فلسطين

الإثنين 21 يوليو 2025 9:11 صباحًا - بتوقيت القدس

انتخابات المجلس الوطني.. خطوة تجديد أم قفزة في الهواء؟

خـاص بـ"القدس" و"القدس" دوت كوم

د. سعيد شاهين: خطوة الانتخابات تتطلب توافقاً حقيقياً مع القوى الفلسطينية الفاعلة على الأرض ودمج حماس والجهاد بالمنظمة

أكرم عطا الله: القرار يبعث برسالة بأن المجلس الوطني وسط حالة "الموات" ما زال قائماً وأن المؤسسة الفلسطينية لم تختفِ بعد

د. عمر رحال: المجلس الوطني منذ تأسيس منظمة التحرير حتى الآن لم يشهد انتخابات أو اجتماعات دورية منتظمة

نعمان عابد: توقيت الدعوة لانتخابات المجلس الوطني غير موفق وظروف غزة والشتات تحول دون إنجازها

د. رائد أبو بدوية: شروط الترشح والعضوية وفق القرار تُعد رسالة ضمنية لحركة حماس كي لا تشارك عملياً في هذه الانتخابات 

نهاد أبو غوش: هذا القرار قد يكون مجرد استجابة شكلية لمطالب الإصلاح الداخلية والضغوط الخارجية لينتهي الأمر بتأجيلها


 

وسط ظروف استثنائية، جاء إعلان الرئيس محمود عباس عن إجراء انتخابات المجلس الوطني قبل نهاية العام ليعيد النقاش حول جدية تجديد الشرعيات، وإن كانت تلك الانتخابات ستتم أم ستصطدم بالواقع الصعب.

ويرى كتاب ومحللون سياسيون ومختصون وأساتذة جامعات في أحاديث منفصلة مع "ے"، أن القرار يحمل رسالة سياسية للخارج والداخل بأن المؤسسات لم تختفِ بعد، لكنه يواجه تحديات ميدانية ومعوقات لوجستية مع استمرار حرب غزة وانقسام الساحة الفلسطينية.

ويقولون إن إنجاز هذه الانتخابات عملياً يستند نجاحها إلى إنهاء الانقسام وبناء توافق حقيقي مع الفصائل الفاعلة، خاصة حماس والجهاد، إلى جانب التزام الاحتلال بتعهداته الدولية، ودون ذلك، تبقى الخطوة محاولة رمزية قد تتحول إلى بديل معيق عن إصلاحات أعمق.

ويشيرون إلى أن سبب قرار الرئيس الذي صدر السبت، يرتبط بضغوط دولية وإقليمية لإظهار إصلاح النظام السياسي الفلسطيني وإثبات أهلية مؤسساته في أية تسوية قادمة، لكن غياب الإرادة الجامعة يهدد بتحويله إلى استحقاق شكلي يزيد الأزمة تعقيداً بدلاً من حلّها.

 

 

حاجة فلسطينية ملحة لكنها خطوة متأخرة جداً

 

 

يقول أستاذ الإعلام السياسي في جامعة الخليل، د. سعيد شاهين، أن توقيت الدعوة لإجراء انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني قبل نهاية العام الجاري، وفق قرار الرئيس محمود عباس، الذي صدر السبت، يُعد حاجة فلسطينية ملحة لكنه في ذات الوقت خطوة متأخرة جداً، واصفاً توقيتها في ظل حرب الإبادة المتواصلة على الشعب الفلسطيني بأنه توقيت "يكاد يكون عبثياً" وسط تغير المعادلات الجيوسياسية لصالح الولايات المتحدة، الداعم والشريك الاستراتيجي لدولة الاحتلال الإسرائيلي.

ويشدد شاهين على أن إصلاح النظام السياسي الفلسطيني، وخاصة منظمة التحرير الفلسطينية، ضرورة قصوى لمواجهة الأخطار والتحديات الكبرى التي تحيط بالقضية الفلسطينية وتهدد بتصفيتها عبر سياسات التطهير والتهجير القسري أو من خلال موجات التطبيع الإقليمي وتوسيع اتفاقيات "أبراهام"، إضافة إلى حالة الصمت والتخاذل الإقليمي والدولي الذي يُبقي القانون الدولي معطلاً أمام التوسع الاستيطاني المتسارع الذي يهدف لتقويض حل الدولتين وخلق واقع ميداني يصعّب من إمكانية بناء دولة فلسطينية مستقبلية.

ويرى شاهين أن نجاح خطوة الانتخابات يتطلب توافقاً حقيقياً مع القوى الفلسطينية الفاعلة على الأرض، وعلى رأسها حركتا حماس والجهاد الإسلامي، ودمجهما ضمن النظام السياسي الفلسطيني وعضوية منظمة التحرير الفلسطينية. 

 

إصلاح شامل لكافة مؤسسات النظام السياسي

 

ويشير شاهين إلى أن الحركتين ترفضان حتى الآن الانضمام بسبب عدم التزام إسرائيل بالاتفاقات الموقعة سابقاً وعدم احترامها للقانون الدولي الذي تنتهكه علناً عبر القتل والتدمير والمصادرة والحصار دون رادع.

ويدعو شاهين إلى ضرورة إنهاء الانقسام أولاً، وتطبيق اتفاق بكين، وصياغة استراتيجية وطنية موحدة تجمع الفلسطينيين حول برنامج سياسي واحد قبل الذهاب إلى انتخابات المجلس الوطني أو التشريعي، مع إصلاح شامل لكافة مؤسسات النظام السياسي الفلسطيني حتى لا تتحول الانتخابات إلى إجراء شكلي لا يلامس واقع الناس وتطلعاتهم.

ويؤكد شاهين أن إجراء الانتخابات يمكن أن يكون ممكناً ضمن إطار النقابات والمؤسسات والمنظمات الفلسطينية في الداخل والخارج مع مراعاة الواقع الميداني المأزوم. 

لكن شاهين يحذر من أن العلاقة المتوترة بين حركتي فتح وحماس، وما وصفه بـ"الهوة السحيقة" بين الحركتين، يجعل من فكرة الانتخابات حالياً أمراً رمزياً لا أكثر، مؤكداً أن الاحتلال قد يستغل هذا الانقسام لتصعيد سياسات التهجير، بدءاً من غزة وربما لاحقاً الضفة الغربية والقدس وحتى الداخل الفلسطيني المحتل، في مسعى لبناء دولة يهودية خالصة بدعم الإدارة الأمريكية الحالية.

 

 

التذكير بأن هناك مؤسسات فلسطينية ما زالت قائمة

 

من جانبه، يرى الكاتب والمحلل السياسي أكرم عطا الله أن قرار الرئيس محمود عباس بإجراء انتخابات للمجلس الوطني الفلسطيني قبل نهاية العام الجاري، يحمل أكثر من دلالة، أهمها أنه محاولة لتذكير الشعب الفلسطيني والعالم بأن هناك مؤسسات فلسطينية ما زالت قائمة رغم حالة "الموات" التي أصابت هذه المؤسسات منذ سنوات، وزادت وضوحاً خلال الحرب على غزة وما رافقها من غياب شبه كامل للدور المؤسسي الرسمي.

ويشير عطا الله إلى أن هذا الغياب المؤسسي كان محل تساؤلات من الفلسطينيين، وخاصة أهالي قطاع غزة الذين وجدوا أنفسهم في مواجهة كارثة إنسانية ووجودية وسط تراجع الحضور الرسمي للقيادة ومؤسساتها. 

ويرى عطا الله أن هذا الغياب شجع إسرائيل في لحظة ما على محاولة إنهاء الكيان المؤسسي الفلسطيني برمّته.

ويعتبر عطا الله أن الرئيس عباس من خلال قراره يريد أن يبعث برسالة بأن المجلس الوطني ما زال قائماً، وأن المؤسسة الفلسطينية لم تختفِ بعد.

 

تنفيذ القرار يكاد يكون مستحيلاً

 

لكن عطا الله يؤكد بوضوح أن الرئيس نفسه يدرك أن تنفيذ هذا القرار على أرض الواقع يكاد يكون مستحيلاً، مشيراً إلى أن إجراء الانتخابات داخل الأراضي الفلسطينية صعب جداً في ظل تجربة الضفة وغزة والقدس، حيث أن أعضاء المجلس التشريعي هم أصلاً أعضاء في المجلس الوطني، أمّا في الخارج، فإن العديد من الدول التي تستضيف الفلسطينيين تشهد اضطرابات أمنية وسياسية، بينما دول أخرى – مثل بعض دول الخليج – ترفض أصلاً السماح بإجراء أي انتخابات على أراضيها.

ويشدد عطا الله على أن الحديث عن انتخابات للمجلس الوطني هو أقرب إلى التذكير الرمزي بوجود مؤسسة فلسطينية منه إلى خطوة قابلة للتطبيق.

ويوضح عطا الله أن التوافق أو التعيين عبر الهيئات التخصصية للمنظمة قد يكون البديل العملي الوحيد، رغم ابتعاده عن الجوهر الديمقراطي الذي يُفترض أن تقوم عليه منظمة التحرير.

 

مطلوب إرادة سياسية صادقة تضمن التطبيق

 

بدوره، يؤكد الكاتب والمحلل السياسي ومدير مركز شمس لحقوق الإنسان، د. عمر رحال، أن قرار الرئيس محمود عباس إجراء انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني خطوة مهمة في ظاهرها إذا ما اعتُبرت مقدمة لإجراء انتخابات تشريعية ورئاسية شاملة في الأراضي الفلسطينية المحتلة. 

لكن رحال يشدد على أن الفيصل الحقيقي في ملف الانتخابات لم يكن يوماً في المراسيم والدعوات بقدر ما هو مرتبط بوجود إرادة سياسية صادقة تضمن التطبيق على أرض الواقع. 

ويستشهد رحال بتجارب سابقة، موضحاً أن قرار المحكمة الدستورية بحل المجلس التشريعي الفلسطيني عام 2018 جاء مشفوعاً بإعلان إجراء انتخابات خلال ستة أشهر، وهو ما لم يتحقق حتى اليوم، وكذلك في عام 2021 صدر مرسوم رئاسي لإجراء الانتخابات التشريعية، لكن سرعان ما أُلغيت دون إيضاح مقنع، رغم أن السبب المُعلن كان عدم القدرة على إجرائها في القدس. 

ويشير رحال إلى أن إجراء انتخابات حقيقية للمجلس الوطني يتطلب أولاً إرادة فلسطينية، لكن رحال يرى أيضاً أن هناك ضغوطاً ومطالبات خارجية تدفع السلطة الفلسطينية نحو هذه الخطوة، باعتبارها جزءاً من عملية إصلاح النظام السياسي التي يطالب بها المجتمع الدولي والدول الداعمة. 

 

تطبيق القرار على الأرض يواجه تحديات كبيرة

 

ويحذر رحال من أن تطبيق هذا القرار على الأرض يواجه تحديات كبيرة، أهمها التوزيع الجغرافي والواقعي للشعب الفلسطيني، موضحاً أن الأغلبية الساحقة من فلسطينيي الشتات يعيشون في الأردن، وغالبيتهم يحملون الجنسية الأردنية، ما يجعل مشاركتهم الفعلية غير واردة، ليقتصر الأمر على لاجئين فلسطينيين في سوريا ولبنان وقلة قليلة في بلدان الشتات الأخرى يمكنهم التصويت عبر القنصليات والسفارات والممثليات الفلسطينية، وهو ما يطرح تساؤلات جدية حول مستوى التمثيل الفعلي لهذه الانتخابات. 

ويؤكد رحال أن فلسطينيي الداخل المحتل (48) لن يشاركوا أيضاً، وبالتالي فإن اقتصار التمثيل على بقع جغرافية محددة وعدد محدود من الناخبين يحوّل هذه الانتخابات إلى خطوة شكلية لا تعكس حقيقة المجلس الوطني كـ"برلمان لكل الشعب الفلسطيني" وفقاً لميثاق منظمة التحرير الفلسطينية الذي تستند إليه شرعية منظمة التحرير الفلسطينية. 

ويؤكد رحال أن غياب الانتخابات الدورية للمجلس الوطني منذ تأسيسه لا يُعد فقط خللاً في البنية التنظيمية لمنظمة التحرير الفلسطينية، بل يمثل انتهاكاً صريحاً للمبادئ الأساسية للمشاركة السياسية والتمثيل الديمقراطي، وفي الأساس انتهاك لنظام انتخاب المجلس الوطني الفلسطيني الذي صدر بتاريخ 17-7-1965 .

 ويشير رحال إلى أن الخطورة تكمن في أن تتحول هذه الدعوة لانتخابات المجلس الوطني إلى بديل معيق عن إجراء انتخابات تشريعية حقيقية، وهو ما من شأنه أن يزيد المشهد السياسي الفلسطيني تعقيداً ويطيل عمر الأزمات الداخلية. 

ويؤكد رحال أن المجلس الوطني الفلسطيني منذ تأسيس منظمة التحرير عام 1964 وحتى اليوم لم يشهد انتخابات واجتماعات دورية منتظمة، بل ظل رهينة التعيين والتوافق والمحاصصة بين فصائل منظمة التحرير الفلسطينية.

 

"قفزة في الهواء" تقف خلفها مطالبات دولية

 

ويشدد رحال على أن أية محاولة لإجراء انتخابات للمجلس الوطني بمعزل عن انتخابات تشريعية ورئاسية شاملة، وفي ظل استمرار الانقسام السياسي، تُعد مخالفة لمبدأ الشمولية السياسية والوحدة الوطنية، وهي مبادئ أساسية نص عليها القانون الأساسي الفلسطيني وميثاق منظمة التحرير، بل وتهدد بإعادة إنتاج نظام سياسي مشوه، يعاني من أزمة تمثيل ومحدودية ثقة الشارع الفلسطيني، خاصة في ظل الفجوة المتزايدة بين المواطن ومؤسسات الحكم.

ويعتقد رحال أن هناك "قفزة في الهواء" تقف خلفها مطالبات دولية وإقليمية للضغط باتجاه تجديد شكل وطبيعة النظام السياسي الفلسطيني دون تمكين حقيقي للمواطنين الفلسطينيين من ممارسة حقهم في انتخاب ممثليهم عبر انتخابات تشريعية ورئاسية حقيقية. 

ويتساءل رحال: "من الذي سيشرف فعلياً على هذه الانتخابات إذا ما تم إجراؤها؟ هل ستكون لجنة الانتخابات المركزية الفلسطينية أم منظمة التحرير أم السلطة الوطنية الفلسطينية؟". ويشدد رحال على أن هذا الإشراف يمثل حجر الزاوية في ضمان النزاهة والشفافية والشرعية لهذه الانتخابات، فيما يحذر من أن تتحول هذه الانتخابات إلى أداة للإلهاء وإعادة إنتاج المشهد نفسه دون إصلاح حقيقي.

 

 

الرجوع إلى الشعب بصفته مصدر السلطات

 

من جهته، يؤكد الكاتب والباحث السياسي والمختص بالعلاقات الدولية نعمان عابد أنّ الرجوع إلى الشعب الفلسطيني، بصفته مصدر السلطات، ضرورة أساسية لا يختلف عليها اثنان، مشدداً على أن الدعوة لإجراء انتخابات عامة، بما فيها الرئاسية والتشريعية وتجديد عضوية المجلس الوطني الفلسطيني، مطلب ملحّ تأخر كثيراً في ظل انتهاء المدة الدستورية للرئاسة الفلسطينية والمجلسين التشريعي والوطني، إلى جانب الجمود الذي يعانيه المجلس الوطني وغيابه الطويل عن المشهد السياسي رغم التغيرات الكبيرة التي طرأت على الواقع الفلسطيني في الداخل والخارج.

وبحسب عابد، فإن إجراء هذه الانتخابات أمر أساسي لبناء مؤسسات دولة فاعلة تمتلك الشرعية لقيادة المشروع الوطني الفلسطيني، لكن عابد يعتبر أن توقيت الدعوة التي أطلقها الرئيس محمود عباس لعقد انتخابات المجلس الوطني قبل نهاية العام الحالي غير موفق إطلاقاً، خاصة في ظل حرب الإبادة الجماعية المستمرة ضد قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر 2023، ومع حكومة إسرائيلية عنصرية تتنكر لمتطلبات السلام، وتواصل خطط تصفية القضية الفلسطينية عبر الاستيطان وتهويد القدس وباقي الأراضي الفلسطينية.

ويوضح عابد أن العوامل اللوجستية والإقليمية تجعل إجراء هذه الانتخابات صعباً للغاية، مشيراً إلى أن جزءاً أساسياً من المجلس الوطني يمثل الفلسطينيين في الخارج، وهؤلاء يعيشون في دول تعاني أصلاً من أزمات كبيرة مثل لبنان وسوريا والعراق، مما يجعل ضمان مشاركتهم في عملية انتخابية نزيهة أمراً معقداً في ظل الظروف الراهنة.

 

لماذا لا يتم ربطها بانتخابات رئاسية وتشريعية شاملة؟

 

ويشدد عابد على أن الفلسطينيين في غزة لا يفكرون اليوم إلا بوقف العدوان والقتل والتهجير وإعادة الإعمار، مؤكداً أن الحديث عن انتخابات في هذه الظروف هو ترف لا مكان له قبل أن يستعيد الناس أمنهم وحياتهم الأساسية.

ويشير عابد إلى أنه حتى مع المهلة التي وضعتها الرئاسة لنهاية العام، من غير الواقعي توقع القدرة على إنجاز انتخابات حقيقية في ظل انسداد الأفق اللوجستي والميداني، لا سيما مع الحاجة إلى تنسيق إقليمي مع الدول التي تستضيف الفلسطينيين في الشتات والتي تعاني بدورها من أزمات داخلية وعدم استقرار.

ويلفت عابد إلى أن هذه الدعوة قد تكون محاولة لإرسال رسائل داخلية بأن هناك نية لتجديد الشرعيات، ورسائل للخارج بأن الفلسطينيين متمسكون بحقهم في بناء مؤسساتهم السيادية.

لكن عابد يحذر من أن تتحول هذه الدعوة إلى وسيلة لانعقاد المجلس الوطني بتركيبته الحالية لاتخاذ قرارات قد تمس قضايا وطنية مصيرية، بدلاً من إنجاز انتخابات حقيقية.

ويتساءل عابد: إذا كان بالإمكان عملياً إنجاز انتخابات للمجلس الوطني، فلماذا لا يتم ربطها بانتخابات رئاسية وتشريعية شاملة في توقيت واحد؟ معتبراً أن ذلك سيكون أكثر فائدة وأقل كلفة على الشعب الفلسطيني ويحقق هدفاً أكبر بتجديد الشرعيات كافة دفعة واحدة.

 

جزء من تعهدات مقدمة لأطراف عربية ودولية وأوروبية

 

أستاذ القانون الدولي والعلاقات الدولية في الجامعة العربية الأمريكية د. رائد أبو بدوية يرى أن قرار الرئيس محمود عباس بإجراء انتخابات للمجلس الوطني الفلسطيني قبل نهاية العام الجاري، لا ينفصل عن تعهدات سابقة قدمها الرئيس للقادة العرب ولأطراف دولية وأوروبية من أجل إثبات "أهلية" المؤسسات الوطنية الفلسطينية للعب دور أساسي في أي تسوية سياسية قادمة أو خطة لإعادة إعمار غزة.

ويشير أبو بدوية إلى أن الرئيس عباس كان قد أعلن أمام القمة العربية أثناء العدوان على غزة عزمه تنفيذ إصلاحات في مؤسسات منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية لإقناع العواصم العربية والغربية بقدرتها على أن تكون جزءاً من أي تسوية سياسية محتملة. 

ويلفت أبو بدوية إلى أن هذه التعهدات تم توجيهها بشكل مباشر أيضا برسالة خطية إلى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، قبل انعقاد مؤتمر نيويورك حول الدولة الفلسطينية وحل الدولتين، الذي كان من المفترض عقده في حزيران الماضي وتأجل، وسط توقعات بعقده قريباً.

ويوضح أبو بدوية أن "الهدف المعلن لهذه الإصلاحات قد يكون نبيلاً من حيث تعزيز مكانة منظمة التحرير كممثل شرعي للشعب الفلسطيني، لكن الطريقة والتوقيت يجعلانها أقرب إلى محاولة تسويق شكلية أمام الخارج، في ظل ظروف داخلية لا تساعد على تحقيق تغيير جوهري حقيقي".

 

كيف لأهالي غزة المحاصرين والمشردين المشاركة؟

 

ويعتبر أبو بدوية أن الإعلان عن الانتخابات في ظل حرب الإبادة والتهجير ضد غزة يعكس توقيتاً غير مناسب، متسائلاً كيف يمكن لأهالي القطاع المحاصر والنازحين والمشردين تحت القصف أن يشاركوا في هذه العملية السياسية، فيما الوضع في الضفة الغربية يزداد تعقيداً بفعل الهجمات والحصار والتوسع الاستيطاني.

ويحذّر أبو بدوية من أن شروط الترشح وعضوية المجلس الوطني التي وُضعت، بما فيها اشتراط الالتزام باتفاقيات منظمة التحرير والشرعية الدولية، تُعتبر رسالة ضمنية لحركة حماس كي لا تشارك عملياً في هذه الانتخابات، وهو ما يُكرّس حالة الانقسام بدلاً من رأبها.

ويشير أبو بدوية إلى أن "هذا التوجه الأحادي سيعمق من حالة الانقسام، وقد يترك انطباعاً بأن الحديث عن تجديد الشرعيات بهذه الطريقة وفي ظل هذه الظروف ما هو إلا تجديد وهمي وغير حقيقي". 

ويشدد أبو بدوية على أن الشرعية لا يمكن أن تُبنى بانتخابات مجتزأة، بل تحتاج إلى إصلاح شامل يشمل كل أطر ومؤسسات منظمة التحرير وليس المجلس الوطني فقط، إضافة إلى ضرورة استكمال الانتخابات التشريعية والرئاسية للسلطة الفلسطينية.

 

اشتراطات مسبقة تتناقض مع طبيعة المجلس الوطني

 

ويقول أبو بدوية: "إن اشتراط توجه سياسي مسبق لمن يرغب بالترشح للمجلس الوطني هو تناقض جوهري مع طبيعة هذا المجلس الذي يفترض أن يضع السياسات ويحدد البرامج لا أن تُفرض عليه شروط سياسية قبل انعقاده".

ويعتقد أبو بدوية أن هذه الخطوة قد لا تحقق الغاية المرجوة بإقناع الأوروبيين والعرب بجدية الإصلاح، خصوصاً إذا ظلت منفصلة عن التوافق الوطني المطلوب مع كل الفصائل الفلسطينية، بما فيها أحزاب المعارضة كحماس والجهاد والجبهات اليسارية.

ويؤكد أبو بدوية أن الفلسطينيين يحتاجون اليوم إلى حوار وطني حقيقي وعاجل أكثر من حاجتهم للقفز إلى الأمام بقرارات انفرادية.

ويقول أبو بدوية: "قد تكون هناك فرصة ثمينة الآن للاتفاق على برنامج سياسي موحد يعيد بناء منظمة التحرير ويعزز وحدتنا الداخلية في مواجهة الاحتلال، لكن ذلك يحتاج إلى إرادة سياسية جامعة، لا إلى انتخابات جزئية تزيد الفجوة وتعمق الشرخ القائم".

 

أسئلة جوهرية حول توقيت وجدوى القرار

 

بدوره، يقول الكاتب والمحلل السياسي نهاد أبو غوش إن إعلان إجراء انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني قبل نهاية العام الجاري، يطرح أسئلة جوهرية حول توقيت وجدوى القرار في ظل الأوضاع المأساوية التي يعيشها الشعب الفلسطيني، خاصة في قطاع غزة الذي يتعرض لحرب إبادة ممنهجة وحصار وتجويع ونزوح قسري متواصل.

ويتساءل أبو غوش: أين وكيف يمكن للمواطنين في غزة أن ينتخبوا؟ هل من المفترض أن تجرى الانتخابات تحت وابل القصف وفي مراكز الإيواء أو النزوح؟ أم في ما يسعى نتنياهو وكاتس لإقامته من مدينة إنسانية هدفها الفعلي تهجير الفلسطينيين؟. 

ويؤكد أبو غوش أن الحديث عن إجراء انتخابات في القدس في ظل الموقف الإسرائيلي الرافض والمتنكر للحقوق الفلسطينية، يعني عملياً إرجاء الانتخابات إلى أجل غير مسمى.

ويعتبر أبو غوش أن طرح هذه الأسئلة ليس من باب المناكفة أو التشكيك بل لترتيب الأولويات الوطنية، مشدداً على أن "الأولوية التي يجب ألا تعلو عليها أي قضية أخرى هي وقف الحرب وإغاثة غزة وتمكين أهلها من دفن شهدائهم ولملمة جراحهم والعودة إلى حياتهم الطبيعية". 

ويوضح أبو غوش أن هذا يتطلب تفعيل قرارات وطنية متفق عليها، في مقدمتها مخرجات اجتماع بكين، والتي تشمل تفعيل هيئة إحياء وتطوير منظمة التحرير، وتشكيل حكومة توافق وطني، وبرنامج طوارئ متفق عليه لإغاثة غزة.

 

قرار الانتخابات منقطع عن السياق الواقعي

 

ويرى أبو غوش أن قرار الانتخابات يبدو منقطعاً عن السياق الواقعي، لاسيما أن الهجوم الإسرائيلي لم يتوقف في غزة والضفة معاً. ويؤكد أبو غوش أن المنطق يفترض الترحيب بأي عملية انتخابية مهما كان مستواها لأنها السبيل الوحيد لتجديد الشرعية، لكنه يتساءل عن جدوى إصدار قرار خاص بانتخابات المجلس الوطني منفرداً، بينما يتم تجاهل الانتخابات الرئاسية والتشريعية التي نص عليها القانون رقم 3 الصادر في يناير 2021، وكذلك المرسوم الرئاسي رقم 12 في أبريل من العام نفسه، والذي ربط بين هذه الاستحقاقات الثلاثة.

كما يطرح أبو غوش تساؤلات حول مدى وجود حوار وطني حقيقي يسبق مثل هذا القرار، سواء كانت اللجنة التنفيذية قد ناقشت توزيع مقاعد المجلس الوطني البالغ عددها 350 مقعداً بين الداخل والخارج وفق آليات ديمقراطية شفافة، أم أن القرارات تدار الآن بمراسيم رئاسية دون مشاركة حقيقية من القوى الوطنية.

ويعتبر أبو غوش أن الظروف السياسية الحالية، خاصة حرب الإبادة المستمرة وظروف دول الإقليم التي تضم جاليات فلسطينية كبرى مثل الأردن وسوريا ولبنان، لا تتيح مجالاً لتنفيذ الانتخابات في موعدها، مشيراً إلى أن هذا القرار قد يكون مجرد استجابة شكلية لمطالب الإصلاح الداخلية والضغوط الخارجية، لينتهي الأمر بتأجيلها بذريعة استمرار العدوان الإسرائيلي ورفض الاحتلال لإجرائها في القدس.

ويشدد أبو غوش على أن هذه الممارسات قد تبقي الباب مفتوحاً للعودة إلى المجلس المركزي الذي حل عملياً مكان المجلس الوطني وتم تضخيمه بطرق غير قانونية، مع استمرار الأسئلة حول شرعيته، بدلاً من التوجه لصيغ وطنية توافقية تلتزم بقرارات الإجماع الوطني، من اجتماعات الأمناء العامين وحتى قرارات المجلس الوطني في دورته الأخيرة عام 2018.

دلالات

شارك برأيك

انتخابات المجلس الوطني.. خطوة تجديد أم قفزة في الهواء؟

فلسطيني قبل 11 شهر

نابلس - فلسطين 🇵🇸

الأولوية الان هي رص الصفوف و قف التغول الاسراىيلي خاصة اليمين المتطرف بقيادة نتنيهن وبن غفير وسيمرتش ودعم غزة لم اوتينا من قوة لكي لا نقول اكلت يوم اكل الثور الاسود وهذا التغول

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.