فلسطين

الأحد 20 يوليو 2025 8:40 صباحًا - بتوقيت القدس

صرخة منتصف الليل.. النداء الأخير قبل غرق السفينة

خاص بـ "القدس" و"القدس" دوت كوم-

د. مؤيد عفانة: الحلول الفنية لدى وزارة المالية استُنفدت بالكامل ومرونة المناورة باتت معدومة ما يستوجب التحرك للضغط نحو الإفراج عن أموال المقاصة

د. يوسف داود: السلطة اعتادت تاريخياً على إنقاذها من الانهيار المالي عبر تدخلات خارجية ودعم من دول مانحة لمنع الانهيار الكامل وهو ما يجب أن يتوقف

أيهم أبو غوش: السلطة أمام أخطر أزمة مالية في تاريخها قد تمتد لتهدد الاقتصاد الوطني ككل بتباطؤ النشاط الاقتصادي وارتفاع معدلات الفقر والبطالة بشكل غير مسبوق

د. ثابت أبو الروس: السلطة قد تتجه إلى موازنة مالية طارئة للعام القادم تعتمد فقط على الإيرادات الفعلية المتحققة دون أي رهانات على تمويل آخر

د. دلال عريقات: احتجاز أموال المقاصة من قبل الاحتلال الإسرائيلي يكشف عن عجز مالي حقيقي لكنه لا يبرر العجزَين الإداري والسياسي القائمَين

عوني المشني: قرارات الحكومة بتقليص الخدمات "نكتة سمجة" ولا يمكن معاقبة المواطن بينما الاحتلال يحتجز أمواله


تعيش السلطة الوطنية الفلسطينية واحدة من أخطر الأزمات المالية منذ تأسيسها، حيث حذّرت الحكومة علناً من احتمال توقف بعض الخدمات الحيوية وتقليص عمل المؤسسات الرسمية إذا استمر احتجاز أموال المقاصة من قبل إسرائيل، وهو ما يرى البعض أنه قد يكون مقدمةً لانهيار مالي محتمل إن لم تكن هناك ضغوطات أو بدائل تنعش السلطة وتنقذها من أزمتها.

ويرى خبراء ومحللوت اقتصاديون وأساتذة جامعات وكتاب ومحللون سياسيون، في أحاديث منفصلة مع "ے"، أن هذه التحذيرات تعكس واقعاً مأزوماً تُكابد فيه الحكومة لتأمين رواتب موظفيها ونفقاتها الأساسية، وسط تآكل الإيرادات وانسداد البدائل وانكماش الاقتصاد بفعل الأزمات المركبة.

ويشيرون إلى أنه في ظل استنفاد الحلول المالية والاقتراض القصير الأجل، يلوح شبح انهيار الخدمات العامة بالوزارات كتهديد حقيقي يطول حياة المواطنين اليومية، ويطرح تساؤلات عميقة حول قدرة الحكومة على الصمود بلا تدخل دولي أو إعادة ضبط لأولوياتها المالية.


تحذيرات الحكومة تعكس واقعاً مالياً خطيراً


ويقول الخبير الاقتصادي د. مؤيد عفانة إن تحذيرات الحكومة الفلسطينية الأخيرة بشأن احتمال إيقاف بعض الخدمات في المؤسسات الرسمية وتقليص تقديم الخدمات الحيوية ليست مجرد رسائل ضغط، بل تعكس واقعاً مالياً خطيراً وصلت إليه السلطة الوطنية الفلسطينية، نتيجة استمرار احتجاز أموال المقاصة من قبل إسرائيل، ما يهدد بتوقف فعلي للخدمات العامة الأساسية ويقرب البلاد من شبح الانهيار المالي البنيوي.

ويوضح عفانة أن أي حكومة تحتاج لتوفير البنية المالية الأساسية من الرواتب، وتأمين بدل التنقل للموظفين، وتغطية النفقات التشغيلية الأساسية، مثل توريد الأدوية، وشراء الخدمات الصحية من المستشفيات الخاصة، وتأمين الكتب المدرسية، ودعم الوقود، وتوفير مخصصات الأسر الفقيرة، كما تشمل النفقات التشغيلية مصاريف تشغيل الوزارات والأجهزة الأمنية، من وقود وطعام وكهرباء ومياه وإيجارات وغيرها من أساسيات استمرار العمل الحكومي.

ويبيّن عفانة بالأرقام أن إيرادات المقاصة، حتى بعد الاقتطاعات الإسرائيلية، تظل المورد الرئيسي الذي تعتمد عليه الحكومة الفلسطينية، كون إيرادات المقاصة تشكّل بالأصل نحو 65% من الإيرادات العامة، بينما تغطي الإيرادات المحلية نحو 30% فقط، ويأتي الدعم الخارجي الهزيل ليشكّل نسبة لا تتجاوز 5% من مجمل الإيرادات.


890 مليون شيكل لصرف 70% من الرواتب


ويشير عفانة إلى أنه من دون أموال المقاصة لن تتمكن الحكومة من دفع الرواتب، حتى بنسبة 70% التي التزمت بها خلال الفترة الماضية، حيث تحتاج وزارة المالية إلى ما لا يقل عن 890 مليون شيكل شهرياً لصرف هذه النسبة من الرواتب وأشباه الرواتب، إضافة إلى 400 مليون شيكل أخرى لتغطية النفقات التشغيلية الشهرية الأساسية، خاصة مع استحقاق القروض على السلطة ودعم الوقود.

ويوضح عفانة أنه خلال الأشهر الماضية، لجأت وزارة المالية إلى تجميع كل ما أمكنها من الإيرادات المحلية، إلى جانب ما يتم تحويله من أموال المقاصة بعد الاقتطاعات، إضافة إلى دعم خارجي محدود، وبعض القروض قصيرة الأجل، لتأمين صرف الرواتب جزئياً بنسبة وصلت إلى 70%، ومع وقف تحويل إيرادات المقاصة كلياً منذ شهرين، أصبحت الإيرادات المتاحة محصورة في الإيرادات المحلية التي تضررت بشدة نتيجة انكماش الدورة الاقتصادية، والإغلاقات جراء التصعيد العسكري الإسرائيلي – الإيراني، وأزمة تكدّس الشيكل.

وبحسب عفانة، فقد ساهم الدعم السعودي بقيمة 30 مليون دولار، والدعم الأوروبي المحدود ضمن الحزمة المالية المبرمجة، في تمكين وزارة المالية من صرف النسبة المتبقية (35%) من رواتب الموظفين بداية شهر يوليو الحالي، ليكتمل صرف نسبة 70%، غير أنّ استحقاق رواتب جديدة بات معلقاً حتى اللحظة، بسبب استمرار احتجاز المقاصة بالكامل. 


إسرائيل تحتجز 8.2 مليار شيكل


ووفق عفانة، تبلغ قيمة المقاصة المحتجزة عن شهري مايو ويونيو الماضيين، حوالي 889 مليون شيكل، في حين يصل إجمالي المبالغ المحتجزة بشكل تراكمي إلى 8.2 مليار شيكل.

وفي ظل هذه المعطيات، يرى عفانة أن استمرار الوضع الراهن ينذر بتوقف قدرة الحكومة على تقديم الخدمات العامة بشكل شبه كامل، مع بدء بعض القطاعات الخدماتية بتقليص دوام موظفيها للحد الأدنى، وسط توقعات بانضمام المزيد من القطاعات إذا طال أمد الأزمة. 

ويحذر عفانة من أن ذلك سيطلق ما وصفه بـ"تأثير الدومينو" الذي قد يؤدي إلى انهيار مالي بنيوي هو الأخطر منذ تأسيس السلطة الفلسطينية عام 1994.

ويشدد عفانة على أن الحلول الفنية لدى وزارة المالية قد استنفدت بالكامل، وأن مرونة المناورة باتت معدومة في ظل طول الأزمة، ما يفرض ضرورة تحرك فلسطيني سياسي عاجل على أعلى مستوى، مدعوماً بتدخل دولي حقيقي للضغط على إسرائيل للإفراج عن أموال المقاصة، على الأقل تلك المحتجزة عن الشهرين الأخيرين.


التدخلات الأوروبية لا تزال خجولة


ويشير عفانة إلى أن التدخلات الأوروبية لا تزال خجولة وغير كافية لمستوى الأزمة، بينما لا يزال وزير المالية الإسرائيلي سموتريتش يستخدم احتجاز أموال المقاصة كورقة ابتزاز سياسية لتحقيق مكاسب داخلية ودولية، خاصة لمنع فرض عقوبات أوروبية على إسرائيل أو على شخصه، إلى جانب مكاسب تتعلق بتعزيز الاستيطان.

أما على مستوى التدخل الأمريكي، الذي يعد الأكثر تأثيراً على إسرائيل، فيؤكد عفانة أن هذا الضغط غائب عملياً منذ فوز الرئيس ترمب بولايته الجديدة، بينما تبقى التحركات العربية محدودة سواء على صعيد الضغط السياسي أو توفير شبكة أمان مالية فعالة.

ويشدد عفانة على أن إطلاق حملة فلسطينية شاملة، تتضمن تحركاً قانونياً دولياً، بات ضرورة ملحة لاسترداد أموال المقاصة كاملة، محذراً من أن الإفراج الجزئي عن دفعات الشهرين الأخيرين قد يؤجل الانهيار لكنه لن يعالجه جذرياً، في ظل تراكم الديون والالتزامات التي وصلت إلى نحو 13 مليار دولار، أي ما يعادل 86% من الناتج المحلي الإجمالي.


سوء إدارة واستخدام غير رشيد للمصادر العامة


من جانبه، يقول أستاذ الاقتصاد في جامعة بيرزيت د. يوسف داود أن الحكومة الفلسطينية يجب ألا تعجز عن تقديم بعض الخدمات الحيوية للمواطنين، مشيراً إلى أنها لا تزال تمتلك مصادر مالية جيدة يمكن أن تفي بسداد جزء كبير من التزاماتها الأساسية.

ويوضح داود أن الحكومة تحصل على إيرادات ثابتة من عدة ضرائب تُفرض على المواطنين، أبرزها الضرائب المفروضة على الوقود والسجائر، إضافة إلى الضرائب التي يجري تحصيلها من المسافرين عبر معبر الكرامة، وهي مصادر يُفترض أن تُستخدم في تغطية النفقات الحيوية والالتزامات الأساسية تجاه المواطنين بدلاً من العجز عن توفيرها، وإن عجزت عليها أن تبحث عن مصادر أخرى.

ويشدد داود على أن استمرار الحكومة في العجز عن تقديم بعض الخدمات الحيوية رغم هذه الإيرادات يدل بوضوح على وجود سوء إدارة واستخدام غير رشيد للمصادر العامة من قبل السلطة الوطنية الفلسطينية.


السلطة لم تعد تقدم دعماً مالياً حقيقياً للجامعات


ويؤكد داود أن السلطة الوطنية الفلسطينية اعتادت تاريخياً على سيناريو إنقاذها من الانهيار المالي عبر تدخلات خارجية ودعم من دول مانحة لمنع الانهيار الكامل، وهو ما حدث مراراً منذ تأسيسها عام 1994 وحتى اليوم، معتبراً أن الاعتماد الدائم على هذا السيناريو يجب أن يتوقف لصالح البحث عن حلول مستدامة وقابلة للتطبيق لتأمين الإيرادات اللازمة.

وينتقد داود أولويات الإنفاق لدى الحكومة، مبيناً على سبيل المثال أن السلطة اقتطعت منذ تأسيسها جزءاً كبيراً من مخصصات الجامعات، ولم تعد تقدم لها دعماً مالياً حقيقياً، رغم الأهمية القصوى للتعليم العالي في بناء المجتمع الفلسطيني، متسائلاً: "إذا لم تكن الجامعات من أولويات الحكومة، فما هي إذن أولوياتها الفعلية؟".

ويدعو داود خلال حديثه بدعوة صريحة للحكومة الفلسطينية لإعادة النظر في طريقة إدارة مواردها، وضبط النفقات وتوجيهها بما يضمن استمرار تقديم الخدمات الحيوية للمواطنين، بعيداً عن سياسة الإنفاق العشوائي والاعتماد على الإنقاذ الخارجي الدائم.


السلطة عاجزة عن توفير الحد الأدنى من التزاماتها المالية


بدوره، يؤكد الصحفي المختص بالشأن الاقتصادي أيهم أبو غوش أنّ السلطة الوطنية الفلسطينية تمرّ اليوم بأصعب مرحلة مالية منذ تأسيسها، في ظل تصاعد الأزمة بشكل غير مسبوق ووصولها إلى حد العجز عن توفير الحد الأدنى من التزاماتها المالية، سواء على صعيد صرف رواتب الموظفين أو سداد مستحقات القطاع الخاص أو حتى تغطية النفقات التشغيلية وخدمة الدين العام.

ويشير أبو غوش إلى أنّ الاجتماع المفاجئ للحكومة الفلسطينية مؤخراً وما تبعه من بيان رسمي يحذّر من توقف الخدمات في المؤسسات العامة والقطاعات الحيوية، جاء ليكشف بوضوح خطورة المأزق المالي الذي وصلت إليه السلطة، نتيجة التراجع الحاد في الإيرادات مقابل استمرار النفقات بمستويات مرتفعة.

ويوضح أبو غوش أنّ أموال المقاصة – التي تشكّل حوالي 68% من إيرادات السلطة – ما تزال محتجزة بشكل كبير من الجانب الإسرائيلي، ما أدى إلى تفاقم الأزمة التي ازدادت حدتها منذ أحداث السابع من أكتوبر 2023، حين تصاعدت وتيرة الاقتطاعات ووصلت التحويلات إلى أقل من 40% من قيمتها الفعلية.

ويبيّن أبو غوش أنّ السلطة كانت تعتمد على ما يتبقى من أموال المقاصة إلى جانب الاقتراض المحلي والمساعدات الخارجية لتغطية جزء من التزاماتها، لكن مع بلوغ الاقتراض المحلي حده الأقصى وتراجع الدعم الخارجي مقارنة مع سنوات سابقة، لم يعد أمام الحكومة سوى انتظار الإفراج عن الأموال المحتجزة لدى الجانب الإسرائيلي لتجنّب انهيار مالي كامل.

وبحسب أبو غوش، فإن وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش يواصل احتجاز دفعات المقاصة الأخيرة، ويستخدمها كورقة ضغط وابتزاز سياسي أمام الاتحاد الأوروبي، في محاولة لإفشال أي عقوبات قد تُفرض عليه وعلى الوزير المتطرف إيتمار بن غفير. 


توقع انفراجة محدودة خلال الأيام أو الأسابيع المقبلة


ويحذّر أبو غوش من خطورة بقاء هذه الأموال رهينة المساومات الإسرائيلية الداخلية والخارجية، مؤكداً أنّها أموال ضريبة فلسطينية خالصة يجب تحويلها تلقائياً دون ابتزاز أو شروط.

ويوضح أبو غوش أنّ النفقات العامة للسلطة تصل إلى نحو مليار ونصف المليار شيكل شهرياً منها نحو مليار شيكل للرواتب وأشباه الرواتب، وهي تشكّل شريان حياة للدورة الاقتصادية في الأراضي الفلسطينية، ومع استمرار احتجاز أموال المقاصة، فإن الخطر لا يقتصر على عجز السلطة عن تقديم الخدمات، بل يمتد ليهدد الاقتصاد الوطني ككل، عبر تباطؤ النشاط الاقتصادي وارتفاع معدلات الفقر والبطالة بشكل غير مسبوق.

ويتوقّع أبو غوش أنّ السيناريو الأقرب المتوقع خلال الفترة المقبلة يتمثل في حدوث انفراجة محدودة خلال الأيام أو الأسابيع المقبلة، مع احتمال الإفراج عن آخر دفعتين من أموال المقاصة المستحقة، والتي تقدّر بنحو 890 مليون شيكل، ما سيمكن الحكومة من دفع نحو 70% من رواتب الموظفين وتغطية بعض الخدمات الأساسية. 

لكن أبو غوش في المقابل يستبعد الإفراج الكامل عن أموال المقاصة المتراكمة – التي تصل إلى 9 مليارات شيكل – لكون معظمها محجوزاً بقرارات من الكنيست الإسرائيلي، خصوصاً تلك المخصّصة لأسر الشهداء والجرحى والأسرى، إضافة إلى القضايا المرفوعة ضد السلطة أمام المحاكم الإسرائيلية.

ويشدد أبو غوش على أن استمرار الوضع القائم دون تحرك جدي من المجتمع الدولي، وخاصة الأطراف التي رعت الاتفاقيات الموقعة بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، سيزيد من احتمالات الانهيار المالي. 

ويؤكد ابو غوش أنّه رغم صمت الولايات المتحدة الأمريكية، إلا أنّ الضغط الأوروبي مستمر، مع بقاء الآمال معلّقة على تحركات تضمن تحويل الأموال الفلسطينية دون تأخير، حفاظاً على ما تبقى من استقرار اقتصادي واجتماعي في الأراضي الفلسطينية.


أزمة المقاصة وتراجع مصادر التمويل الخارجية والمحلية


من جهته، يحذّر الخبير والمحلل الاقتصادي د. ثابت أبو الروس من أنّ الحكومة الفلسطينية باتت مهددة بعجز مالي خانق قد يفقدها القدرة على تغطية التزاماتها الأساسية، في ظل استمرار أزمة أموال المقاصة وتراجع مصادر التمويل الخارجية والمحلية، إلى جانب تعقيدات سياسية تزيد المشهد غموضاً.

ويوضح أبو الروس أنّ الحكومة الفلسطينية حين أقرّت موازنة عام 2025، وضعت تقديراتها بناءً على تدفقات نقدية متوقعة من ثلاث ركائز رئيسية: أموال المقاصة التي تشكل نحو ثلثي الإيرادات، ثم التبرعات والمنح الخارجية، وأخيراً الإيرادات المحلية من ضرائب ورسوم متنوعة، لكنّ المفاجأة كانت في حجم الاقتطاعات من أموال المقاصة الذي فاق كل التقديرات، ما أخلّ بالمعادلة المالية وأدخل الحكومة في مأزق خانق.

ويبيّن أبو الروس أنّ الإنفاق الحكومي ينقسم بين رواتب الموظفين والنفقات التشغيلية ومشاريع البنية التحتية، وكلها تعتمد بشكل رئيسي على انتظام الإيرادات، ومع تأخّر تحويل الأموال أو اقتطاعها، تجد الحكومة نفسها مضطرة للبحث عن مصادر تمويل بديلة لكن البدائل غير متوفرة حتى الان، سواء من البنوك المحلية – التي استُنفد سقف الاقتراض منها بحدود ثلاثة إلى أربعة مليارات شيكل – أو من خلال طلب مساعدات عربية ودولية لم تصل حتى الآن بالقيمة المطلوبة.

وحول احتمالات الإنقاذ للوضع المالي، يوضح أبو الروس أنّ هذه الأزمة ليست جديدة لكنها المرة الأولى التي تصدر فيها الحكومة بياناً بهذه الصيغة التحذيرية عقب جلسة طارئة، في محاولة لإيصال رسالة واضحة للعالم، وخاصة الدول العربية، بضرورة التدخل قبل انهيار السلطة مالياً. 

ويشير أبو الروس إلى أنه رغم وجود بعض التعهدات مثل شبكة الأمان العربية بقيمة 100 مليون دولار، إلا أنها لم تُفعّل بعد، بينما الدعم الأوروبي الموعود بقيمة 1.8 مليار يورو ما زال معلقاً بشروط وإجراءات لم تُترجم على أرض الواقع.


الأزمة سياسية قبل أن تكون مالية


ويشير أبو الروس إلى أنّ البدائل المحلية مثل تعزيز الضرائب تواجه تحديات حقيقية، بسبب تراجع النشاط الاقتصادي وإغلاق آلاف المشاريع الصغيرة، مما يحدّ من قدرة الحكومة على الاعتماد على مصادرها الذاتية. 

ويرى أبو الروس أن تحذيرات الحكومة بأنها قد تلجأ إلى خيار تقليص عمل بعض الوزارات وبما يترتب عليها ربما إخراج موظفين في إجازات بدون راتب تعد خطوة صعبة وجريئة في آن واحد.

ويؤكد أبو الروس أنّ أحد السيناريوهات المطروحة يبقى ممارسة ضغوط أمريكية على إسرائيل للإفراج عن نحو 9 مليارات شيكل من أموال المقاصة المحتجزة.

ويشدد أبو الروس على أنّ الأزمة سياسية قبل أن تكون مالية، وأنّ أي مساهمات خارجية ستكون محدودة وغير كافية لتغطية الاحتياجات الفعلية.

ويشير أبو الروس إلى أنّ الحكومة ستبدأ قريباً إعداد موازنة 2026 وسط توقعات بمزيد من العجز الموروث من العام الحالي، مرجحاً أن تتجه السلطة إلى إدارة مالية طارئة تعتمد فقط على الإيرادات الفعلية المتحققة دون أي رهانات على توقعات التمويل أو التدفقات الخارجية.


تعطيل حياة المواطنين ووقف الخدمات الحيوية غير مقبول


أستاذة الدبلوماسية وحل الصراعات في الجامعة العربية الأمريكية د. دلال عريقات تقول إنّ تحذيرات الحكومة الفلسطينية الأخيرة بشأن احتمال إيقاف بعض الخدمات الحيوية في المؤسسات الرسمية، بسبب استمرار احتجاز أموال المقاصة من قبل الاحتلال الإسرائيلي، تكشف عن عجز مالي حقيقي لكنه لا يبرر العجز الإداري والسياسي القائم.

وتوضح عريقات أنّه من الطبيعي أن يؤدي احتجاز أموال المقاصة إلى أزمة مالية خانقة، إلا أنّ ترجمة هذا الواقع بشكل مباشر إلى تعطيل حياة المواطنين ووقف الخدمات الحيوية أمر غير مقبول، مشيرةً إلى أنّ غالبية هذه الخدمات تُدار من خلال طواقم مهنية وإدارية مؤهلة قادرة على الاستمرار بتقديم الخدمات الأساسية حتى في ظل غياب الامتيازات أو السفر والبدلات والنثريات الممنوحة للوزراء وكبار المسؤولين.

وتنتقد عريقات ما وصفته بـ"نبرة التهديد بالعجز الكامل"، معتبرةً أنّ إصدار مثل هذه القرارات وبهذه النبرة يعكس حالة من الاستسلام السياسي ولا يليق بحكومة مسؤولة عن شعب يعيش تحت الاحتلال. 

وتشدد عريقات على ضرورة أن تضع الحكومة رؤية طوارئ واقعية تضمن الحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار المجتمعي واستمرارية الخدمات، وذلك عبر أولويات واضحة وبرنامج لترشيد الإنفاق بشكل فعلي، بعيداً عن لغة الشكوى والبيانات الإنشائية.


تراجع سقف الطموح الفلسطيني الرسمي


وبخصوص التحركات الدولية، تلفت عريقات إلى أنّ ما جرى في اجتماعات بروكسل وغيرها لا يتجاوز حدود الضغط الدبلوماسي على إسرائيل للإفراج عن أموال المقاصة، من دون اتخاذ خطوات سياسية أو قانونية جدية ضد ممارسات الاحتلال المالية. 

وتشير عريقات إلى أنّ الاتحاد الأوروبي يكتفي بإصدار بيانات "حثّ" و"دعوة" وكأن القضية نزاع مالي بين طرفين متساويين وليست نتيجة احتلال اقتصادي ممنهج.

وتبدي عريقات أسفها حيال ما وصفته بتراجع سقف الطموح الفلسطيني الرسمي إلى حدود المطالبة برواتب الموظفين فقط، في ظل غياب السياسات الجذرية وتأجيل المعالجات البنيوية للأزمة الوطنية الشاملة.

وتحذّر عريقات من أنّ استمرار الأزمة دون إصلاحات إدارية أو تدخل مالي جاد قد يفتح الباب أمام سيناريوهات خطيرة، من بينها تدهور الخدمات العامة وتفكك تدريجي للجهاز الإداري، مع تصاعد محتمل لحراك شعبي إذا عجزت الحكومة عن تأمين الأساسيات.

وتدعو عريقات الحكومة إلى تقديم خطط بديلة عملية تقوم على الترشيد والمحاسبة والشراكة المجتمعية، مؤكدةً أنّ المرحلة الحالية تتطلب إرادة سياسية حقيقية وشفافية ومسؤولية وطنية، بعيداً عن إدارة الأزمات بسياسات ارتجالية وانتظار الإفراج عن الأموال أو رحمة المانحين.


الأزمة الاقتصادية نتيجة طبيعية لسياق سياسي معقد


بدوره، يرى الكاتب والمحلل السياسي عوني المشني أن الأزمة الاقتصادية الفلسطينية ليست ظرفاً طارئاً ولا أزمة مرتبطة بحدث بعينه، بل هي نتيجة طبيعية لسياق سياسي معقد نشأت فيه السلطة الفلسطينية منذ توقيع اتفاق أوسلو وما تبعها من ترتيبات اقتصادية، أبرزها اتفاقية باريس التي أرست تبعية مالية عميقة للاحتلال. 

ويوضح المشني أن طريقة تحصيل الضرائب عبر نظام المقاصة الإسرائيلية والارتباط البنيوي بالنظام المالي الإسرائيلي يجعل من الاقتصاد الفلسطيني اقتصاداً تابعاً تتحكم فيه سلطات الاحتلال بشكل مباشر، مما يخلق أزمة مزمنة تلازم بنية هذا الاقتصاد ولا تترك له مساحة حقيقية للنمو المستقل.

ويؤكد المشني أن الحديث عن "اقتصاد وطني" في ظل هذه المعطيات ليس أكثر من ترميز سياسي، بينما الواقع يؤكد أن الاحتلال يتحكم بكل مفاصل الدورة المالية، ويستخدم هذا التحكم كأداة ضغط سياسي دائمة. 

وبرأي المشني، فإن جزءاً من هذه الأزمة كان يمكن التخفيف منه عبر تبني سياسات اقتصادية حقيقية تقوم على فكرة اقتصاد الصمود، من خلال تشجيع الإنتاج المحلي ووضع خطط واضحة تدعم الاكتفاء النسبي وتقليل الاعتماد على السوق الإسرائيلي.

لكن المشني يرى أن ما جرى هو العكس، إذ ساهم الرأسمال الوطني في إضعاف القاعدة الإنتاجية عبر التركيز على الاستيراد، واحتكار السوق، ورفع الأسعار والضرائب، وإنشاء أشكال جديدة من الجباية أرهقت المواطن الفلسطيني أكثر. 


المواطن وحده يتحمل عبء تراجع الدخل وارتفاع الضرائب


ويشير المشني إلى أن الأزمات تفاقمت مع ارتفاع البطالة وعدم انتظام صرف الرواتب إلا بالحد الأدنى، في وقت تتضاعف فيه أرباح رأس المال الفلسطيني حتى من داخل الأزمة نفسها، بينما يتحمل المواطن وحده عبء تراجع الدخل وارتفاع الضرائب وانكماش فرص العمل.

ويؤكد المشني أن تعليق كل شيء على الاحتلال صحيح جزئياً لكنه غير كافٍ، موضحاً أن سوء الإدارة الاقتصادية للسلطة وتواطؤ بعض القوى المالية المتنفذة عمّق الأزمة وفاقم من فقر المواطن، في ظل تفشي الفساد المالي والإداري. 

ويعتبر المشني قرارات الحكومة بتقليص الخدمات "نكتة سمجة"، متسائلاً كيف تعاقب الحكومة المواطن بينما الاحتلال يحتجز أمواله.

ويرى المشني أن الحل ليس بتغيير الحكومات بقدر ما هو بتغيير النهج الاقتصادي والسياسي معاً، عبر بلورة استراتيجية وطنية شاملة وبرنامج اقتصادي موجه نحو تعزيز الصمود، حتى لو استدعى ذلك مواجهة أزمات أخرى على المدى القريب. 

ويشدد المشني على أن استمرار التبعية للمطالب الإسرائيلية والأمريكية والأوروبية لن ينتج حلولاً حقيقية، وأن أي إنقاذ اقتصادي مرهون أولاً بقرار سياسي فلسطيني مستقل يحدد الوجهة ويرسم برنامجاً للتنمية الحقيقية.

دلالات

شارك برأيك

صرخة منتصف الليل.. النداء الأخير قبل غرق السفينة

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.