دبلوماسي بحت، بل هو تصحيح سياسي وتاريخي لوعد بلفور الاستعماري، الذي كان نواة المشروع الصهيوني في فلسطين، مشيراً إلى أن الاعتراف بالدولة الفلسطينية بات يشكل ضرورة أخلاقية تقع على عاتق بريطانيا باعتبارها صاحبة الدور الأساس في مأساة الشعب الفلسطيني.

 

الاعتراف يجب أن يقترن بخطوات تنفيذية ملموسة

 

ويحذّر حرفوش من أن الاعتراف، إذا لم يُقرن بخطوات تنفيذية ملموسة – كعرض مشروع على الأمم المتحدة أو اتخاذ موقف واضح من استمرار العدوان الإسرائيلي – فسيبقى في حدود "تصريح نية بلا أثر قانوني ملزم" (declaratio voluntatis sine effectu iuris)، وهو ما لا يخدم القضية الفلسطينية فعلياً.

ويشدد حرفوش على أن الاعتراف الجاد بدولة فلسطين يجب أن يُحدد بوضوح في إطار حدود الرابع من حزيران 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، مؤكداً أن تأثيره القانوني والسياسي سيكون بالغاً إذا تم تنفيذه بجدية، خصوصاً في ظل الزخم الدولي المتنامي حول تدويل القضية الفلسطينية.

ويعتقد حرفوش أن هذه اللحظة قد تمثل فرصة تاريخية لبريطانيا لمراجعة إرثها الاستعماري وتحمل مسؤوليتها التاريخية تجاه الشعب الفلسطيني، وأن العالم ينتظر ما إذا كانت لندن ستنتقل من الأقوال إلى الأفعال.

 

 

مسار سياسي مستقل عن الأمريكي

 

من جانبه، يؤكد الكاتب والمحلل السياسي أكرم عطا الله أن إعلان رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر عزمه الاعتراف بدولة فلسطين يمثل تحولاً استراتيجياً في الموقف البريطاني، ويعكس نية لندن شق مسار سياسي مستقل عن المسار الأمريكي التقليدي الذي لطالما اتسم بالتقارب الشديد مع تل أبيب.

ويشير عطا الله إلى أن الإعلان البريطاني جاء بعد لقاء بين رئيس الوزراء البريطاني والرئيس الأمريكي دونالد ترمب، الذي اعترف بوجود "نقاش عابر" حول الموضوع، لكن لندن سارعت لاحقاً إلى عقد اجتماع حكومي رسمي أعقبه الإعلان عن نية الاعتراف، ما يشير إلى أن بريطانيا تتخذ موقفاً مدروساً لا مجرد تفاعل عرضي.

ويعتبر عطا الله أن هذه الخطوة تمثل جزءاً من الحنكة السياسية البريطانية المعروفة عالمياً، وتهدف إلى تحميل إسرائيل مسؤولية المآلات السياسية المقبلة من خلال وضع شروط "غير مقبولة إسرائيلياً"، في محاولة لإلقاء الكرة في ملعب تل أبيب.

ويرى عطا الله أن هذا التوجه البريطاني ليس مجرد موقف رمزي، بل نتاج ضغوط داخلية متزايدة في بريطانيا، من بينها رسائل من أعضاء في مجلس العموم، ودفع وزير الخارجية في هذا الاتجاه، إلى جانب تصاعد الحراك الشعبي المؤيد لفلسطين منذ اندلاع الحرب الأخيرة على غزة.

 

تصحيح "الظلم التاريخي"

 

ويؤكد عطا الله أن أحد العوامل الأساسية التي دفعت بريطانيا للإسراع بهذا التوجه هو نية جيريمي كوربن، زعيم حزب العمال السابق، تأسيس حزب سياسي جديد يحمل قضية فلسطين كعنوان رئيسي له، الأمر الذي أثار قلق حزب العمال، في ظل استعداد نحو 40 نائباً من الحزب للالتحاق بكوربن.

ويوضح عطا الله أن خطوة بريطانيا هذه تُعد تحولاً سياسياً كبيراً بالنظر إلى كونها صاحبة وعد بلفور، لكنها اليوم قد تكون على أعتاب تصحيح هذا "الظلم التاريخي" بحق الشعب الفلسطيني. 

ويؤكد عطا الله أن ثقل بريطانيا الدولي ومكانتها في أوروبا والكومنولث يمنح اعترافها المتوقع بدولة فلسطين أهمية كبرى، وقد يُشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة.

 

"مراوغة سياسية" هدفها الضغط على إسرائيل

 

بدوره، يصف أستاذ العلوم السياسية في جامعة القدس المفتوحة د. قصي حامد إعلان بريطانيا نيتها الاعتراف بالدولة الفلسطينية بأنه "مراوغة سياسية" تهدف إلى الضغط على إسرائيل لتغيير سلوكها في قطاع غزة والضفة الغربية الذي بات يحرج الحكومات الداعمه لها أمام شعوبها.

ويشير حامد إلى أن هذه الخطوة تُعد انحرافاً عن النسق التقليدي للسياسة البريطانية تجاه القضية الفلسطينية، والذي اتسم تاريخياً بدعم غير محدود لإسرائيل، بدءاً من وعد بلفور مروراً بالدعم العسكري والسياسي المتواصل، وانتهاءً برفض منح الفلسطينيين صفة المراقب في الأمم المتحدة.

ويوضح حامد أن ما يحدث اليوم من إعلان نية بريطانيا الاعتراف لا يمثل تحولاً جوهرياً، بل يأتي في إطار محاولة بريطانية إنذار إسرائيل لما يحدث من ضرر لصورتها امام الرأي العام العالمي والذي اصبح يراها دولة يحكمها المتطرفون وتمارس الإبادة الجماعية والتجويع والتهجير في قطاع غزة والضفة الغربية. 

ويؤكد حامد أن هذا التغير في الرؤية الدولية يُجبر الحكومات الغربية، ومنها بريطانيا، على إعادة النظر في مواقفها، تحت وطأة الضغط الشعبي المتزايد داخلها.

ويبيّن حامد أن نوايا بريطانيا الاعتراف بالدولة الفلسطينية مغلفة برسالة تهديد لقادة إسرائيل لتغيير سلوكهم في قطاع غزة وايقاف الحرب والتجويع، بمعنى أنه إن غيرت إسرائيل من سلوكها فسوف تتراجع بريطانيا عن خطوتها، وهو ما يفتح الباب أمام تساؤلات حول جدية بريطانيا في اتخاذ خطوات ملموسة باتجاه تغيير سياساتها التاريخية. 

ويقول حامد: "الاعتراف المرتقب ليس انعطافاً كاملاً، بل هو محاولة لمراوغة الرأي العام العالمي، ومحاولة لتخفيف الضغط الشعبي داخل بريطانيا". 

 

 

الاعتراف يجب أن ترافقه تحولات دبلوماسية وقانونية

 

وعلى الرغم من ذلك، يتوقع حامد أن يشجع هذا الإعلان دولا أخرى على الاعتراف بالدولة الفلسطينية، الأمر الذي سيزيد من عزلة إسرائيل دولياً، خاصة في ظل سياسات الحكومة اليمينية المتطرفة الساعية لإلغاء الكيانية السياسية الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة.

ويلفت حامد إلى أن هذه الخطوة رغم كونها مراوغة سياسية، إلا أنها تشكل فارقة سياسية في اعتراف بريطانيا الضمني بمسؤوليتها التاريخية عن نكبة الشعب الفلسطيني، وبدورها الكبير في إقامة إسرائيل. 

ويرى حامد أن اعترافاً كهذا، إن تم، يجب أن ترافقه تحولات دبلوماسية وقانونية، من بينها رفع مستوى التمثيل الفلسطيني في بريطانيا إلى سفارة، وفتح الأبواب أمام علاقات أكثر رسمية بين الطرفين.

ويؤكد حامد أن نية بريطانيا الاعتراف بدولة فلسطين يجب ألا تُفهم على أنها تحول حقيقي، ما لم تتبعها خطوات عملية، مثل وقف الدعم العسكري والسياسي لإسرائيل، ودعم الخطوات الدبلوماسية الفلسطينية في المحافل الدولية، وفرض عقوبات على الاحتلال. 

ويرى حامد ان بريطانيا تحاول إعادة توجيه البوصلة الدولية نحو حل الدولتين، وإن كان ذلك في سياق سياسي ضاغط وليس بدافع العدالة التاريخية.

ويؤكد حامد أن الأسئلة الجوهرية تبقى مفتوحة: "هل ستُثبت بريطانيا في المستقبل أنها جادة؟ وهل سوف يتجسد ذلك في سياسات عملية تعكس تغيراً حقيقياً في موقفها من القضية الفلسطينية؟".

 

 

بريطانيا تخطو خطوة مهمة لكنها غير كافية

 

من جهته، يرى الكاتب والمحلل السياسي سامر عنبتاوي أن إعلان رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر نيته الاعتراف بدولة فلسطين، يُعد خطوة متقدمة لكنها لا تزال مرتبطة بشروط سياسية تحول دون تحققها الفعلي.

ويشير عنبتاوي إلى أن هذا الموقف جاء بعد تصريح مماثل للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذي أعلن عزمه الاعتراف بفلسطين في سبتمبر المقبل، إلا أن لندن ربطت الخطوة بوقف الحرب والمجاعة في غزة، وعودة المسار السياسي لحل الدولتين.

ويؤكد عنبتاوي أن الموقف البريطاني جاء كنوع من الموازنة السياسية، بين ضغوط الشارع البريطاني المتضامن بقوة مع فلسطين، وضغوط داخلية برلمانية من وزراء ونواب يطالبون باتخاذ موقف حاسم، وبين الحرص البريطاني على عدم تجاوز الخطوط الحمراء في العلاقة مع إسرائيل.

ويشير عنبتاوي إلى أن وزير الخارجية البريطاني، ديفيد لامي، بدا أكثر تقدماً من رئيس الحكومة في موقفه، حين تحدث صراحة عن المسؤولية التاريخية التي تتحملها بريطانيا تجاه الشعب الفلسطيني، كونها صاحبة وعد بلفور وسلطة الانتداب، وهي من مهّدت لإقامة إسرائيل.

ويرى عنبتاوي أن اللقاء الأخير بين ستارمر والرئيس الأمريكي دونالد ترمب يعكس تبايناً واضحاً في التوجهات، حيث لم يُدرج ستارمر قضية الاعتراف ضمن اللقاء، بينما صرّح ترمب أن المشروع بريطاني-أوروبي خالص، ما يشير إلى محاولة أوروبية للابتعاد عن السياسة الأمريكية التقليدية المنحازة لإسرائيل.

ويشدد عنبتاوي على أن الاعتراف البريطاني المرتقب يجب أن يسبقه موقف واضح وحاسم، يتضمن وقف تصدير السلاح لإسرائيل، والتهديد بعقوبات اقتصادية، ومطالبة صريحة بوقف عمليات الضم، سواء المعلنة أو التي تُنفّذ ميدانياً عبر الاستيطان وتغيير الجغرافيا والديموغرافيا في الضفة الغربية.

ويعتبر عنبتاوي أن التحرك البريطاني يأتي نتيجة زخم دولي واسع، مشيراً إلى مشاركة 143 دولة في مؤتمر نيويورك الأخير الداعي لحل الدولتين، إضافة إلى تصاعد عزلة إسرائيل والسياسة الأمريكية، بفعل صمود الشعب الفلسطيني وفضح جرائم الاحتلال.

ويؤكد عنبتاوي أن بريطانيا تخطو خطوة مهمة لكنها غير كافية، داعياً إلى مواقف فلسطينية وعربية ودولية داعمة، حتى تتحول هذه النوايا إلى مواقف فعلية تُنهي مأساة الشعب الفلسطيني وتكرّس حقه في تقرير مصيره.

 

 

الإعلان البريطاني بالتوازي مع مؤتمر نيويورك

 

أستاذ العلوم السياسية د. أمجد بشكار يعتبر أن إعلان بريطانيا نيتها الاعتراف بدولة فلسطين، بالتوازي مع مؤتمر نيويورك الذي رعته فرنسا مؤخراً، يمثل تطوراً سياسياً لافتاً هو الأهم منذ اعتراف 136 دولة بفلسطين في الأمم المتحدة عام 2012، لكنه في الوقت نفسه "مشروط سياسياً" ولا يخرج عن إطار الابتزاز السياسي الذي يُفرغ الاعتراف من مضمونه.

ويؤكد بشكار أن ما يميّز هذا التطور هو أنه جاء من دولتين دائمتَي العضوية في مجلس الأمن: فرنسا التي رعت مؤتمر نيويورك، وبريطانيا التي أعلنت نيتها الاعتراف بفلسطين بشرط تغيّر سلوك إسرائيل في الضفة وغزة، لا سيما فيما يتعلق بالضم والجرائم المرتكبة بحق المدنيين. 

ويقول بشكار: "هذا الإعلان البريطاني يحمل دلالة رمزية عميقة بالنظر إلى الخلفية التاريخية للمسؤولية البريطانية عن نكبة فلسطين، منذ وعد بلفور عام 1917، ويأتي مفاجئاً كونه من دولة كانت تُعدّ من أكثر الداعمين لإسرائيل تقليدياً".

ويشير بشكار إلى أن بريطانيا عادة ما تتبع المسار الأمريكي في السياسة الخارجية، ما يجعل هذا التوجه بمثابة خروج جزئي عن ذلك النسق. 

ويوضح بشكار أن ثمة ثلاثة عوامل تقف خلف القرار البريطاني: أولها ضغوط داخلية من البرلمان حيث طالب 255 نائباً رئيس الوزراء بالاعتراف بالدولة الفلسطينية، وثانيها الحراك الشعبي المتواصل عبر مظاهرات ضخمة أسبوعية منذ بدء الحرب على غزة، وثالثها فظاعة المشاهد الآتية من القطاع، خاصة في الأسابيع الأخيرة، من تجويع جماعي وتصريحات إسرائيلية تدعو علناً لحرمان غزة من الغذاء كوسيلة لبقاء الحكومة الإسرائيلية.

 

اعتراف بريطاني مشروط!

 

وفي هذا السياق، يحذّر بشكار من أن الاعتراف البريطاني لا يعني بالضرورة عدالة للفلسطينيين، إذ يُربط بشروط سياسية كوقف النار ورفض الضم والسماح بالمساعدات، ما يعني تحويل "نية الاعتراف" إلى أداة ضغط وابتزاز سياسي، وكأن على الفلسطيني إثبات "أهليته" للحرية، بينما يُمنح المحتل حصانة كاملة. 

ويعتبر بشكار أن الموقف الفرنسي لا يقل خطورة، حيث اشترط أن تكون الدولة الفلسطينية منزوعة السلاح، وأن تعترف بإسرائيل اعترافاً "كاملاً"، دون تحديد طبيعة هذا الاعتراف، مع تحميلها أدواراً أمنية إقليمية.

ويحذر بشكار من أن إسرائيل قد تتجه نحو تفكيك السلطة الفلسطينية كخيار استراتيجي لعرقلة أي اعتراف دولي بها، كونها الجهة الوحيدة التي يمكن أن تمثل الفلسطينيين على المستوى القانوني والدولي، في وقت تسعى فيه إسرائيل لفصل الفلسطيني عن كيانه السياسي والوطني.

 

 

تعمية سياسية وبيع الفلسطينيين أوهاماً

 

بدوره، يرى الكاتب والمحلل السياسي عدنان الصباح أن مواقف بريطانيا وفرنسا وبعض الدول الأوروبية بشأن الاعتراف بالدولة الفلسطينية لا تعدو كونها "تعمية سياسية حقيقية" تهدف إلى منح الفلسطينيين أوهاماً بعيدة كل البعد عن الواقع، دون أي التزام فعلي أو إرادة حقيقية لتغيير الوقائع على الأرض.

ويوضح الصباح أن هذه المواقف تأتي في إطار إلهاء الفلسطينيين بوعود متكررة، لا ترتبط بخطوات ملموسة، مشيراً إلى أن الحديث عن "دولة فلسطينية" بات شعاراً يُستخدم منذ عقود من قبل رؤساء الولايات المتحدة، من بيل كلينتون إلى جورج بوش ثم جو بايدن، دون أن يُترجم يوماً إلى واقع عملي. 

ويقول الصباح: "الجميع يتحدث عن الدولة، لكن لا أحد يحدد مكانها، أو حدودها، أو حتى آليات إقامتها... كل ما يُقال هو مجرد اعترافات وهمية لا تعكس أي نية حقيقية لتحقيق هذا الحق".

ويرى الصباح أن مواقف بعض الدول الأوروبية، مثل بريطانيا وفرنسا، وما تحاول ألمانيا الدفع نحوه، تُعد مضيعة للحقيقة وابتعاداً عن جوهر القضية، مشيراً إلى أن تصريح وزير الخارجية البريطاني مؤخراً عكس إدراكاً عالياً لحجم المأساة.

 

لماذا لم تتحركوا منذ العام 1948؟

 

 لكن الصباح يتساءل: "إذا كنتم تدركون كل ذلك الآن، فلماذا لم تتحركوا منذ عام 1948؟ وأين كنتم من قراري الأمم المتحدة 181 و194 طوال هذه العقود؟".

ويؤكد الصباح أن المجتمع الدولي لم ينفذ سوى الشق الخاص بقيام دولة يهودية من قرار التقسيم 181، فيما تم تجاهل الكيان الفلسطيني والكيان الدولي (القدس)، مؤكداً أن هذه الكيانات الثلاثة التي حددها القرار بإقامة كيتن فلسطيني وكيان يهودي وكيان دولي، كانت اقتصادية موحدة، دون حدود فاصلة. ويشير الصباح إلى أن الشرط الأساسي في وعد بلفور، وهو عدم الإضرار بالحقوق المدنية والسياسية للسكان الأصليين في فلسطين، تم تجاهله بالكامل.

ويشدد الصباح على أن الاعتراف بدولة فلسطينية يجب أن يكون مبنياً على أسس قانونية واضحة، انطلاقاً من قرارات الشرعية الدولية، وليس وفق رؤية انتقائية تتجاهل قرارات تاريخية ملزمة. 

ويقول الصباح: "من العار أن تبقى هذه القرارات معطّلة، بينما يُعاد اليوم الحديث عنها بصورة باهتة ومؤجلة، بدل أن تُنفذ كما هي".

ويؤكد الصباح أن الحل الوحيد الممكن والعادل هو تنفيذ قراري 181 و194، مشدداً على أن على القيادة الفلسطينية والشعب الفلسطيني عدم القبول بأي بدائل أخرى، والتمسك الحازم بهذه القرارات كأساس لأي حل سياسي مستقبلي.

Powered by Froala Editor

دلالات

شارك برأيك

اعتراف بريطانيا.. تكفير عن ذنب قديم أم مناورة تحت وطأة مشاهد الإبادة؟

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.