- يتربع فوق قمة جبل في مكان ساحر بطبيعته وجماله الخلاب، ويطل على السهل الساحلي الفلسطيني، مقام "العابد"، في قرية الطبقة على بُعد ثلاثة كيلومترات إلى الجهة الجنوبية الغربية من مدينة دورا، جنوب الخليل، واقفاً شاهداً على ثبات الفلسطيني وصموده وتمسكه بهويته، معبراً عن القوة التي ربطت الماضي بالحاضر.
هالة روحانية
وتنبعث من جدران غرفة المقام التي تخلو من قبر أو ضريح وتعلوها قبة، هالة من الروحانية يقال إن العابد الذي عاش في هذه الأرض من عقود بعيدة جعل منها مركزاً لعبادة الله وطلب العلم، فحملت جدران أسرار الزمان تروي قصة التقوى والإيمان وشاهدة على عظمة هذا المكان وجلاله.
وقال الشاعر رشاد العرب: إن مقام العابد هو قطعة من تراث دورا، ويعلو قمة جبل العابد الذي يرتفع قرابة 920 متراً عن سطح البحر، مشرف ومطل تماماً على الساحل الفلسطيني وعلى قطاع غزة وأجزاء من النقب، عاد إلى الحياة بفعل الغيورين بعد كان آيلاً للسقوط والاندثار، مشيراً إلى أن المقام، الذي عُرف أيضاً باسم مقام بنات العابد، ارتبط بشخص متعبد صالح اسمه محمد العابد بن عبد الله بن الشيخ زين العابدين، من أعلام القرن العاشر الهجري، وظهر في مدينة غزة في حي الشجاعية، وله مزار فيها.
التجربة الصوفية وتجربة الحب العذري
وأضاف:يربط الموروث الشعبي، ان العابد قد عاش تجربتين، وهما التجربة الصوفية وتجربة الحب العذري، كما ارتبط اسمه في الغناء الشعبي، ولا سيما في موسم الحراثة مثل: (يا قول محمد العابد يا حراث... بتسايلني عن همومي، يا حراث ... حلفن البيظ ما يهوين حراث... ولا راعي غنم بينده على الكلاب)، ثم أقام على قمة الجبل، وكان دائم التعبد والصلاة، وحين توفي دفن في المنطقة، مضيفاً: إن هناك من يقول إن الجبل والنار التي كانت توقد على سفحه كان بمثابة منارة ودليل للمسافرين من الجنوب "مصر وغزة" إلى الشمال "بلاد الشام"، كما كان بالمنطقة نقطة بريد او تواصل عثمانية أيام حكم الأتراك لفلسطين.
وبيّن العرب أن الموقع الذي تقف شجرة بلوط بجانبه ضمن أراضٍ وقفية تابعة للأوقاف الإسلامية، يعد من أفضل الأماكن التي يمكن استثمارها سياحياً لما يمتلكه من مقومات جغرافية وبيئية وتراثية، لافتا انه تم ربط المقام من قبل وزارة السياحة بمسار فلسطين التراثي.
حماية الموقع
وبعد تحديات صعبة وبظروف قاسية نجحت وزارتا السياحة والآثار والأوقاف وبلدية دورا في افتتاح مقام العابد بعد ترميمه وإضافة لمسات جمالية لهذا المقام الواقع في دائرة الأطماع والاستهداف للاحتلال الإسرائيلي، ضمن خطة للحفاظ على الأماكن الأثرية والتاريخية في فلسطين لتعزيز صمود المواطنين والوقوف أمام مخططات الاحتلال للسيطرة والتهويد.
وقال هاني الحايك، وزير السياحة والآثار: إن ترميم مقام العابد نموذج للشراكة ما بين القطاع العام والخاص والمجتمع المحلي، للنهوض بالمواقع الأثرية وتحويلها إلى مواقع أثرية قابلة للزيارة، وخير مثال على نجاح هذه الشراكة لما في ذلك من خدمة لفلسطين مواقعها الأثرية، حيث جرى ترميم مقام العابد من خلال الوزارة وبالتعاون الأوقاف الإسلامية التي تمتلك المكان، ومركز حفظ التراث الثقافي والمجتمع المحلي، مشيراً إلى أن هذا الترميم يسهم في حماية الموقع وتكثيف وجود المواطنين.
ويصر الحايك، رغم صعوبة الأوضاع الحالية التي تعيشها فلسطين، على ضرورة الاستمرار بالعمل والثبات على هذه الأرض، تنفيذاً لتوجهات الحكومة الفلسطينية بالتواجد بين أبناء الشعب لتجاوز المعيقات والعقبات التي يحدثها الاحتلال الإسرائيلي ومستوطنوه الذين يسعون لتهويد المواقع الأثرية.
بدوره، أوضح الدكتور محمد نجم، وزير الأوقاف، ضرورة ترميم المواقع الدينية الأثرية والتاريخية لتُستخدم بشكل أفضل، والحفاظ عليها، ولا يجوز بأي حال من الأحوال تركها فارغه، مؤكداً أهمية الشراكة بين وزارتي الأوقاف والسياحة والآثار والمجتمع المحلي.
إحياء المكان
وقال مهند عمرو، رئيس بلدية دورا: إن مقام العابد يحمل أهمية على عدة صُعد، فهو مقام تاريخي على جزء مرتفع من مدينة دورا، وله إطلالة ساحرة وأهمية سياحية، مشيراً إلى أن ترميمه يهدف إلى الحفاظ على الإرث الثقافي الفلسطيني وتعزيز صموده أمام التحديات، فهو في منطقة تشهد هجمات المستوطنين، وناله نصيب من هذه الاعتداءات.
وقال عمرو: أمام هذه التحديات وتعزيز قطاع السياحة في المدينة، كان يجب ترميمه لإحياء المكان وحتى يصبح متنفساً للأهالي، حيث يحظى بمكانة خاصة لديهم، ويعكس جزءاً من التراث الفلسطيني العريق
Powered by Froala Editor





شارك برأيك
العابد".. مقام تراثي يحمل أسرار الزمان وشاهد على عظمة المكان