فلسطين

الأحد 27 يوليو 2025 8:34 صباحًا - بتوقيت القدس

اعتراف فرنسا المرتقب.. تحوّل نوعي لصالح القضية الفلسطينية

رام الله - خاص بـ"القدس" دوت كوم

د. دلال عريقات: إسرائيل تدرك أهمية الاعتراف الفرنسي كونه يصدر عن دولة أوروبية كبرى وعضو دائم في مجلس الأمن ما يمنحه ثقلاً مختلفاً
د. أحمد رفيق عوض:  خطوة  فرنسا تاريخية لأول دولة من "مجموعة السبع" تقدم على ذلك ونقلة نوعية في المشهد الدولي المرتبط بالقضية الفلسطينية
د. حسن أيوب: الأولوية الفلسطينية في هذه المرحلة ليست مجرد الاعتراف السياسي بل الدفاع عن حق تقرير المصير ومواجهة الاحتلال المتواصل
د. إيريني سعيد: الأولوية يجب أن تكون إنهاء الحرب وتوحيد الفصائل بما يمهّد لبناء دولة قابلة للحياة يمكن للمجتمع الدولي التعامل معها رسمياً
د. حسين الديك: الاعتراف الفرنسي تطور سياسي واستراتيجي غير مسبوق وضربة دبلوماسية لإسرائيل ويشكل "صفعة حقيقية" لنتنياهو وترمب
د. عمرو حسين: الاعتراف ليس مجرد خطوة رمزية وسيكسر حاجزاً نفسياً وسياسياً مهماً وقد يدفع دولاً أوروبية أخرى إلى اتخاذ مواقف مماثلة
 
في خطوة يُنظر إليها على نطاق واسع باعتبارها تحوّلاً نوعياً في المواقف الأوروبية تجاه القضية الفلسطينية، أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن نية بلاده الاعتراف رسمياً بدولة فلسطين خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في أيلول/سبتمبر المقبل، حيث يشكل ذلك نقطة تحول مهمة في الموازين لصالح القضية الفلسطينية.
ويرى كتاب ومحللون سياسيون ومختصون وأساتذة جامعات في أحاديث منفصلة مع "القدس"، أن هذا الإعلان يمثل لحظة سياسية فارقة، نظراً لكون فرنسا دولة أوروبية كبرى وعضواً دائماً في مجلس الأمن، ما يضفي على هذه الخطوة ثقلاً دبلوماسياً غير مسبوق، ويدفع نحو إعادة تشكيل المقاربة الدولية إزاء الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.
ويشير الكتاب والمحللون والمختصون وأساتذة الجامعات إلى أن الإعلان الفرنسي يأتي في وقت تتآكل فيه مصداقية حل الدولتين بفعل السياسات الإسرائيلية التوسعية، وهو ما يمنح الاعتراف الفرنسي بعداً سيادياً وأخلاقياً في ظل تصاعد جرائم الاحتلال الإسرائيلي في غزة.
ويلفتون إلى أنه يُنظر إلى هذا التوجه الفرنسي كجزء من تحوّلات أوسع في المزاج الأوروبي، قد تفتح الباب أمام دول أخرى، أبرزها بريطانيا وألمانيا، للحاق بركب الاعتراف، ما يشكّل تياراً دولياً متنامياً لا يمكن تجاهله.
ويوضح الكتاب والمحللون والمختصون وأساتذة الجامعات أن إسرائيل تسعى إلى عرقلة هذه الخطوة عبر ضغوط سياسية ودبلوماسية مكثفة، لكن الأوساط الفلسطينية والدولية تنظر إلى الاعتراف المرتقب كفرصة استراتيجية لإعادة إحياء المسار السياسي، وكسْر احتكار الولايات المتحدة للوساطة، وتحريك ملف الدولة الفلسطينية على أساس القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية.

خطوة سياسية ودبلوماسية بالغة الأهمية

تقول أستاذة الدبلوماسية وحل الصراعات في الجامعة العربية الأمريكية، د. دلال عريقات، إن إعلان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن نية بلاده الاعتراف بدولة فلسطين في أيلول المقبل يُعد خطوة سياسية ودبلوماسية بالغة الأهمية، تحمل في طياتها دلالات عميقة على المستويين الأوروبي والدولي.
وتوضح عريقات أن هذا الإعلان يأتي في لحظة تشهد تآكل ما تبقى من مصداقية حل الدولتين، نتيجة السياسات الإسرائيلية الأحادية، واستمرار الاحتلال والتوسع الاستيطاني.
وتشير عريقات إلى أن الخطوة الفرنسية تعكس رغبة حقيقية – ربما تتسع لاحقاً لتشمل مواقف أوروبية أخرى – في إعادة التوازن إلى المقاربة الدولية تجاه القضية الفلسطينية، وإحياء مرجعيات القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة كأساس للحل.
وتشدد عريقات على أن ما يُضفي على المبادرة الفرنسية السعودية طابعاً سياسياً وأخلاقياً في آن واحد، هو توقيتها المتزامن مع تصاعد الجرائم الإسرائيلية في غزة والانقسام الدولي حيال العدوان، ما يجعلها خطوة سيادية لتصحيح الخلل التاريخي في التعامل مع الحقوق الفلسطينية، وإعادة الاعتبار لفلسطين في الأجندة الدولية.

إسرائيل تدرك أهمية الاعتراف الفرنسي

وتوضح عريقات أن الرد الإسرائيلي متوقع، وهو بدأ فعلياً من خلال التصريحات المنددة والضغوط الدبلوماسية الهادفة إلى ثني فرنسا عن قرارها، بل واستغلال الإعلان كمبرر لمصادرة مزيد من الأراضي وتوسيع المستوطنات.
وتؤكد عريقات أن إسرائيل تدرك أهمية الاعتراف الفرنسي، كونه يصدر عن دولة أوروبية كبرى وعضو دائم في مجلس الأمن، ما يمنحه ثقلاً سياسياً مختلفاً عن اعترافات سابقة.
وتعتبر عريقات أن هذه الخطوة قد تشكّل حافزاً لدول أخرى، وعلى رأسها المملكة المتحدة، للمضي في نفس المسار.
وتشدد عريقات على أن نجاح هذه الدينامية الدبلوماسية مرهون بتوحيد الموقف الفلسطيني وتفعيل أدوات سياسية ودبلوماسية أكثر مهنية وتنسيقاً على المستوى الدولي، بما يتجاوز احتكار الوسيط الأمريكي، ويُعيد الاعتبار للشرعية الدولية.


اعتراف دولي بصبر وتضحيات الشعب الفلسطيني

من جانبه، يقول الكاتب والمحلل السياسي د. أحمد رفيق عوض إن إعلان فرنسا نيتها الاعتراف بدولة فلسطين يمثّل خطوة مفصلية وتاريخية، ليس فقط بسبب وزن فرنسا السياسي والدولي، بل لأنها أول دولة من دول مجموعة السبع الكبرى تقدم على هذه الخطوة، ما يجعلها نقلة نوعية في المشهد الدولي المرتبط بالقضية الفلسطينية.
ويوضح عوض أن هذا الاعتراف يُعد بمثابة رد حاسم على كل ما سعت إسرائيل لتحقيقه خلال العقود الماضية من محاولات تفكيك الهوية الوطنية الفلسطينية وإنكار الحق في الدولة، مشيراً إلى أن خطوة باريس تؤكد انهيار تلك السياسات الإسرائيلية، وتمثل اعترافاً دولياً بصبر وتضحيات الشعب الفلسطيني ودمائه ومعاناته الممتدة.
ويشدد عوض على أن فرنسا ليست دولة عادية، بل قوة نووية وعضو دائم في مجلس الأمن ودولة استعمارية سابقة، ما يجعل لاعترافها أبعاداً وجدانية وقانونية وسياسية عميقة.
 ويعتبر عوض أن هذه الخطوة تمنح الفلسطينيين دفعة هائلة للحضور الدولي، وتُشكل ضمانة بأن ميلاد الدولة الفلسطينية أصبح أمراً لا يمكن التراجع عنه، بصرف النظر عن طول المسار أو تعقيداته.

مقدّمة لاعترافات دولية أوسع

ويشير عوض إلى أن الاعتراف الفرنسي يمكن أن يتحوّل إلى مقدّمة لاعترافات دولية أوسع، من دول كبرى مثل بريطانيا وألمانيا وكندا، ما يعني ولادة تيار سياسي عالمي داعم لفلسطين لا تستطيع إسرائيل ولا حتى الولايات المتحدة وقفه.
ويشدد عوض على أن الغضب الإسرائيلي والأمريكي من التصريحات الفرنسية يعكس إدراكهم لخطورة هذا التحوّل، مؤكداً أن فرنسا لا تقدم على هذه الخطوة فقط بدافع التضامن، بل أيضاً لأسباب داخلية تتعلق بوجود جالية عربية وإسلامية كبيرة، وتسعى باريس إلى تهدئتها ودمجها سياسياً واجتماعياً.
ويعتقد عوض أن الاعتراف الفرنسي ليس فقط انسجاماً مع القيم التي تتبناها باريس كبلد للحريات وحقوق الإنسان، بل أيضاً خطوة تفتح الباب على مصراعيه أمام دول أخرى للاعتراف بدولة فلسطين، مما يُعزز التحرك الدولي لكسر احتكار الرواية الإسرائيلية.


الإعلان الفرنسي لا ينبغي أن يُعطى أكثر من حجمه

بدوره، يوضح الكاتب والمحلل السياسي وأستاذ العلوم السياسية د. حسن أيوب أن إعلان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن نية بلاده الاعتراف بدولة فلسطين، رغم أهميته الرمزية والسياسية الظاهرية، لا ينبغي أن يُعطى أكثر من حجمه، ولا يمكن اعتباره تحوّلاً مبدئياً أو عملياً في الموقف الفرنسي من القضية الفلسطينية.
ويوضح أيوب أن هذا الإعلان يعكس – إلى حد ما – تحولات في المزاج الدولي، لكنه لا يصدر عن موقف مبدئي حقيقي، مشيراً إلى أن فرنسا تحتفظ بعلاقات وثيقة واستراتيجية مع إسرائيل، وفي الوقت ذاته تُظهر مواقف متناقضة فيما يتعلق بالتضامن مع الشعب الفلسطيني، خصوصاً على المستوى الداخلي، مما يثير تساؤلات حول مدى جدية هذا التوجّه.
ويعتبر أيوب أن الأولوية الفلسطينية في هذه المرحلة الحساسة ليست مجرد الاعتراف السياسي، بل الدفاع عن حق تقرير المصير ومواجهة الاحتلال الاستعماري المتواصل، داعياً إلى التركيز على أدوات ردع فاعلة بحق إسرائيل، على رأسها فرض العقوبات الدولية عليها لوقف جرائم الحرب في غزة، وعمليات التهجير القسري والاستيطان في الضفة الغربية.
وينتقد أيوب الموقف الفرنسي، قائلاً إن باريس، إلى جانب ألمانيا ودول أوروبية أخرى، تتهرّب من اتخاذ مواقف حقيقية عبر الاختباء وراء مؤسسات الاتحاد الأوروبي، رغم إدراكها المسبق بأن قانون الإجماع داخل الاتحاد يعرقل أي خطوة جدية ضد إسرائيل.

تناقض فرنسي وتردد سياسي

ويتطرق أيوب إلى ما أسماه "التناقض الفرنسي"، مشيراً إلى أن فرنسا كانت قد طرحت في السابق عقد مؤتمر دولي للسلام بقيادتها إلى جانب السعودية، لكنها تراجعت عن المبادرة، ما يعكس تردداً سياسياً وانعدام الإرادة في المواجهة.
ويؤكد أيوب أن تصريحات ماكرون حول دولة فلسطينية "منزوعة السلاح" تُشكل ظلماً تاريخياً للشعب الفلسطيني، ونسفاً لحقه المشروع في الدفاع عن النفس.
ويعتبر أيوب أن إسرائيل لا تريد أصلاً أي شكل من أشكال الدولة الفلسطينية، بل تسعى إلى محو الكيانية الفلسطينية برمتها، وهو ما يتجلى في التصويت التمهيدي الأخير في الكنيست الإسرائيلي تمهيدا لمشروع قانون حول فرض السيادة على الضفة الغربية، وما سبق ذلك بسنوات في قانون "القومية" الذي يحصر حق تقرير المصير بالشعب اليهودي فقط.
ويشدد أيوب على أن الترويج للاعتراف الفرنسي كمنجز كبير يُشكل انحرافاً عن الأولويات الوطنية، ويخدم الخطاب الإسرائيلي الذي يسعى لتجريد الفلسطينيين من حقوقهم الأساسية، كونه يتناقض مع التوجهات الرسمية الفعلية، وخلوه من وضوح الاعتراف بالدولة الفلسطينية.
وبحسب أيوب، فإن الترحيب الرسمي الفلسطيني وغيرها من التصريحات التي ترحب، بهذا التصريح فيه خلط واضح بين ما هو رمزي وما هو عملي، ويمسّ بجوهر النضال الفلسطيني القائم على استعادة الحقوق لا القبول بالفتات السياسي.
ويؤكد أيوب أن إسرائيل، رغم إدراكها لضعف الأثر العملي لهذا الاعتراف الفرنسي بالدولة الفلسطينية، إلا أنها تقف ضده بشراسة لمنع أي تحوّل – ولو رمزي – يمكن أن يُبنى عليه لاحقاً.
ويؤكد أيوب أن الرد الحقيقي يجب أن يكون بتكثيف الضغوط السياسية والشعبية على القوى الكبرى لاتخاذ خطوات ملموسة تضمن حقوق الفلسطينيين، لا الاكتفاء بإعلانات لا تغير شيئاً في الواقع القائم تحت الاحتلال.


تحولات أوروبية وخطوة تمهد لتحركات مشابهة

من جهتها، ترى الأكاديمية والمحللة السياسية المصرية، د. إيريني سعيد، أن التحولات الأوروبية تجاه القضية الفلسطينية باتت أكثر وضوحاً، خاصة مع تصاعد الحديث عن توجه فرنسا للاعتراف بالدولة الفلسطينية، وهي الخطوة التي أعلن عنها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وقد تُمهّد لتحركات مشابهة من قبل دول أوروبية أخرى وتحالفات دولية فاعلة.
وتتساءل سعيد عما إذا كان الاعتراف الفرنسي المنتظر سيأخذ طابعاً صريحاً، يُفضي إلى إقامة علاقات دبلوماسية ودعم سياسي واقتصادي وربما عسكري، أم أنه مجرد اعتراف رمزي يهدف إلى ممارسة ضغوط سياسية على إسرائيل لدفعها نحو تسوية الصراع.
وتلفت سعيد إلى أن "الاعتراف بإقامة دولة لا يتم بمجرد إعلان سياسي، بل يستدعي استكمال مكونات الدولة، من حدود برية وبحرية وجوية، إلى شعب مستقر وممثل، ثم يأتي بعدها الاعتراف الدولي وإقامة العلاقات السياسية والدبلوماسية وتوقيع اتفاقيات، من بينها اتفاقيات دفاع مشترك إن وجدت".
وترى سعيد أن الأولوية الراهنة بالنسبة للفلسطينيين يجب أن تكون إنهاء الحرب على قطاع غزة، والعمل على توحيد الفصائل الفلسطينية تحت مظلة سياسية مستقرة، ما يمهّد لبناء دولة فلسطينية قابلة للحياة يمكن للمجتمع الدولي التعامل معها رسمياً.

التمهيد لتأسيس واقع سياسي جديد

وتعتبر سعيد أن التحرك الفرنسي يأتي في هذا السياق التمهيدي نحو التأسيس لواقع سياسي جديد.
وتؤكد سعيد أن هذه الخطوة لا تحظى بأي قبول من الجانب الأمريكي أو الإسرائيلي، إذ قوبلت بتجاهل واستخفاف، في ظل استمرار التحالف العسكري الوثيق بين واشنطن وتل أبيب من جهة، وباريس من جهة أخرى.
لكن في المقابل، ترى سعيد أن هذا الموقف الفرنسي يمثل تطوراً مهماً في النظرة الدولية لإسرائيل، خاصة بعد أن فقدت قدرتها على التلاعب بخطاب الدفاع عن النفس، في مقابل تصاعد صور الجرائم والانتهاكات، ما ساهم في تعرية ممارساتها أمام الرأي العام العالمي.
وتقول سعيد: "إن الخطوة الفرنسية – وإن كانت رمزية حتى الآن – تشكّل مؤشراً إيجابياً نحو تهيئة الأوضاع لإقامة دولة فلسطينية على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية".

تطور سياسي واستراتيجي غير مسبوق

الكاتب والمحلل السياسي والمختص في الشأن الأمريكي والعلاقات الدولية، د. حسين الديك، يقول إن إعلان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن نية بلاده الاعتراف بدولة فلسطين خلال اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة في أيلول المقبل يُمثل تطوراً سياسياً واستراتيجياً غير مسبوق، يُغيّر من ملامح التوازنات الدولية في ما يتعلق بالقضية الفلسطينية.
ويوضح الديك أن فرنسا ستكون أول دولة من مجموعة السبع الصناعية الكبرى تعترف رسمياً بدولة فلسطين، وهي خطوة ذات وزن سياسي كبير بالنظر إلى عضوية فرنسا الدائمة في مجلس الأمن، وقيمتها الاقتصادية والسياسية على الساحة الدولية.
ويشير الديك إلى أن هذا القرار يفتح المجال لتشكل غالبية داخل مجلس الأمن من الدول الدائمة العضوية التي تعترف بدولة فلسطين، إلى جانب روسيا والصين، وهو ما يشكّل قوة دبلوماسية ضاغطة لا يمكن تجاهلها.
ويلفت الديك إلى أن هذا الإعلان الفرنسي يُعد مؤشراً على تحول داخلي أيضاً، إذ تواجه باريس ضغوطاً من الجالية العربية والإسلامية لديها، وترغب في تهدئة هذه الأوساط ودمجها سياسياً واجتماعياً، موضحاً أن اعترافها بالدولة الفلسطينية يعكس رغبة في استعادة توازنها الأخلاقي والدولي بعد سنوات من التراجع في ملفات الشرق الأوسط.

إرادة فرنسية جدّية مدعومة شعبياً وبرلمانياً

ويحذر الديك من رد الفعل الإسرائيلي الغاضب، مشيراً إلى أن تل أبيب، إلى جانب واشنطن، ستسعيان لممارسة ضغوط كبيرة على الحكومة الفرنسية لثنيها عن تنفيذ الاعتراف.
إلا أن الديك يؤكد وجود إرادة سياسية فرنسية جدّية، مدعومة شعبياً وبرلمانياً، من الجمعية الوطنية الفرنسية والحكومة والرئاسة، وهي عوامل تجعل الموقف الفرنسي متماسكاً.
ويوضح الديك أن رسالة الرئيس محمود عباس التي أُرسلت مؤخراً من القيادة الفلسطينية إلى الرئيس الفرنسي وولي العهد السعودي، والتي تتضمن التزاماً بإجراء انتخابات رئاسية وتشريعية قبل نهاية العام، لعبت دوراً في تنسيق هذا الموقف الفرنسي، الذي جاء أيضاً كردّ معنوي على تعهدات فلسطينية تؤكد الجدية والمسؤولية السياسية.
ويبيّن الديك أن اعتراف فرنسا سيحفّز دولاً غربية كبرى أخرى على السير في الاتجاه ذاته، وعلى رأسها بريطانيا التي تواجه ضغوطاً داخلية مماثلة، إضافة إلى دول مثل البرتغال، وبلجيكا، وهولندا، ولوكسمبورغ، والدنمارك.

إسرائيل سترد بخطوات أحادية الجانب

أما بالنسبة لدول وسط أوروبا، مثل ألمانيا والنمسا وإيطاليا، فيعتبر الديك أنه من المستبعد أن تنضم إلى هذا التيار حالياً بسبب هيمنة اليمين الشعبوي، والحساسية التاريخية الخاصة بالقضية الفلسطينية.
ويشدد الديك على أن هذا التحول الفرنسي يُعد ضربة دبلوماسية لإسرائيل، التي تعتبر فرنسا من أبرز من مكّنها من التسلح النووي بعد النكبة، كما أن هذا الاعتراف يشكل "صفعة حقيقية" لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وحليفه الأمريكي دونالد ترمب.
ويتوقّع الديك أن ترد إسرائيل على هذا الإعلان بخطوات أحادية الجانب، من ضمنها تسريع الاستيطان، ومصادرة الأراضي، وضم مناطق من الضفة الغربية، خاصة المناطق المصنفة "ج"، مستندة إلى الدعم داخل الكنيست الإسرائيلي الذي صوّت 71 نائباً فيه لصالح ضم الضفة.
 ويرجّح الديك أن تلجأ إسرائيل إلى فرض عقوبات جديدة على السلطة الفلسطينية، من ضمنها حجز أموال المقاصة، وتشديد الحصار والحواجز في الضفة الغربية.
ويعتبر الديك الاعتراف الفرنسي يشكّل بوصلة جديدة للمجتمع الدولي تجاه الحق الفلسطيني، وقد يؤدي إلى تحولات جوهرية في السياسة الأوروبية والعالمية، باتجاه الاعتراف بدولة فلسطين على حدود الرابع من حزيران عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.

مجازر الاحتلال عبء أخلاقي وسياسي على عواصم أوروبا

بدوره، يعتبر الكاتب والمحلل السياسي المصري، والباحث في العلاقات الدولية والاستراتيجيات، د. عمرو حسين، أن إعلان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون نيته الاعتراف بدولة فلسطين في أيلول المقبل لا يُعد مجرد خطوة رمزية أو بروتوكولية، بل يمثل تحركاً سياسياً واستراتيجياً عميقاً يُعبّر عن تحوّل في المزاج الأوروبي تجاه العدوان الإسرائيلي المتواصل، وخاصة بعد تصاعد المجازر المرتكبة في قطاع غزة.
ويقول حسين، إن المجازر بحق المدنيين الفلسطينيين شكّلت عبئاً أخلاقياً وسياسياً متزايداً على العواصم الأوروبية، ودفع عدداً من الدول إلى إعادة النظر في مواقفها التقليدية، في ظل انكشاف الدور الأمريكي الذي لم يعد يُقنع الكثيرين بخطابه كـ"وسيط نزيه"، بعد أن بات انحيازه للسياسات الإسرائيلية واضحاً وفجاً.
ويوضح حسين أن باريس تسعى من خلال هذا الاعتراف إلى استعادة نفوذها الدولي، خصوصاً بعد تراجع دورها في ملفات إقليمية في الشرق الأوسط وأفريقيا.
ويؤكد حسين أن الاعتراف بدولة فلسطين يعيد لفرنسا مكانتها كدولة راعية للقانون الدولي وفاعلة في القضايا الإنسانية.
ويرى حسين أن الخطوة المرتقبة تحمل رسالة سياسية حازمة إلى إسرائيل بأن استمرار الاحتلال والاستيطان والعدوان لن يمر دون تكلفة، وأن أوروبا بدأت تتملص من الابتزاز السياسي الذي تمارسه تل أبيب منذ سنوات.

تل أبيب غاضبة جداً من التوجه الفرنسي

وحول الرد الإسرائيلي، يوضح حسين أن تل أبيب عبّرت عن غضبها الشديد، واعتبرت أي اعتراف بفلسطين بمثابة "مكافأة للإرهاب"، في محاولة لنزع الشرعية عن الحقوق الفلسطينية، ومن المتوقع أن تمارس ضغوطاً دبلوماسية مكثفة لمنع تنفيذ القرار الفرنسي.
ويشير حسين إلى أن تنفيذ الاعتراف سيكسر حاجزاً نفسياً وسياسياً مهماً، وقد يدفع دولاً أوروبية أخرى إلى اتخاذ مواقف مماثلة، خصوصاً تلك التي كانت مترددة، لكنها باتت ترى في دعم الحق الفلسطيني تعزيزاً لمكانتها الأخلاقية والدبلوماسية.
ويعتقد حسين أن اعتراف فرنسا، إذا تحقق، سيكون تطوراً نوعياً مؤثراً داخل الاتحاد الأوروبي، وقد يشكّل بداية لتحول في معادلة الصراع، داعياً إلى ضرورة استثمار هذه اللحظة سياسياً ودبلوماسياً على الساحتين العربية والدولية.





Powered by Froala Editor

دلالات

شارك برأيك

اعتراف فرنسا المرتقب.. تحوّل نوعي لصالح القضية الفلسطينية

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.