د. محمد أبو الرب: نأمل أن يتكاتف الجميع لعبور هذه الأزمة بما يحفظ كرامة الموظفين وحقوقهم ويعزز مواجهة كل أشكال العدوان والحصار
د. أسامة النجار: يجب وضع خطة تُوازن بين ضمان استمرار عمل القطاعات الحيوية وخدمة المواطنين ومراعاة ظروف الموظفين المرهقين من الأزمة
د. شاكر خليل: إسرائيل تحتجز أكثر من 60 بالمئة من أموال المقاصة وتستخدم الـ 40 بالمئة المتبقية كورقة ابتزاز سياسي
د. مؤيد عفانة: الحكومة فقدت العديد من أدوات العمل للتكيف مع الأزمة المالية والوضع قد يتفاقم حال استمرار احتجاز المقاصة
د. ثابت أبو الروس: وزارة المالية تواجه عجزاً كبيراً في الإيرادات ما يهدد عجلة المدفوعات بالتوقف تلقائياً ويزيد من تعقيد الأزمة بشكل غير مسبوق
د. سامح العطعوط: الإنقاذ يبدأ بمجلس اقتصادي فلسطيني أعلى كنواة حقيقية لمعالجة الأزمات الاقتصادية الحالية وتخفيف آثارها
دخلت الأزمة المالية الخانقة التي تعصف بالسلطة الفلسطينية، مرحلة جديدة، وتجلت في تأخر دفع رواتب الموظفين وتقليصها، نتيجة احتجاز إسرائيل أموال المقاصة، وذلك بالتزامن مع احتجاجات نقابية أدت لتقليص الدوام في قطاع الصحة وخشية من انتقالها إلى قطاع التعليم، ما أدى إلى تعطيل جزئي لعمل المؤسسات الرسمية، وتأثر الخدمات المقدمة للمواطنين.
ويقول مسؤولون ونقابيون وخبراء ومختصون وأساتذة جامعات، في أحاديث منفصلة مع "ے"، إن أزمة المقاصة تأتي امتداداً للعدوان الإسرائيلي الشامل على الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة، والذي يستهدف تقويض عمل السلطة وتجفيف مواردها.
ويشيرون إلى أنه في ظل هذا الواقع المعقد، يجد الموظفون أنفسهم بين مطرقة الرواتب غير المكتملة وسندان الالتزامات المعيشية الثقيلة التي تتزايد مع ارتفاع الأسعار، ومع امتداد الأزمة لأكثر من 44 شهراً، باتت قطاعات أساسية مهددة إثر تقليص خدماتها.
في مواجهة ذلك، تكثّف الحكومة تحركاتها الدبلوماسية مع الدول الصديقة ومجموعة السبع للضغط على الاحتلال للإفراج عن الأموال المحتجزة، مؤكدة أن هذه الأموال حق مشروع لا يجوز تحويله إلى أداة ابتزاز.
بالتوازي، فإن النقابات تدرك أهمية وجود برنامج صمود واضح يضمن التوازن بين استمرار تقديم الخدمات للمواطنين وحماية حقوق الموظفين، مع إشراك القطاع الخاص وكل مؤسسات المجتمع في تحمّل أعباء المرحلة الصعبة، وهو ما يؤكده العديد من الخبراء.
الاحتلال يعمل على تقويض عمل مؤسسات السلطة
ويقول مدير مركز الاتصال الحكومي د.محمد أبو الرب إن الأزمة المالية الراهنة التي تمر بها السلطة الفلسطينية تأتي في سياق الحصار الإسرائيلي الشامل والعدوان المتواصل على أبناء الشعب الفلسطيني في قطاع غزة والضفة الغربية.
ويوضح أبو الرب أن الحكومة الإسرائيلية اليمينية المتطرفة تعمل بشكل ممنهج على تقويض عمل مؤسسات السلطة وإضعافها بشتى الوسائل، ما زاد من تعقيد الأوضاع الاقتصادية والمعيشية للفلسطينيين.
ويشير أبو الرب إلى أن الحكومة الفلسطينية تبذل جهوداً كبيرة مع مجموعة السبع وعدد من الدول الصديقة للضغط على حكومة الاحتلال للإفراج عن أموال المقاصة المحتجزة، مؤكداً أن هذه الأموال تعتبر حقاً قانونياً للشعب الفلسطيني ولا يجوز استمرار احتجازها كوسيلة ضغط سياسية واقتصادية.
ويؤكد أبو الرب أن رئيس الوزراء د. محمد مصطفى كان قد أدلى بتصريحات واضحة قبل أيام، شدد فيها على أن الوضع المالي والاقتصادي وصل إلى مستويات لا يمكن التعايش معها لفترة أطول، الأمر الذي استدعى تكثيف التحركات الفلسطينية على نطاق واسع خلال الأيام الجارية، شملت إيصال رسائل رسمية للعديد من الجهات الدولية الفاعلة للضغط على إسرائيل من أجل إنهاء احتجاز الأموال الفلسطينية فوراً.
ويبيّن أبو الرب أن الأزمة المالية الحالية ليست منفصلة عن العدوان الإسرائيلي على غزة والضفة الغربية، وإنما هي امتداد طبيعي لهذا الحصار المالي الذي يستهدف تجفيف الموارد وإضعاف الشعب الفلسطيني اقتصادياً.
ويؤكد أبو الرب أن الحكومة الفلسطينية تعمل بالتوازي مع شركائها الدوليين لإعادة استئناف الدعم والتمويل الدولي الذي توقف عن بعض القطاعات في الفترة الماضية، موضحاً أن بعض الدول الصديقة أبدت استعداداً لدعم الشعب الفلسطيني ضمن حزمة دعم شاملة تهدف إلى وقف العدوان وإعادة الإعمار ودفع عجلة التعافي الاقتصادي.
أزمة تتجاوز قدرة الحكومة وإمكاناتها
ويؤكد أبو الرب أن المطالب النقابية الحالية هي جزء أصيل من الحالة العامة، إذ إن هذه المطالب ترتبط بشكل مباشر بتأمين رواتب الموظفين بشكل كامل ومستمر.
ويوضح أبو الرب أن الحكومة شددت مراراً على أن حقوق الموظفين في مختلف القطاعات هي حقوق مصانة ومحفوظة، لكنها مرتبطة بالأزمة المالية والسياسية التي تمر بها فلسطين نتيجة احتجاز أموال المقاصة والحصار المستمر.
ويؤكد أبو الرب أن جميع قطاعات الشعب الفلسطيني متضررة من الأزمة المالية الراهنة بدرجات متفاوتة، ما يتطلب من الجميع تفهم المخاطر الكبيرة التي تهدد المشروع الوطني الفلسطيني في ظل هذه الظروف المعقدة.
ويشدد أبو الرب على أن جزءاً كبيراً من هذه الأزمة يتجاوز قدرة الحكومة وإمكاناتها، في ظل العدوان الإسرائيلي الشامل والحصار المفروض على الشعب الفلسطيني ومقدراته الاقتصادية.
ويشدد أبو الرب على أن الأمل قائم بتكاتف الجميع، حكومةً ونقابات ومؤسسات، لعبور هذه الأزمة بما يحفظ كرامة الموظفين وحقوقهم، ويعزز الصمود الوطني في مواجهة كل أشكال العدوان والحصار.
الأزمة المالية مستمرة منذ 44 شهراً
من جانبه، يؤكد رئيس اتحاد نقابات المهن الصحية في فلسطين د.أسامة النجار أن الأزمة المالية الراهنة، التي استمرت لأكثر من 44 شهراً، باتت عبئاً ثقيلاً لا يمكن تحمله من قِبَل الموظفين وحدهم، مشدداً على ضرورة تحمّل المجتمع الفلسطيني بأسره أعباء هذه المرحلة الحرجة سياسياً ومعيشياً، لما لها من انعكاسات خطيرة على الوجود الفلسطيني واستقراره.
ويوضح النجار أن قضية الرواتب هي قضية أساسية ووجودية، لكنها في جوهرها مرتبطة بقرصنة إسرائيلية مستمرة لأموال المقاصة الفلسطينية، داعياً إلى ضرورة الضغط على إسرائيل لاسترداد الأموال رغم تشكيكه بجدوى هذا الضغط، خاصة في ظل حرب الإبادة والعدوان المتواصل على قطاع غزة والذي لم تتمكن القوى الدولية من وقفه حتى الآن، فما بالك -كما قال- بقدرتها على إلزام إسرائيل بإعادة الأموال الفلسطينية المحتجزة.
ويقول النجار: إن التفكير بحل الأزمة المالية يجب ألا يظل مرهوناً فقط بالمقاصة، بل لا بد من البحث عن حلول إبداعية بديلة تضمن استمرار صمود الموظفين وحماية المؤسسات والمجتمع الفلسطيني من التفكك والانهيار الاقتصادي.
دعوة للقاء مباشر بين النقابات ورئيس الوزراء
ويدعو النجار إلى عقد لقاء مباشر مع دولة رئيس الوزراء بحضور جميع النقابات الفلسطينية المنتخبة، بحيث تُطرح كل القضايا بوضوح وشفافية عالية أمام الجميع، ويتم النقاش بشكل موسع للوصول إلى برنامج عمل وبرنامج صمود مشترك للمرحلة التي نعيشها، خاصة في ظل الضغوط المعيشية الكبيرة التي يتحملها الموظفون، من فواتير مياه وكهرباء واتصالات، في ظل أزمة الرواتب.
ويطالب النجار بوضع خطة توازن بين ضمان استمرار عمل القطاعات الحيوية وخدمة المواطنين من جهة، وبين مراعاة ظروف الموظفين المرهقين من الأزمة الممتدة، مشدداً على ضرورة التفاهم مع شركات الكهرباء والمياه والاتصالات والمؤسسات التعليمية والجامعات والبنوك والقطاع الخاص والقضاء، لوضع آلية وجدولة واضحة لتسديد التزامات الموظفين دون المساس بحقوقهم ودون الضغط عليهم بشكل يفوق طاقتهم.
ويؤكد النجار أن النقابات جاهزة للدخول في ترتيبات تضمن عدم انهيار الخدمات المقدمة، مشدداً على موقف اتحاد نقابات المهن الصحية الرافض للإضراب الكامل في قطاع الصحة، قائلاً: "لا يمكن أن نعاقب مريضاً بسبب عدم قيام إسرائيل بتحويل أموال المقاصة لتسديد الرواتب".
ويوضح النجار أن النقابات لجأت إلى تقليص الدوام كإجراء مرحلي، وليس كإضراب، وذلك تحت شعارين أساسيين: الأول أن التقليص لا يعني توقف تقديم الخدمة الصحية للمواطنين، والثاني أن التقليص ليس استحقاقاً ثابتاً للموظف، بل يخضع لحاجة المرافق الصحية بحيث يتم استدعاء الموظفين للعمل في أي لحظة عند الضرورة.
ويؤكد النجار أن الموازنة بين استمرار عمل المؤسسات وخدمة المواطنين، وبين ضمان حقوق الموظفين وصمودهم، هي أولوية المرحلة المقبلة، معتبراً أن النوايا الجادة والتعاون الحقيقي بين جميع الأطراف كفيلان بتجاوز هذه المرحلة ومواجهة محاولات إسرائيل لتركيع الشعب الفلسطيني في هذا الظرف الصعب الذي نعيشه.
الحكومة تمر في مأزق حرج للغاية
بدوره، يؤكد الخبير الاقتصادي والأكاديمي د.شاكر خليل أن الحكومة الفلسطينية تمر في مأزق حرج للغاية وتقف على "حافة الحافة"، نتيجة سياسات الاحتلال الإسرائيلي الذي لا يمارس فقط جرائم بحق الإنسان الفلسطيني وإنما يرتكب أيضاً جريمة اقتصادية مكتملة الأركان من خلال قرصنة أموال المقاصة، والتي تُشكل أكثر من 60% من الإيرادات العامة الفلسطينية.
ويوضح خليل أن إسرائيل تحتجز أكثر من 60 بالمائة من أموال المقاصة وتستخدم الأربعين بالمئة المتبقية كورقة ابتزاز سياسي للضغط على السلطة الفلسطينية، وهي تعلم حجم الأزمة الخانقة التي تسببت بها نتيجة عدم تحويل ما تبقى من هذه الأموال منذ نحو شهرين، رغم أن هذه الأموال حق خالص للشعب الفلسطيني وبموجب اتفاقيات موقعة.
ويشير خليل إلى أن الأزمات الاقتصادية لا تقتصر على أزمة المقاصة فحسب، بل تتزامن معها أزمة تكدّس الشيكل وأزمات مالية أخرى، ما يجعل المواطن الفلسطيني – وخاصة موظفي القطاع العام – المتضرر الأكبر من هذه السياسات، إذ يقف الموظفون بين مطرقة الرواتب غير المكتملة وسندان الالتزامات المعيشية المتراكمة في ظل غلاء الأسعار وغياب عديد من الأمور المستحقة لهم.
ويشدد خليل على أن جوهر الأزمة سياسي بامتياز، ولا يمكن لأي حلول فنية أو مالية أن تنهيها من جذورها، مشيراً إلى أن الحلول الأخرى قد تُسهم في التخفيف من حدة الأزمة لكنها لن تُنهي المعاناة ما لم يوجد حل سياسي يعالج أصل المشكلة وينهي حالة القرصنة والابتزاز التي تمارسها إسرائيل.
دور القطاع الخاص في التخفيف من الأزمة
ويلفت خليل إلى أهمية التعاضد المجتمعي في هذه المرحلة، موضحاً أن القطاع الخاص ومؤسساته مطالبون بالمساهمة في التخفيف من آثار الأزمة رغم الضغوط التي يواجهونها بدورهم، بحيث لا يشعر الموظف في القطاع العام بأنه تُرك وحيداً في مواجهة هذه الأعباء، بل ينبغي إيجاد بيئة داعمة تعزز من صموده من خلال التنسيق والتشبيك بين مختلف مفاصل المجتمع الفلسطيني والقطاع الخاص والمؤسسات الأهلية.
ويدعو خليل إلى التفكير خارج الصندوق، وعدم ترك الموظف كـ"رأس حربة" يواجه الأزمة منفرداً، مع التأكيد على أن امتعاض الموظفين حق مشروع لهم حيث أنهم تحملوا هذه الظروف الصعبة، لكن يجب في الوقت نفسه تحقيق التوازن في ممارسة هذا الحق بما لا يزيد من تعقيد الأوضاع في ظل هذه الظروف المفصلية.
ويحذر خليل من كارثة حقيقية اقتصادية إذا لم تُفرج إسرائيل عن أموال المقاصة خلال الأيام المقبلة، مبيناً أن نفقات السلطة الفلسطينية الشهرية تصل إلى نحو مليار و300 مليون شيكل، بينما لا تمتلك السلطة حالياً سوى نصف هذا المبلغ هذا في حال ما حولت اسرائيل ما تبقى من أموال المقاصة، ما يزيد من حدة المأزق ويدعو إلى تحرك عاجل على المستوى الدولي والعربي للضغط على إسرائيل لإنهاء هذه الجريمة الاقتصادية بحق الفلسطينيين.
الأزمة المالية التي تمر بها السلطة بلغت ذروتها
من جهته، يؤكد الخبير الاقتصادي د. مؤيد عفانة أن الأزمة المالية التي تمر بها السلطة الفلسطينية بلغت ذروتها خلال الأشهر الأخيرة، وذلك بسبب عدم تحويل إيرادات المقاصة من قبل الاحتلال الإسرائيلي، والتي تُعد المكوّن الأكبر للإيرادات العامة للسلطة الفلسطينية.
ويوضح عفانة أن هذه الأزمة تفاقمت مع تراجع الإيرادات المحلية نتيجة الانكماش الاقتصادي، إلى جانب تراجع الدعم الخارجي، ما أدى إلى تراجع السيولة النقدية لدى الحكومة بشكل خطير.
ويرى عفانة أن الحكومة الفلسطينية فقدت العديد من أدوات العمل للتكيف مع الأزمة المالية، مثل الاقتراض البنكي أو الاقتراض من الصناديق المختلفة، وهو ما دفع الحكومة إلى الاستمرار في سياسة دفع 70% فقط من قيمة الرواتب، وبحد أدنى 3500 شيكل للموظف.
ويشير عفانة إلى أنه في شهر حزيران الماضي، اضطرت الحكومة لدفع نسبة الـ 70% من الرواتب على دفعتين، في مؤشر خطير على عمق الأزمة.
ويحذّر عفانة من أن الوضع قد يتفاقم أكثر في حال استمرار احتجاز كامل إيرادات المقاصة، موضحاً أن الحكومة قد لا تتمكن من دفع نسبة الـ 70% المعهودة للرواتب هذا الشهر، وأن هناك سيناريوهات أخرى ستفرض نسباً أقل، وهو ما يزيد من حالة القلق لدى الموظفين الحكوميين الذين يعيشون حالة احتقان متواصل منذ بدء أزمة الرواتب المجتزأة في الربع الرابع من العام 2021.
ويبيّن عفانة أن طول أمد الأزمة دفع بعض النقابات للإعلان عن فعاليات احتجاجية وتقليص الدوام، ما خلق حالة من التوتر في المجتمع الفلسطيني، وأصبحت قضية رواتب الموظفين والإضرابات قضية رأي عام تؤرق جميع شرائح الشعب الفلسطيني.
خطة إسرائيلية لخنق الضفة جغرافياً واقتصادياً واجتماعياً
وفي تحليله لجذر المشكلة، يشدد عفانة على أن السبب الرئيس سياسي بالدرجة الأولى، إذ إن احتجاز إيرادات المقاصة وخنق الاقتصاد الفلسطيني جزء من خطة معلنة للحكومة الإسرائيلية تهدف إلى خنق الضفة الغربية جغرافياً واقتصادياً واجتماعياً، وإفقار المواطنين الفلسطينيين وخلق بيئة طاردة للحياة، ما يجعل الحل الفني محدوداً جداً وغير كافٍ إذا استمر الاحتلال في عدم تحويل الإيرادات.
ويدعو عفانة إلى العمل على مستويات سياسية مختلفة، مطالباً القيادة الفلسطينية بتكثيف جهود الضغط الدولي عبر السلك الدبلوماسي والدول الشقيقة والصديقة ومؤسسات المجتمع المدني والقطاع الخاص، لإجبار إسرائيل على الإفراج عن أموال المقاصة المحتجزة، والتي بلغت تراكمياً حوالي 8.2 مليار شيكل، أو على الأقل المبلغ المحتجز في الشهرين الأخيرين بعد الاقتطاعات والذي يقدّر بحوالي 890 مليون شيكل.
ويؤكد عفانة ضرورة التحرك بدعوى قانونية دولية ضد إسرائيل، التي تنتهك بروتوكول باريس الاقتصادي باحتجازها هذه الأموال.
وفي الوقت ذاته، يشدد عفانة على أهمية العمل بالتوازي لتأمين شبكة أمان عربية قادرة على توفير تمويل طارئ يساعد الحكومة على الانتظام في دفع رواتب موظفي القطاع العام، لتخفيف حدة الأزمة على الموظفين وعائلاتهم.
وعلى الصعيد المحلي، يدعو عفانة إلى مشاركة القطاع الخاص والهيئات المحلية والجامعات الفلسطينية في تحمّل جزء من أعباء الأزمة، رغم تضرر بعضها بفعل انكماش الاقتصاد والإجراءات الإسرائيلية.
تسهيلات خاصة للموظفين من المؤسسات الخاصة
ويوضح عفانة أن من شأن هذه المشاركة أن تشمل منح إعفاءات وتقسيط الفواتير المختلفة مثل الكهرباء والمياه والتأمين والاتصالات ورسوم الجامعات للموظفين الحكوميين، بضمان مستحقاتهم لحين تجاوز الأزمة.
ويطالب عفانة البنوك بتقديم تسهيلات خاصة للموظفين المقترضين، ومراعاة ظروف عدم انتظام رواتبهم، إلى جانب إجراءات عملية للحد من تكاليف الوظيفة، مثل السماح بمرونة العمل عن بُعد لتقليل نفقات المواصلات، شريطة عدم الإضرار بالخدمات المقدمة للمواطنين.
ويؤكد مؤيد عفانة على ضرورة تعزيز الحوار الوطني بين جميع المكونات السياسية والمجتمعية من حكومة وقطاع خاص ومنظمات مجتمع مدني ومكونات شعبية وشبابية، بعيداً عن لغة الاتهامات، لأن الأزمة تهدد الكينونة الفلسطينية والنظام السياسي برمّته، وليست مجرد أزمة مطلبية تخص شريحة الموظفين رغم أحقيتهم برواتبهم.
ويحذّر عفانة من أن استمرار الاحتجاجات المطلبية قد يفاقم من معاناة الفئات الفقيرة والمهمشة، التي تعتمد بشكل أساسي على الخدمات الحكومية غير المكلفة مقارنة بخدمات القطاع الخاص.
ويشدد عفانة على أن تجاوز الأزمة يتطلب تكاتف الجميع والعمل بمسارات متوازية وبمشاركة كل القطاعات، محذراً من أن القادم سيكون أصعب وأشد قسوة إذا لم يتم العمل العاجل والجماعي لإنقاذ الوضع المالي والاقتصادي الفلسطيني قبل فوات الأوان.
اعتماد أساسي على إيرادات المقاصة
الخبير والمحلل الاقتصادي د. ثابت أبو الروس يقول إن الفعاليات الاحتجاجية النقابية التي تشهدها الضفة الغربية مؤخراً تعود أساساً إلى أزمة الرواتب الناتجة عن أزمة المقاصة التي خلقها الاحتلال الإسرائيلي من خلال الاقتطاعات المتكررة من حسابات المقاصة.
ويوضح أبو الروس أن السلطة الفلسطينية تعتمد بشكل أساسي على إيرادات المقاصة التي تشكل نحو 60% إلى 65% من إجمالي الإيرادات العامة، إلى جانب المنح الخارجية والإيرادات الداخلية.
وببيّن أبو الروس أن أي انقطاع في هذه الإيرادات ينعكس مباشرةً على قدرة السلطة الفلسطينية على الوفاء بمصروفاتها، سواء لصالح القطاع الخاص أو قطاع الأعمال أو موظفي القطاع العام، مشيراً إلى أن ما يتم صرفه من مستحقات مالية يعتمد بالدرجة الأولى على الحصيلة التي تجبيها وزارة المالية.
ويشير أبو الروس إلى أنه منذ شهر نوفمبر 2021، لم تتمكن السلطة الفلسطينية من الالتزام بدفع فاتورة الرواتب بشكل كامل، بسبب الاقتطاعات الإسرائيلية المتكررة، لافتاً إلى أن الأزمة تفاقمت بشكل أكبر بعد قيام وزير مالية الاحتلال بتسلئيل سموتريتش برفع قيمة الاقتطاعات، ما جعل ما تتلقاه السلطة من أموال المقاصة لا يتجاوز ثلث الإيرادات الواجبة التحصيل.
13 مليار شيكل مجموع الالتزامات المطلوبة
ويوضح أبو الروس أن هذه التطورات انعكست سلباً على قدرة السلطة الفلسطينية على الوفاء بالتزاماتها المالية تجاه القطاع الخاص وموظفي القطاع العام والقطاعات الحيوية كالتعليم والصحة، لافتاً إلى أن مجموع الالتزامات المطلوبة من وزارة المالية لصالح مختلف القطاعات تقدر بنحو 13 مليار شيكل.
ويشير أبو الروس إلى أن الدعوات الأخيرة للإضراب، خاصة في القطاع الصحي وبعض المؤشرات التي تتحدث عن انتقاله للقطاع التعليمي، تعتبر خطيرة جداً وتمس شعور المواطن الفلسطيني بالاستقرار، كونها تؤثر على قطاعين أساسيين يمسان حياة كل مواطن، موضحاً أن حق الإضراب مشروع بموجب قانون العمل الفلسطيني وقانون الخدمة المدنية، ولكنه يجب أن يتم وفق ضوابط وتشريعات واضحة.
ويحذر أبو الروس من أن استمرار الإضرابات في القطاع الصحي أو انتقالها إلى التعليم قد يؤدي إلى حالة من الشلل، خاصةً أن وزارة الصحة تقدم خدماتها لمختلف قطاعات المجتمع الفلسطيني، الذي بات يعتمد بشكل كبير على الخدمات العامة نظراً لتراجع قدراته المالية.
ويؤكد أبو الروس أن وزارة المالية تواجه عجزاً كبيراً في الإيرادات، وإذا انعدمت هذه الإيرادات فإن عجلة المدفوعات ستتوقف تلقائياً، ما قد يزيد من تعقيد الأزمة بشكل غير مسبوق.
ويشدد أبو الروس على أن الحلول لأزمة المقاصة ليست مالية أو اقتصادية بحتة، وإنما سياسية بالدرجة الأولى، مبيناً أن التزام إسرائيل بدفع الأموال المستحقة وفق بروتوكول باريس الاقتصادي من شأنه أن يحدث انفراجة كبيرة في الوضع المالي للسلطة.
ويدعو أبو الروس إلى تصعيد الجهود على المستوى الدولي للضغط على إسرائيل، مع التفكير في حلول بديلة مثل وجود دولة وسيطة لتحويل الأموال، رغم تعقيد هذا الخيار.
تفعيل الجهود الدبلوماسية
ويشير أبو الروس إلى أن الحلول المجتزأة التي يتم اللجوء إليها كل شهر غير مجدية، لأن المشكلة متكررة بطبيعتها، إذ إن فاتورة الرواتب متكررة وتشكل عصب الحياة اليومية للموظفين ولقطاعات حيوية كالصحة والتعليم.
ويلفت أبو الروس إلى أن القطاع الخاص بدوره يطالب بحقوقه المالية، خاصة موردي الأدوية لوزارة الصحة، حيث تصل قيمة مستحقات القطاع الخاص لدى وزارة المالية إلى نحو مليار و600 مليون شيكل.
ويؤكد أبو الروس أن السلطة الفلسطينية لا تملك موارد طبيعية أو مصادر دخل مثل بعض دول الخليج الغنية بالنفط، مما يجعل إيرادات المقاصة والدعم الخارجي الموردين الرئيسيين لتغطية التزاماتها.
ويشدد أبو الروس على أهمية تفعيل الجهود الدبلوماسية لتحصيل إيرادات إضافية على شكل هبات أو تبرعات مشروطة موجهة مباشرة للقطاعات الحيوية، لتقليل آثار الأزمة ومنع تفاقمها في ظل الظروف السياسية والاقتصادية المعقدة التي تمر بها فلسطين.
دولة الاحتلال تُصدّر أزمات متلاحقة للفلسطينيين
بدوره، يؤكد الخبير المالي والاقتصادي وأستاذ العلوم المحاسبية في جامعة النجاح الوطنية د.سامح العطعوط أن الفعاليات الاحتجاجية النقابية الجارية على خلفية أزمة الرواتب ونقصانها تعكس بوضوح حجم الأزمة المرتبطة باحتجاز أموال المقاصة من قبل الاحتلال الإسرائيلي، موضحاً أن هذه الأزمة ليست منفصلة عن سلسلة أزمات متوالدة، بل إنها نتيجة مباشرة للسياسات الإسرائيلية التي تستهدف الفلسطينيين اقتصادياً إلى جانب العدوان الأمني والعسكري والقضم المستمر للأراضي الفلسطينية.
ويبيّن العطعوط أن على الفلسطينيين أن يدركوا أن حكومة الاحتلال لا تكتفي بالحرب الأمنية والعسكرية والسياسية، بل تشن أيضاً حرباً تجارية واقتصادية موازية، هدفها تصدير أزمات متلاحقة للطرف الفلسطيني، مثل أزمة أموال المقاصة التي تسببت مباشرةً بأزمة الرواتب، وكذلك أزمة تكدس الشيكل وتهديد العلاقات المصرفية والتجارية، وهي أزمات ستظل أداة ضغط دائمة بيد الاحتلال لإرباك المشهد الفلسطيني.
التعامل مع التحديات كمسؤولية جماعية
ويشير العطعوط إلى أن الحل يبدأ بالاعتراف بهذه الحقيقة، والتعامل مع هذه التحديات كمسؤولية جماعية لكل مكونات المجتمع الفلسطيني، داعياً إلى تشكيل مجلس اقتصادي فلسطيني أعلى بشكل عاجل من أجل العمل على إنقاذ المشهد، على أن يضم المجلس ممثلين عن الحكومة والوزارات المعنية وسلطة النقد الفلسطينية، إضافة إلى جهات رقابية على البنوك والقطاع المصرفي، ومؤسسات الإقراض والقطاع الخاص، فضلاً عن الغرف التجارية وملتقيات رجال الأعمال ونخبة من الأكاديميين والخبراء الاقتصاديين في فلسطين.
ويشدد العطعوط على أن تشكيل هذا المجلس الاقتصادي التنظيمي الأعلى سيكون بمثابة نواة حقيقية لمعالجة الأزمات الاقتصادية الحالية، وسيعمل على التخفيف من آثار الأزمات على المواطن الفلسطيني وعلى الاقتصاد ككل، من خلال وضع سياسات فعّالة وإجراءات واقعية للحد من تبعات الأزمات التي يصدرها الاحتلال باستمرار.
ويؤكد العطعوط على أن التعامل مع الأزمات لا يمكن أن يتم من خلال تحميل كل طرف عبء الأزمة بمفرده، بل من خلال تكامل الجهود، مشيراً إلى ضرورة توقع الأسوأ من الاحتلال، والاستعداد له بخطط اقتصادية محكمة تمكن الفلسطينيين من مواجهة الواقع المعقد بأقل الأضرار الممكنة، بما يحفظ استقرار الوضع الاقتصادي ويعزز صمود الشعب الفلسطيني.





شارك برأيك
حبس أموال المقاصة.. الرواتب تضغط على العصب السابع