إذا بقي هذا الحال من العزوف والخذلان والتلكؤ في وقف العدوان، فإن كل من في غزة فان، بعد أن تقلصت مساحتها، وضاقت حتى استحكمت حلقاتها على سكانها، الذين نصبوا خيامهم بجوار أمواج البحر الهائجة، فمنهم من قضى نحبه قتلاً وتجويعاً وموتاً زؤاماً بفخاخ المساعدات، وقصفاً بالطائرات، ومنهم من ينتظر في طابور الموت اليومي، لا يعلم متى تأتيه الرصاصة القاتلة أو القذيفة المدمرة، فيستحيل أشلاءً، أو يختفي تحت الأنقاض مع أطفاله النائمين بأمعاء خاوية.
في السعير يتساقط الناس في الشوارع من أثر الجوع الشديد، ويموت الأطفال من نقص الحليب والدواء وانتشار الأوبئة والأمراض، وفي السعير يختفي الطحين، وإن وُجد فلا تطوله أمعاء الزاحفين على بطونهم، الذين يكابدون آلامهم وأوجاعهم وأحزانهم على مَن فقدوا من أحبائهم وثمرات قلوبهم.
في المسغبة، بلغ عدد الضحايا من الأطفال، خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية، ثمانية عشر كوكباً قضوا بين نحيب أمهاتهم، ودموع آبائهم، الذين يكابدون القهر لعجزهم، وقلة حيلتهم عن توفير ما يسدّ جوع أبنائهم ويُنقذ حياتهم.
عشرون، أربعون، ثمانون، مئة وستون، ذلكم هو المؤشر اليومي لعداد الضحايا، بالغارات على المنازل والخيام تارة، وطوراً أمام مصائد المجوّعين، الذين لم يعد لديهم سوى الاختيار بين السيئ والأسوأ.
محمد، شاب في ربيع العمر، لم يستطع الانتظار أمام صرخات إخوته الأطفال، فاختار المشي تحت صهد تموز لساعات، لكي يجلب لهم ما يقيم أودهم من مصائد الموت في رفح، لكنه خرج ولم يعد، وترك إخوته ووالديه يتضورون الجوع وألم الفقد.
أمس، وخلال مكالمة معه في مواصي خان يونس، بكى صاحبي لـمّا رأى الجوع دونه، وفوق طاقته على توفير ربع رغيفٍ لأبنائه، الذين لم يدخل الزاد أفواههم منذ أيام.. بكاءٌ هبط على قلبي مثل السياط.... يااااااااا الله!





شارك برأيك
بكى صاحبي لـمّا رأى الجوع دونه!