أمين الحاج
بعد أكثر من ستمائة وخمسة وأربعين يوماً على العدوان وحرب الإبادة على غزة، تبدو تل أبيب اليوم أقرب من اي وقت مضى إلى لحظة الاعتراف بأنه ليس بالإمكان أكثر مما كان، هذه القناعة لم تعد مجرد فكرة عابرة في أوساط "النخب"، بل صارت تفرض نفسها في تصريحات الجنرالات والمحللين، وفي نقاشات الإعلام العبري، الذي كان قد تجند في العدوان منذ يومه الأول، ما يكشف عن أزمة عميقة تتجاوز الفشل العسكري الى أزمة بنيوية تهدد فلسفة المشروع الصهيوني ذاته.
ارتفعت خسائر الاحتلال بشكل غير مسبوق، وتكررت العمليات النوعية وكمائن المقاومة التي ابدعت تكتيكات لم يشهدها الميدان من قبل، جعلت من شبكات الانفاق وعمليات الالتفاف واستخدام الموارد "البسيطة" عامل استنزاف حقيقي لجيش مدجج، حتى في المناطق التي احرقها وادعى "تطهيرها"، يظهر اليوم عاجزا عن تحقيق اي "انجاز" حاسم، رغم الحصار والتدمير المتواصل، فتعترف تقاريره بسقوط المئات بين قتيل وجريح وتدمير عشرات الدبابات والاليات، تحولت مناطق التوغل الى حقول للموت، والجنود الى اهداف سهلة، يتم اصطيادهم كما البط، وصار لكل محاولة تقدم ثمن باهظ يدفع دون افق لأي "نصر".
الازمة لم تعد عسكرية فقط، بل صارت فلسفية وفكرية ايضا؛ فمشاهد التوغل والانسحاب المتكررة، والحرب المفتوحة بلا نهاية، اثبتت ان منطق القوة الغاشمة عاجز عن تحقيق الحسم امام مقاومة تتجدد وتبتكر كل يوم، حتى ان جبهتهم الداخلية فقدت الثقة في قدرة جيشها على تحقيق الامن او استعادة الاسرى، فلم تعد المقاومة تكتفي بالصمود، بل باتت تفرض حضورها وتبادر بتكتيكات يصعب على جيش الاحتلال توقعها او تلافيها او احباطها او التصدي لها، بل بالكاد ينتزع جنوده منها بشق الأنفس، وسط خسائر متكررة ومتراكمة.
في قلب هذا المشهد الدموي، يتعرض المدنيون الفلسطينيون في غزة لمجازر يومية، ونادرا ما يقل العدد عن مئة شهيد في اليوم، اضافة إلى مئات الشهداء والجرحى عند مناطق توزيع ما تسمى بـ"المساعدات الإنسانية"، والتي تحولت إلى ساحات قتل جديدة، هذا النزيف المستمر اصبح جرحا غائرا في ضمير العالم، الذي يقف عاجزا امام هول الكارثة، او يتظاهر به ويتصنّعه، دون ان يحرك ساكنا لوقف المذبحة وحماية المدنيين، متجاهلا حقيقة ان كل من في غزة هم مدنيون.
المفارقة الكبرى ان اصرار الاحتلال على استمرار العدوان، او هزيمة المقاومة، رغم ادراكه لاستحالة ذلك، جعل المجتمع الفلسطيني كله رهينة لانتقام اعمى، وجعل المقاومة مجبرة على الاستمرار في معركة وجودية، تدرك جيدا ان كل يوم صمود آخر، يقربها اكثر من كسر ارادة هذا المحتل، وفرض معادلات جديدة على الجميع.
مستقبلاً، لا ترسم هذه المذبحة معالم الغضب والثأر فقط في وعي كل فلسطيني، بل تؤسس أيضاً لأزمة وجودية وفكرية داخل منظومة الاحتلال، حيث تآكل مفهوم الردع وتعاظمت الشكوك في جدوى القوة وحدها، وربما تكون هذه المرحلة بداية لتحولات تاريخية تعيد رسم المعادلات في المنطقة، وتجعل من "ليس بالإمكان اكثر مما كان" شعارا لحقبة جديدة تفرض اعادة تعريف الأهداف والأدوات بعيدا عن منطق القوة، تدرك تل ابيب الآن ان الزمن يضيق، وان الايام القادمة حاسمة، لذا تجد نفسها مضطرة لانتزاع مكاسب سياسية على الطاولة بعدما عجزت عنها في الميدان، فتسعى إلى صفقات وتفاهمات عبر الوسطاء الدوليين والاقليميين، وتضغط في كل اتجاه ممكن، مدفوعة بالخوف من استمرار النزيف او فقدان ما تبقى من أوراق القوة، لكنها تدرك ايضا ان هذا التحول لم يعد خافيا على المقاومة، التي باتت اكثر صلابة واقل استعدادا لتقديم التنازلات، بعد انها تعلمت درسها جيدا، وتأكد لها ان الميدان هو من يفرض شروط الطاولة.
وهكذا، تجاوز هذا العدوان كونه معركة عسكرية، بل نصل مسموم ينفذ الى الروح الفلسطينية بلا رحمة، وجرح نازف في ضمير الانسانية بلا اي شعور بالندم او المسؤولية، بعد ان اثبتت الوقائع بوضوح ان جبروت القوة عاجز عن كسر ارادة الشعوب، وان نهاية هذا العدوان حين تحين، لن تكون عودة الى الخلف، بل بداية لتحول جذري يطيح بأوهام التفوق المطلق، والى الأبد.
أقلام وأراء
الإثنين 14 يوليو 2025 9:28 صباحًا - بتوقيت القدس





شارك برأيك
ما بعد الوهم... غزة ترسم حدوداً للممكن!